أغمضت عينيّ، فوجدتني في النكبة مرة أخرى ومن ضحاياها.

تذكرت تاريخ ميلاد جدتي رحاب، عندما فتحتُ هُويتها لأول مرة وأنا أوضّب لها أغراضًا تخصّها، رأيت الرقم فريدًا فهي مولودة قبل النكبة بعام ولم أعتد أن أرى عقد الأربعينيات على أوراقٍ رسميّة، كنت في الصف السابع آنذاك.

هذه السن التي نكبر فيها بفضولنا، كلما شاهدت هُوية أحد الكبار فتحتها خلسة لأرى التاريخ، أما الحادثة التي أعدّها فرصة أعظم في تغذية فضولي عندما أحضر ابن عمّي أوراقًا وهوية تخص جدة والدي عزيزة، ولم تسعفني الذاكرة لتذكر اليوم بتفاصيله، فقط أحفظ الرقم الذي قذف بي في الصدمة والتيه مجددًا، فكيف لهويتها أن تحمل رقم (**19).

خانتان من العام مفقودتان، وخانتا اليوم والشهر كذلك، الجدّة عزيزة التي عرفها سكّان قريتي حبلة بالقوّة والهيبة، فإذا تقدمت لحفل تسارع الشبّان لرفع أصواتهم: «وسعوا يا شباب، الحجة عزيزة أجت».

يهابها الرجال والنساء معًا، وإذا قالت قرارًا، لا رجعة فيه، يلتف حولها شبّان عائلتي يعدّون رأيها الأمثل والأقدس، فهي الحكيمة التي لا تخشى في الله لومة لائم لولا بعض القسوة أحيانًا، هذه المرأة بكل صفاتها ومواقفها تخيل يا عزيزي القارئ أنها عاشت وماتت دون أن تعرف في أي عام ولدت هي.

محزنٌ أن يعيش الإنسان بلا حدود وأمكنة يرتكز عليها، الأسوأ من ذلك أن مصيره معلق على شفا ورقة سياسية متأرجحة، تتغيّر قراراتها مع كل رشفة نبيذ، تخضع لأمزجة رجال السياسة من يقتادون العاهرات لقضاء وقت ممتع قبيل تقرير مصيرنا، عليك أن تؤمن بأن ثمّة أوضاع سياسيّة هي نتيجة صنيع العاهرات، صنيعهن ليس إلا.

كوني مجرّد جزء من منظومة شعب، أفكّر في المصير المنتظر، بما ينبغي فعله وما لا ينبغي أن يُفعل.

لقد تسرّب لي معنى الوطن من الحكايات والأرقام وسماع شهادات حيّة ممن شهدوا على النكبة، فالمرأة البسيطة لا يمكن أن تكون جزءًا من لعبة أو تكتيك سياسيّ حتى لا آخذ بأقوالها، أنا أصدقها وأقدسها وأكتبها وهي الحقيقة الكاملة لا بوق الإعلام.

ولدت جدتي قبيل النكبة بعام، وولدت أنا بعد «أوسلو» بعام واحدٍ أيضًا، ولدتُ تحديدًا مع قدوم السلطة الفلسطينية نتاج مخاض «أوسلو» التي بسّطت لنا مفاهيم الانهزام، السلطة بقادتها التي لم تصنع سوى شيء واحد، ما هو إلا بيع الوهم وحلم الاستقلال لإخراسنا، السلطة التي كانت جزءًا خفيًا في احتلالنا – عبيد التنسيق الأمني – السلطة التي ساعدت في جمع الأسلحة من الشبان واعتقالهم لأشهر، السلطة التي عاملتنا على أننا لقطاء تسمح لنا أن نتغنّى بالوطن دون أن نسأل: «من اغتال أحلامنا؟»، السلطة التي حصرت حق تقرير المصير بقادة لم نخترهم، السلطة التي قذفت بنا في الوحل ثم نددت بسقوطنا، كيف لي أن أصدّق بعض المقالات المنشورة بنفس عاطفي عما يدعى قادة سلطة.

في مجابهة صفقة القرن، لن أصنع ممن كان شريكًا في تخديرنا وبث الهزيمة فينا بطلًا، وعلى الآخرين أن يدركوا ذلك، وأتساءل هنا لماذا تقترح القيادة على الشعب وتطالبهم بالتجمهر؟ لماذا لا ينزل القادة وأبناؤهم في المقدّمة؟

إذا شعرت السلطة أنها ورقة خاسرة في كل الحالات فلماذا تنهي دورها بطلب تعتقد أنه بطوليّ؟ كيف سنحارب ليحيا أبناؤهم حياة فارهة في «الكازينوهات»، قبل أن يتم مطالبتنا بالحراك الشعبيّ على القيادة أن تضعنا خلف ظهورها وتشاركنا القتال والتجمهر وإلا فلن ينجو أي منهم من لقب «الخائن» باستحقاق وجدارة.

الآن سيقول الشعب الفلسطينيّ كلمته، لا نفع لتنديد، أو تهديد، أو شجب، أو استنكار، أو إعراب عن قلق، فنرجو ممن كان على عهد بهذه الأفعال طيلة مسيرته كقياديّ، أو «قوّاد»، أن يخرس.

رفعت الأقلام، وبورك الرصاص الذي سيمزق كل معاهدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد