عند الله الملتقى!

في الشطرنج نضحي بكل شيء من أجل الملك: الوزراء، الخيل، الفيلة، والعسكر. الجميع من أجل واحد! إن عاش وحيدًا فقد انتصرنا، وإن قتل وحيدًا فقد هزمنا، وإن كنا جميعًا على قيد الحياة، اختزال مجحف لكل شيء!  أيضًا، الحاكم في عالمنا العربي هو مركز كل شيء: الحكومة، الفكر. فهو المَثّال، ونحن صلصاله، يخلق من فكرنا كيف يشاء. هو الوطن، والولاء لا يكون إلا له، فإذا كان قوميًا فنحن قومييون، وإذا كان ليبراليًا فنحن ليبراليون، هو الراعي ونحن القطيع. إن انتماءك لوطنك يدور في فلك الزعم، فأنت وطني ما دمت قريبًا، وخائنًا ما عارضت. الزعيم يعرف ما لا نعرف، ويرى ما لا نرى، فهو كاهن الأسرار، وقديس الأزمان، لا يخطئ أبدًا.

الزعماء، القادة، أصحاب الفخامة والسمو، لا يوجد حاكم عربي لا يحصد الألقاب، فالحاكم عندنا ليس إلا مزيجًا من الألقاب.  يا صديق، نحن قوم نطلق الألقاب بالمجان، والجهد والعرق ليس شرط الألقاب، فقط انزل إلى الشارع، وسوف تحصد الألقاب، إذا كنت صاحب نظارة فأنت دكتور، وصاحب حرفة فأنت بشمهندس، وقد تكون كابتن؛ فأنت صغير السن، وإذا كنت باشا؛ فأنت تستحق التملق، لا يهم ماذا تعمل أو تفعل. فما بالك بالزعماء، لابد أن تنهال عليهم الألقاب بسخاء، بل يا عزيزي هم من يصنعون الألقاب، فتصبح وسامًا على الصدور حتى لو حملت أسفه المعاني والألفاظ.

هلا قبلنا يمين الله!

  واعتصموا بحبل الله جميعًا، آية نحفظها جميعًا عن ظهر قلب؛ لكن بأي حبل نتمسك، قد تتصور أن هذا الحبل، هو خيط مستقيم يربط بين نقتطين، تكون العقدة الأولى عندك والأخرى عند أخيك هناك. لكن أين الله؟ وليس حبل الله الذي يمسك فيه الزعماء العرب بطرف، وطرفه الآخر رئيس أمريكا، ما هو حبل الله يا ترى؟ حبل الله هو الذي يكون أوله عندك ونهاية أوله هناك في السماء، نعم حبل الله، هو ميثاق بينك وبين الله، ومع تكرار الحبال تكون روابط كثيرة، تتخذ طريقها صعودًا إلى السماء، تتنهي بدايتها جميعًا عند نقطة واحدة هي يمين الله. هنا يكون الملتقى!

حبل الله هو بيعة في أبسط صورها، يد الله فيها فوق أيدي الجماعة. من هنا، من نقطة الالتقاء، يمكن أن تمتد حبال آخرى بينك وبين إخوتك، مكونين قاعدة هرم يكون قمته هو الله. حينما تتحرك علي الأرض ممسكًا بطرفك، فأنت تشكل دائرة يكون الله مركزها. هل أوحى هذا لك بشيء آخر؟ الحجر الأسود، نقطة البداية في الطواف، يمين الله في أرضه، تجسيد عملي للفكرة. هنا قد تكون الإشارة من بعيد، قد يكون السلام، قد تكون القبلة، هلا قبلنا يمين الله. هنا الملتقى وهنا عرفات التعارف.

ما زلنا نعبد أصنامًا يا صديق! فالصنم هو التجسيد  المادي لفكرة رفضها العقل مجردةً، فكان التجسيد لتمثيل الأفكار، فنحن نضرب أمثالًا لإيضاح الأفكار، ونجسدها لنعبدها.  لقد حذونا حذو أفراد العائلة، فاتخذنا حكامنا أربابًا من دون الله، فهم يحلون ويحرمون، ويغيرون من الدين ما يشاءون. يا صديق اكسر أصنامك بمعولك، واحذر! أن يكون معولك هواك، فالهوى لا يهدم صنمًا، بل يبتلعه حتى يكون هو الصنم الأكبر.

نعم، فالهوى هو أكبر صنم داخلك، ولأجله صنعت كل هذه الأصنام في معبدك. الهوى كالساحر؛ يقوم بكثير من عمليات الخداع النفسي، يلبس الباطل الحق والحق الباطل، وقليل منا لديهم أدوات كشف السحر، فلا تخدع نفسك! ليكن معولك هو الحق، فما يقاتل من أجله العدو، يقاتل من أجله الحبيب. خطأ واحد – وإن ارتكبه جميع الناس – والحق واحد وإن لم يفعله أحد.

يا صديق، اجعل الله هو مركز حياتك، واعلم أن الله هو أغنى الشركاء عن الشريك، فالولاء لا يكون الا لله، ثم لكل من وضع عقدة حبله في يمين الله لله، لا عرب، لا قومية، لا زي معين، هو أخ لك معقود بحبل الله، إـن تركت طرف حبلك فأنت من سيسقط، ويبقى أخاك معلقًا في يمين الله، لا تكن على هامش أحد، لا تعبد أصنامًا، فالصنم قد يكون شخصًا نؤلهه، فكرة في عقلنا نعبدها، أو هوى في القلب تسجد له الروح. هنا يكون الاعتصام بالله هو مولانا نعم المولى ونعم النصير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات