في بداية الألفية، وعندما كنت طالبًا في الجامعة أدرس مادة التمويل، ما زلت أتذكر جيدًا كلام المحاضر عن رئيس مجلس الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) بقوله «ألان غرينسبان قد يكون الرجل الأقوى في العالم، حتى من الرئيس الأمريكي نفسه!». بعد عقدين من الزمن، ها أنا ذا أكتب عن جدلية استقلال البنك المركزي والدور المنوط به خلال الأزمات. نعني باستقلالية البنك المركزي هو منح الحكومة للبنك المركزي السلطة في صياغة السياسات النقدية وإدارتها وتعيين أعضائها، من دون تدخل الحكومة والبرلمان. تمنح هذه المنظومة المؤسسية البنك المركزي درجة من الاستقلالية مماثلة لتلك التي تتمتع بها السلطة القضائية.

يعد موضوع استقلالية البنك المركزي عن الحكومة من المواضيع الشائكة بين الأوساط السياسية والاقتصادية. لاسيما بعد تكرار الأزمات المالية والاقتصادية التي تعصف بمناطق كثيرة من العالم، حيث تمثل الاستقلالية ركنًا أساسيًّا في عملية تحقيق الاستقرار النقدي والاقتصادي كما يدَّعي بعض الاقتصاديين. السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل نحتاج فعلًا إلى استقلالية البنك المركزي لضمان استقرار الاقتصاد؟ أم أنَّ استقلالية البنك المركزي عبارة عن وهم مدعوم من أصحاب المصالح كالبنوك والأكاديميين؟ سأحاول الإجابة عن هذين السؤالين مع الأخذ بعين الاعتبار دعم النقاش بالأدلة العلمية.

نشأة وتطور مفهوم استقلالية البنك المركزي

لقد تطور دعم فكرة استقلالية البنك المركزي بمرور الوقت. في الولايات المتحدة والعديد من البلدان الأخرى، دفعت معدلات التضخم المرتفعة والمتقلبة تاريخيًّا في السبعينيات وأوائل الثمانينيات إلى إعادة التفكير في السياسات النقدية وممارسات البنك المركزي. منذ ذلك الوقت، لاحظنا التقاء اتجاهين عالميين: التبني الواسع النطاق لممارسات السياسة النقدية المحسنة والقضاء الفعلي على معدلات التضخم المرتفعة. تشتمل ممارسات السياسة المحسنة بشكل بارز على تعزيز واسع النطاق لاستقلالية البنك المركزي، وزيادة الشفافية من جانب لجان السياسة النقدية، وتأكيد استقرار الأسعار كهدف مقرر يعمل على تحقيقه البنك المركزي.

تعود جذور هذه الأفكار السابقة إلى العالم الاقتصادي ديفيد ريكاردو سنة 1824 عندما شدد على أهمية استقلال البنك المركزي عن الحكومة. ويضيف قائلًا: «لا يمكن الاطمئنان في الاعتماد على الحكومة في السيطرة على إصدار النقود النقدية، إذ إن منح الحكومة هذه السلطة سوف يؤدي غالبًا إلى الإفراط في استخدام هذه السلطة». من هنا نرى أن استقلالية البنك المركزي قد تعمل على تقييد الرئيس أو الحكومة من اتخاذ قرارات نقدية، كتخفيض الفائدة مثلًا لخدمة مصالحها السياسية خصوصًا مع اقتراب الانتخابات في سياق الدول الديمقراطية.

استقلالية البنوك المركزية بين الكلام النظري والدراسات التجريبية

لنفترض عزيزي القارئ أنك قد كُلِّفت بكتابة الدستور والقوانين الخاصة بدولة ما. هل تعطي رئيس الدولة سلطة على سياسات البنك المركزي؟ أم أنك ستسمح للبنك المركزي باتخاذ قرارات خالية من هذا التأثير السياسي؟

هكذا استهل جريجوري مانكيو Gregory Mankiw، بروفسور الاقتصاد في جامعة هارفرد، مقالته سنة 2007 عن مدى جدوى استقلالية البنوك المركزية. من هنا راجع مانكيو العديد من الدراسات في هذا الخصوص، وعلق عليها قائلًا: «أجرى العديد من الباحثين الدراسات في آثار قوانين الدستور على السياسة النقدية. في هذا السياق، عمل الباحثون على دراسة قوانين الدول المختلفة لبناء مؤشر استقلالية البنك المركزي. يعتمد هذا المؤشر على خصائص مختلفة، مثل طول مدة عمل المصرفيين، ودور المسؤولين الحكوميين في مجلس إدارة البنك المركزي، وتردد الاتصال بين الحكومة والبنك المركزي. ثم درس الباحثون العلاقة بين استقلالية البنك المركزي وأداء الاقتصاد الكلي». وأضاف قائلًا:

«نتائج هذه الدراسات مذهلة. ترتبط البنوك المركزية الأكثر استقلالية ارتباطًا وثيقًا باستقرار الأسعار وتضخم أقل. تميل البلدان التي كان لديها بنك مركزي مستقل، مثل ألمانيا وسويسرا والولايات المتحدة، إلى انخفاض متوسط ​​التضخم. بينما تميل البلدان التي لديها بنوك مركزية أقل استقلالية، مثل نيوزيلندا وإسبانيا، إلى ارتفاع متوسط ​​التضخم. كما وجد الباحثون أنه لا توجد علاقة بين استقلالية البنك المركزي والنشاط الاقتصادي الحقيقي. على وجه الخصوص، لا ترتبط استقلالية البنك المركزي بمتوسط ​​البطالة أو تقلبات معدل البطالة أو متوسط ​​نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي Real GDP، أو تقلب الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي».

لكن الأزمة الاقتصادية سنة 2008- 2009 كشفت عن الكثير عن مساوئ استقلالية البنك المركزي والتي أضرت بمصالح الدول الاقتصادية على المستوي المحلي والعالمي. ولأن الشيء بالشيء يذكر، أدعوك عزيزي القارئ أن تشاهد الفيلم الوثائقي inside job، والذي كشف عن عمق فساد القطاع المالي والأكاديمي في الولايات المتحدة الأمريكية، مما أدى إلى خسارة آلاف المليارات من الدولارات خلال الأزمة الاقتصادية العالمية.

في هذا الصدد، ذكر العالم جوزيف ستيجليتز Joseph Stiglitz الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد أن استقلالية البنك المركزي مبالغ فيها حيث كشفت الأزمة الاقتصادية سنة 2008- 2009 عن أن أداء الدول ذات البنوك المركزية الأقل استقلالية كالصين والهند والبرازيل أفضل بكثير من الدول ذات البنوك المركزية الأكثر استقلالية كأوروبا والولايات المتحدة. وأضاف «لا يوجد شيء اسمه مؤسسات مستقلة حقًّا. جميع المؤسسات العامة خاضعة للمساءلة وملزمة بالطاعة والسؤال الوحيد هو لمن؟».

أجاب عن هذا السؤال عالم الاقتصاد في جامعة جورج مايسون أليكس تبرك Alex Tabarrok حيث ذكر أن المؤيدين لاستقلالية البنك المركزي بحجة عدم «تسييس» القرارات هو أمر مخادع. وأضاف أنه لا يوجد شيء سحري في استقلالية البنك المركزي بجعل التضخم منخفضًا. السبب الرئيسي في أن البنوك المركزية المستقلة أفضل في السيطرة على التضخم هو أنه في غياب السيطرة السياسية المباشرة من قبل الحكومة، فإن آلية الاختيار الافتراضية تفضل المصرفيين، أي المقرضين، وهم الأشخاص الذين تجعلهم مصالحهم أكثر ملاءمة تجاه انخفاض التضخم. وبالتالي، فإن استقلالية البنك المركزي هو بالأساس قرار سياسي لتفضيل أصحاب المصالح كالبنوك والشركات الاستثمارية، وشركات التأمين، في قرارات السياسة النقدية.

الختام

باختصار، يرى المؤيدون ضرورة استقلالية البنك المركزي حتى لا تصبح أداة تستخدمها الحكومة لأغراضها السياسية. من ناحية أخرى، يرى المعارضون أن الهدف من استقلالية البنك المركزي هو بالأساس لخدمة المقرضين وأصحاب المصالح الاستثمارية. ما أود أن أقوله في هذه المقالة هو أنه يجب إعادة النظر في الآليات التي يعمل بها البنك المركزي. هذه الآليات يجب أن تكون مرتكزة على خدمة مصالح الشعب public interest وليس لخدمة الحكومة أو المقرضين. أيضًا، تقوم هذه الآليات على مبدأ التعاون والتوازن بين سلطتي الحكومة والبنك المركزي check and balance بما ينسجم مع أهداف الحكومة الاقتصادية.

نرى ذلك واضحًا في الحالة التركية في الأعوام القليلة الماضية. فبينما سعت الحكومة التركية والمتمثلة في وزارة المالية بدعم القطاع الخاص عن طريق دعم الصادرات وخفض الضرائب، عمل البنك المركزي على رفع الفائدة وبالتالي زيادة أعباء الديون على الشركات الخاصة. نتيجة لذلك، تسبب هذا التضارب في السياستين المالية والنقدية نسبيًّا في تضخم الليرة التركية. لذلك باتت الحاجة ملحة في الاقتصاد الحديث إلى تعاون المؤسسات لتحقيق الأهداف الاقتصادية للدولة وضمان تحقيق نمو مستدام وبتضخم منخفض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد