إن الموقف الفلسطيني من كل ما يدور حوله من تناقضات دولية تجاه صفقة القرن هو موقف المتفرج، ويعود ذلك لما نسميه من «فرطة السبحة».

رفضت القيادة الفلسطينية بدورها ما تسمى بـ«صفقة القرن» لما تمثله هذه الخطة المسمومة بالسلام من خطر حقيقي على القضية الفلسطينية وضياعها إلى الأبد، ففكرة أن أقبل كفلسطينية ما يخاط علينا هو قبول واضح ببيع الأرض والقضية، التي دافعنا عنها بأرواحنا ودمائنا وحريتنا، يعني ذلك أننا بعنا دم شهدائنا وحرية أسرانا بثمن بخس، يعني أننا قبلنا بالتشريد بدول الآخرين وسنعتبر مواطنين من الدرجات الدنيا، وينظر إلينا كما نظروا سابقًا لـ«عواد الذي باع أرضه»، وظلوا يهللون له وينكلون به ليلًا نهارًا إلى أن مات، وبقيت قصته عبرة لمن اتعظ.

كل من هذه الدول الشقيقة التي وافقت على مرور «صفقة القرن»، وكما أمرتهم ماما أمريكا، هي فقط لتمرر بلادها إلى السلام المسموم بالتطبيع مع المحتل الصهيوني، من خلال مبرر واحد هو حفظ الأمن والأمان لشعوبهم، قاذفين بالفلسطينيين إلى محرقة التاريخ، وإلى أفواه جهلة الإعلام المطبع والمسوق للإساءة الدائمة للشعب الفلسطيني.

إن رؤية الولايات المتحدة الأمريكية والدول العربية والإسلامية الشقيقة هي أن هذه الخطة ستؤدي إلى سلام دائم للمنطقة، وهي أن كل دولة منها تحفظ أمنها وأمن شعوبها، وبما فيها أمن إسرائيل التي هي الأساس لنشوء هذه الخطة.

لم يتحدث أحد عن أمن واستقرار الفلسطينيين وحريتهم التي ظلوا يحلمون بها ما يقارب 103 عامًا، منذ وعد بلفور المشؤوم الذي أعطى الأرض لمن لا يستحق، واستمررنا طوال هذه السنوات ننادي بالأرض، ننادي بفلسطين، إلى أن جاءت نكسة 67 وأصبحنا من حينها ننادي إلى الآن بدولة على حدودها لإقامة دولتنا الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، نعم القدس كاملة لا شرقية، ولا غربية، سنرضى بها نحن شعب فلسطين.

فإذا ما تطرقنا للمواقف الدولية تجاه «صفقة القرن»، بداية من مملكة البحرين وسلطنة عمان والامارات العربية، الذين حضر سفراؤهم إعلان الصفقة دون أن يقرأوا بنودها، فأمريكا أمرت بالحضور وكان يجب الانصياع للأوامر، وعند سماع المفأجاة خرجوا وقالوا إنه لا علم لهم بما جاء بالخطة المطروحة، وأنهم لم يطلعوا عليها! وهذا ما يثير العجب العجاب من هذه الدويلات وعلى موقفهم المطبع وتناقضهم الضد من الصفقة.

نأتي لباقي وما تبقى من الدول التي رأت بالموقف الفلسطيني موقفًا سلبيًا، واتهمتنا حينها بالتسرع، وأننا يجب أن نمهل الطرف الآخر ليطرح فكرته، ويجب علينا قراءة الصفقة المسمومة أولًا قبل الإعلان بالرفض، 181 صفحة، مَن مِن هؤلاء قرأها ليقنعنا بالقراءة؟ وانصاعت القيادة الفلسطينية ممثلة بالرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبي مازن)، وقرئت الخطة واختصرها أبو مازن ومستشاروه على 20 صفحة فقط تناولت أهم ما جاء بالصفقة:

  1. القدس عاصمة موحدة لإسرائيل.
  2. الاعتراف بالمستوطنات في الضفة الغربية.
  3. موافقة إسرائيلية لتجميد البناء في المستوطنات لأربع سنوات، مع بدء المفاوضات بشأن دولة فلسطينية.
  4. وحدة أراض جغرافية للدولة الفلسطينية وإقامة سفارة أمريكية فيها.
  5. تواصل جغرافي بين قطاع غزة والضفة الغربية.
  6. إقامة دولة فلسطينية عاصمتها في القدس الشرقية.
  7. المحافظة على الوضع الراهن فيما يتعلق بالبلدة القديمة في القدس.
  8. القدس «الإسرائيلية» سيتم فصلها بجدار، و الضواحي خلف الجدار ستكون تحت سيادة فلسطينية.
  9. 40% من الضفة الغربية فلسطينية.
  10. 30% من الضفة الغربية (غور الأردن وكل المستوطنات والطرقات التي تؤدي إلى هذه المستوطنات) هي تحت سيادة إسرائيلية.
  11. رصد 50 مليار دولار للدولة الفلسطينية المقبلة.
  12. عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى الدولة الفلسطينية فقط، مع تخصيص صندوق تعويضات.

وخرجنا وأكدنا على الرفض مرة أخرى، ولكن هؤلاء لم يتركونا بحالنا، بل يريدوننا التوقيع والبيع، أو الاتهام بأننا لا نريد السلام والمال التي تتبرع به تلك الدول دعمًا للشعب الفلسطيني ومواساة لنكبتهم.

ليخرج كبير مستشاري رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، جاريد كوشنر، الحسيب النسيب ليقول في أحد اللقاءات التليفزيونية بأن اقتصاد الفلسطينيين أعلى من أي بلد عربي، وأنهم لا يريدون التوصل لحل حتى لا تنقطع التمويلات المالية التي تأتيهم، وأشار إلى أن خارطة الأمعاء الغليظة والبنكرياس التي وضعوها الأمريكان والإسرائيليين ما هي إلا طرح، وإذا كانت هناك ملاحظات سوف نأخذ بها ونجلس لنتفاوض معهم (الفلسطينيين)، ولكنهم لا يريدون التفاوض.

ما فاجأني كمواطنة فلسطينية كان موقف دولة تونس التي تعتبر من الدول الداعمة للقضية الفلسطينية، فاجأني سحب سفيرها بمجلس الأمن الدولي لدعوته الطارئة لعقد جلسة استثنائية لمناقشة ورفض مشروع السلام الذي تقدم به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، نعم سحبت سفيرها ووبخته وأقالته على ما فعل بحجة عدم الرجوع للحكومة التونسية ورئيسها، وبالطبع ما حدث خارج عن مثاليات تونس الشقيق.

ومن الجهة الأخرى قام رئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق الغانم بإلقاء صفقة القرن بالقمامة، وأعلن رفضه ورفض بلاده لها، وعرض صفقة جديدة على الأمريكان والإسرائيلين؛ قائلًا: ما رأيكم أن تتركوا مقدساتنا مقابل حزم مالية أضعاف ما تعرضونه؟

فنحن نعلم جيدا الضغوط التي تعرضت إليها الدول العربية والإسلامية الشقيقة، والتلويحات البغيضة من أمريكا بسحب كل الامتيازات والتهديدات المباشرة التي تمس أمن تلك الدول. فما كان من بعض الدول الشقيقة إلا أن استسلمت للقرار الأمريكي، وبدأت بالضغط على الرئيس أبي مازن للموافقة على تنفيذ صفقة القرن والاستسلام للقرارات الدولية وعدم العناد أمامهم.

في المقابل نلاحظ أن المواقف الدولية كانت تاخذ موقفا مضادا للصفقة؛ إذ أكدت الأمم المتحدة على ضرورة تطبيق المرجعيات والقرارات الدولية للتوصل إلى حل دائم وشامل وعادل للقضية الفلسطينية، والاتحاد الأوروبي الذي أكد على التزامه الثابت بحل الدولتين، كما انتقد الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر الخطة بقوله إنها تنتهك القانون الدولي، وأطلق جيف هالبر، الناشط الإسرائيلي والمدير السابق للجنة المناهضة لهدم البيوت، على الخطة «أبارتهايد العصر». وأخيرًا انتقد الخطة يوسي ميكليبرج، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة ريجنت بلندن، بقوله: «صفقة ترامب لن تنهي الصراع المستمر بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بل ستؤججه وستطيل أمده».

إن التاريخ شاهد على حقنا كشعب بالأرض وأننا أصل الأرض، ولكن ظل الأعراب يتشدقون بأننا بعنا وقبضنا الثمن، وهم يعرفون جيدًا كيف بيعت الأرض ومن الذي ساعد ببيعها، فلا عجب أيها السادة أن من ساعد على البيع سماسرة عرب استغلوا حاجة المواطن الفلسطيني وقتها، واشتروا أرضه وباعوها بطرف الوساطة للصهاينة، إن ما بيع من الأرض لا يتعدى نصف الواحد من المئة، وليس أكثر، ومن يزرع فيكم غير ذلك فهو كاذب.

إن صفقة القرن التي يتغنون بها الآن ما هي إلا مبايعة أخرى للأرض من العرب والمسلمين إلى المحتل الصهيوني، ونحن شعب فلسطين لن نفرط في ذرة تراب من فلسطين أرضنا وأرض أجدادنا.

إن الدول العربية بطبيعتها سئمت من القضية، وتريد إنهاء الصراع بأي شكل حتى وإن كان على حساب شعب بأكمله، فلا يعنيهم سوى مناصبهم، وليس شعوبهم، فهي آخر ما يهتمون به.

ولكن ستظل الراية مرفوعة، والمقاومة هي الحل الأوحد لتحرير الأرض من المحتل، وكما قالها الرئيس الراحل ياسر عرفات: «سيرفع شبل من أشبالنا، وزهرة من زهراتنا، علم فلسطين، فوق مآذن القدس، وكنائس القدس، وأسوار القدس، شاء من شاء، وأبى من أبى»، وإن التاريخ شاهد وسيلعن كل متخاذل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد