يرى البعض أنه من المستغرب جدًا تصديق فرضية صفقة القرن المتمثلة بوسيع حدود قطاع غزة اتجاه سيناء، وهنا نسأل سؤالًا مهمًا بهذا الخصوص؛ ما هو الخطر الاستراتيجي الدائم على دولة احتلال لا حدود واضحة لها، ومحاطة بتجمعات من السكان الأصليين؟ بالتأكيد ستكون الإجابة الخطر الديمغرافي المتمثل بتمدد هذه الكتل السكانية الضخمة باتجاهها، خصوصًا إذا ما كانت هذه التجمعات تشهد نموًا سكانيًا متزايدًا في عدد المواليد، بعكس دولة الاحتلال. هذه الحالة ستجعل التجمعات السكانية أمام خيارين، إما التمدد في اتجاه الاحتلال، أي الأراضي التي احتلت عام 1948، أو التمدد في الدول المجاورة تحديدًا مصر.

تحت هذا الإطار اتفق الإسرائيليون لمواجهة الخطر الديمغرافي لقطاع غزة الصغير، المكتظ بالسكان، وذلك بوضع خطة للحيلولة دون اقتراب الخطر المتمثل بالتمدد السكاني لسكان القطاع. بدأ ذلك بوضع خطة في العام 2003 طرحها (يوشع بن آريه) الرئيس السابق للجامعة العبرية في دراسة موسعة، تقضي بموجبها بتوسع قطاع غزة إلى حدود العريش المصرية، تلاها خطة تبادل الأراضي التي طرحها غيورا آيلاند عام 2004، في دراسة كاملة تقضي بتوسيع قطاع غزة لأضعاف حجمه الحالي داخل حدود سيناء، واضافة امتيازات لغزة ومصر والأردن؛ لتثمر الخطة بالوصول لحل مرضي للجميع من وجهة نظر التقرير الاسرائيلي، بالإضافة لأن مصر لن تخسر شيئًا حين يتم تعويضها بمساحة أرض من النقب مع جلب الاستثمارات الدولية الضخمة، والمشاريع وخصوصًا المتعلقة بالمياه والطاقة النووية السلمية على حسب التقرير.

إن ما حدث بدايةً من انسحاب إسرائيلي من غزة عام 2005، كان نتيجة المخطط الاسرائيلي في الاستثمار بمستوطنات الضفة وتوسعتها، لأهداف استراتيجية ودينية، مع فكرة التخلص من مستوطنات غلاف غزة، تمهيدًا لاتفاق ثلاثي يقضي بموجبه نحو عملية تبادل أراضي بين مصر وفلسطين وإسرائيل، وهذا ما قاله حرفيًا رئيس الوزراء الاسرائيلي آنذاك أرئيل شارون، إذًا الاستنتاج الوحيد من ذلك أن الانسحاب الاسرائيلي من قطاع غزة كان أول خطوة من خطوات محاولة تنفيذ صفقة تبادل الأراضي داخل سيناء بما يعرف اليوم صفقة القرن.

ومع الأحداث المتتالية والمتسارعة في قطاع غزة من تتالي الحروب، واستخدام العنف المفرط من قبل الاحتلال في مساحة غزة الضيقة، بالإضافة لحصار غزة الخانق منذ عام 2007 حتى الآن، والعمل الدائم لمحاولة تعزيز الانقسام الفلسطيني بين غزة والضفة وتغذيته بكل السبل، مع الأخذ بعين الاعتبار تقرير الأورومتوسطي بأن غزة عام 2020 غير قابلة للحياة، مما يرجعنا لتقرير غيورا آيلند من جديد، حيث وصف أن الخطر الديمغرافي في العام 2020 سيكون وشيكًا؛ بسبب أن قطاع غزة سيصبح بتعداد المليونين والنصف تقريبا بمساحة 360 كم، فكل ذلك يوصلنا لفرضية أن إسرائيل تعمل بخطى ثابتة لجعل المجتمع الفلسطيني يقبل بأي حل مقابل الخلاص من حالات الفقر المدقع والحالة الاقتصادية الرثة، ومحاولة التنفيس عنه من خلال الخروج إلى العالم عبر معابر آمنة، حتى وإن كان ذلك على حساب قضاياه الرئيسية كالقدس واللاجئين. مع أن الأحداث الأخيرة من خروج للمتظاهرين الفلسطينيين رفضًا لقرار ترامب بشأن القدس أثبتت عكس ذلك، ولكن حالة الانقسام المستمرة والغباء السياسي لدى الأطراف المنقسمة، والانتفاع من مشروع الانقسام لدى طرفي الانقسام سيعمل على وضع طريق معمد اتجاه تنفيذ ذلك مستقبلًا، ولو بشكل بطيء.

إسرائيل تستخدم عامل التريث في تنفيذ مخططها هذا، فمنذ عام 1954 طرحت أفكارًا مشابهة لأول مرة، ولكن تلك الأفكار قوبلت بالرفض من الرؤساء المصريين كافة، إلى أن نشرت صحيفة (المصري اليوم) تقريرًا في العام 2010، أي قبل الثورة المصرية بعنوان: (الأمريكيون ينتظرون «خليفة مبارك» لإعلان الدولة الفلسطينية في سيناء) على حسب ما نقلته عن مسؤول مصري رفيع، ما يجعلنا أمام طرح تساؤلات حقيقية عما حدث بعد هذا التاريخ من أحداث في مصر. تبع ذلك تقارير من كل صوب وحدب تتحدث عن التوسع داخل أراضي سيناء، وما لحقها من أحداث أمنية داخل سيناء، من قيام المجموعات التكفيرية بشن عمليات ضد الجيش المصري؛ ما أدى بالجيش إلى محاولة وضع حد لهذه الهجمات، ليعمل بعد ذلك على إقامة منطقة عازلة على الحدود مع قطاع غزة، تمتد لعدة كيلومترات خالية من السكان تمامًا، وإذا ما رجعنا أكثر إلى الوراء، وبحثنا معًا عن السبب الحقيقي وراء إصرار إسرائيل على جعل منطقة سيناء ضعيفة التواجد الأمني بعد اتفاق كامب ديفيد، وأخذنا بالاعتبار آمال إسرائيل التاريخية لوضع حل للقضية الفلسطينية، لكن بعيدًا عن طموحاتها التوسعية، وإذا ما وضعنا الجانب الأمني جانبًا، سنجد رابطًا عجيبًا بين كل ذلك لطالما أغفلنا أعيننا عنه.

بالرجوع للموقف السعودي من كل ذلك، نجد أن المملكة السعودية أساس الربط الحقيقي بين ما تأمله الإدارة الأمريكية وبين مصالح إسرائيل، فالعرض الذي قدمه الملك سلمان لعباس بإحلال منطقة (أبو ديس) عاصمةً فلسطينية، بدلًا عن (القدس)، وذلك برسالة نقلها من الإدارة الأمريكية كعملية جس نبض، كان ذلك بالأساس محاولة لتقييم درجة الرفض الفلسطيني للالتفاف عليه فيما بعد، وهو ما يرجعنا لما معناه الضرورة الملحة التي تنشدها السعودية لإقامة علاقات استراتيجية مع إسرائيل بأسرع وقت، ووضع الحلف العربي الإسرائيلي الأمريكي قيد التطبيق لمواجهة توسع قوة إيران الإقليمية، فبدون حل سريع للقضية الفلسطينية سيجعل المملكة السعودية في وضع محرج؛ لإقامتها علاقات رسمية مع دولة الاحتلال، بدون إيجاد حل للقضية الفلسطينية؛ ما يجعل التسريع من الحل أمر ضروري للسعودية، والتي ستسعى فيما بعد لكسب الخبرات التقنية من الجانب الاسرائيلي من خلال جلب الخبرات لمشروعها (نيوم) المطل على البحر الأحمر، والذي حسب التفكير السعودي سيكون من الصعب تنفيذه بدون القبول الاسرائيلي التام وربما المشاركة فيه، فالسعودية بفكرها الجديد بقيادة محمد بن سلمان ستضغط بكل ثقلها لوضع حل للقضية الفلسطينية، ولو على حساب الفلسطينيين.

في وقت سابق تحدث الرئيس الفلسطيني (محمود عباس) عن عروض كثيرة تتعلق بصفقة القرن، وخصوصًا بعد إغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، كما كشف في وقت سابق تحديدًا في العام 2014 عن معلومات إبان تولي محمد مرسي لرئاسة مصر قال فيها إن الأخير حاول إقناعه بالتوسع بسيناء، لكنه رفض ذلك على حسب قوله، وبعد انتقال الحكم في مصر وتحديدًا بعد التسريبات الأخيرة التي نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز» بشأن القدس، والموقف الرسمي المصري الخجول من موضوع إعلان القدس عاصمة لإسرائيل؛ بصفته فاتحة صفقة القرن، وعدم تعليق الرئاسة الفلسطينية على ذلك؛ لتجنبها الحرج مع مصر، يفتح أبوابًا كثيرة للتساؤل بشأن القبول بالمشروع العام لصفقة القرن من قبل مصر، مع الأخذ بالاعتبار العلاقات الوطيدة بين السعودية ومصر والولايات المتحدة، وأيضًا الحالة الأمنية بسيناء والأراضي المفتوحة التي دُمرت نتيجة استغلال الجماعات التكفيرية لها، تلك الجماعات التي ظهرت مباشرة بعد التقارير الإسرائيلية بشأن التوسع في سيناء مع ظهور مصطلح صفقة القرن!

في آخر ما توصلت إليه المصادر حول آلية تطبيق صفقة القرن، تقول المصادر إن ترامب سينتظر إلى ما بعد مرحلة عباس، كما انتظرت الإدارات الأمريكية السابقة مرحلة ما بعد مبارك؛ لإيجاد ظروف أكثر موضوعية، فبحسب اعتقاد إدارة ترامب أن مرحلة ما بعد عباس ستضعف التمثيل الرسمي الفلسطيني أكثر مما هو عليه الآن، بالإضافة للوضع العربي المتردي أصلًا، فهذا جوهر ما عنته ادارة ترامب بتأجيلها لتنفيذ الصفقة، ووضعها بجدول زمني بطيء، بالإضافة إلى أنها تحاول تجنيب الزعماء العرب الحرج مع شعوبهم، وهو ما سيجعل هذه الصفقة تطبخ على نار هادئة بالتوازي مع مرحلة التحضير لمشروع «نيوم» والوصول إلى علاقات طبيعية مع الاحتلال، ومحاولة تطويع إيران ومحورها؛ كي لا تكون حجر عثرة أمام المشروع، والقاضي النهائي من كل ذلك هو القرار المصري الذي يمتلك حق القضاء على المشروع أو التماهي معه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد