إن قضية فلسطين قضية عقدية، ترسّخت في الوجدان الإسلامي عبر نصوص مقدسة، ذكرت موروثًا نورانيًّا تركه أنبياء الله، وهي قضية مركزية بالنسبة للحضارة الإسلامية، صنعت هذه المكانة وقوّت الوثاق بين الأمة والمسجد الأقصى، حضارة إسلامية عالمية، انتقلت من الدولة الفتية محدودة الجغرافيا في شبه جزيرة العرب، المؤسسة في مدينة رسول الله، إلى إمبراطورية رسالية مترامية الأطراف، أضافت للبشرية قيمًا جديدة، وأسلوب حياة متكامل.

لقد كان التحول الذي خطط له رسول الله – صلى الله عليه وسلم- مرتبطًا بحدث تاريخي تحققت فيه النبوءة الربانية، والبشرى القرآنية في سورتي الروم والإسراء على التوالي، بعد الفتح النبوي الإيماني، واكتمال الفتح الإسلامي في عهد عمر بن الخطاب، تتويجًا للخطة الاستراتيجية النبوية الرائدة، التي وضع معالمها النبي الأعظم.

إن هذه الأمانة الباقية التي تسلمها رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ليلة الإسراء والمعراج، حافظت عليها من بعده دول إسلامية ممتدة عبر التاريخ، ودفعت دون ذلك التضحيات الجسام، وأعادتها شعوب واعية، رغم تراجع قوتها العلمية، وحررتها جيوش ذات بأس شديد، متسلحة بالعقيدة الصحيحة، ومتشربة الرؤية النبوية الأولى.

ترسخت مكانة بيت المقدس في المخيال الشعبي الاجتماعي للمسلمين في الرقعة الجغرافية للحضارة الإسلامية، أو في كل بقعة من بقاع الأرض ،على مر السنين والقرون.

بعد ضعف الخلافة الإسلامية العثمانية وسقوطها، احتلت بريطانيا فلسطين، بقيادة الجنرال البريطاني، إيدموند ألنبي، في 9 سبتمبر (أيلول) 1917م، وفرضت الانتداب البريطاني، تحولت هوية الصراع من صراع بين الحضارة الإسلامية، بمكوناتها العرقية المختلفة، المستأمنة على الأرض المقدسة، والاحتلال الصليبي الجديد[1] في عودة كرته الحضارية الجديدة، من صراع إسلامي غربي على السيادة والظهور الحضاري، مركزه بيت المقدس عاصمة الإمامة، ومدينة التحولات الحضارية في التاريخ الإنساني، إلى صراع داخلي بين العرب واليهود، سكان المقاطعة الانتدابية البريطانية فلسطين، عملت على تسييره بريطانيا عبر أربعة مشاريع منحازة ما سمي بـ«الكتاب الأبيض» سنوات 1922 كتاب تشرتل، كتاب الملكية الإسلامية لحائط البراق بعد ثورة البراق في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 1928، وكتاب باسفيلد سنة 1930 وآخرها في 27 مايو (أيار) 1939 بعد فشل سانت جيمس بين الوفود العربية واليهود.

لقد كانت بداية مشروع تصفية قضية فلسطين بوعد بلفور واحتلال فلسطين سنة 1917م، واكتمل المشروع الآن بعد تراكماته المتعددة ببروز مشروع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أسماه صفقة القرن، بالتالي ما هي صفقة القرن؟ وما المبادئ العامة لهذه الصفقة؟ وكذا ما موقف الأطراف المتعددة من الصفقة في إطار الواقع الدولي شديد التحول؟ ما سبل مواجهة صفقة القرن على الصعيدين الفلسطيني والإسلامي؟ وما السيناريوهات المستقبلية لمسار تنفيذ هذه الصفقة؟

1- صفقة القرن.. الدلالة اللغوية والسياسية للمصطلح

لقد طفح مصطلح «صفقة القرن» إلى السطح الإعلامي بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مشروع تسوية – حسب التسويق الأمريكي للمشروع- بين الجانب الفلسطيني و«الإسرائيلي» مستعيرًا المصطلح من رئيس الوزراء الصهيوني الذي نطق به في 3 فبراير (شباط) 2017، خلال زيارته لأمريكا لحصول على دعم ترامب.

إن الدلالة اللغوية والقانونية لكلمة «صفقة» دلالة مُضلِّلة، تبرز صورة التعاقد والاتفاق بين طرفي الصفقة، وهو ما لا يقره الواقع الحقيقي؛ لأننا في قلب قضية احتلال أرض، وانتهاك حريات، وقتل أبرياء، لا قضية بيع سلع وخدمات يقتضي القبول والتراضي، مسقطًا بذلك الدلالة القانونية التجارية النابعة من خلفية ترامب التجارية، والتي طبع بها مشروعه المنحاز للرؤية الصهيونية.

أما من الناحية السياسية فما زال المصطلح جديدًا على الحقل السياسي، المصطلح الذي بقي غامضًا مبهمًا بدرجة الإبهام نفسها التي يكتسي بها المشروع. ويبقى هذا القدر من الإبهام مقصودًا من جهة، بهدف التهيئة النفسية والإعلامية المرحلية لتفادي الرفض المطلق، ومن جهة أخرى قد يكون ذلك للدلالة على معان سياسية كثيرة، يرتسم بها المصطلح، وأذكر منها معنيين رئيسين:

لقد ظهر المصطلح في أجواء احتفال بمرور قرن على وعد «بلفور» 1917-2017، وقد يكون معنى المصطلح منح وعد جديد بتحقيق ما فشلت في تحقيقه «إسرائيل» – الكيان السياسي- عبر العقود السبعة الأخيرة.

وقد يعني المصطلح مدلولًا زمانيًّا مختلفًا للمقارنة بين زمنين، زمن مضى لم تتمكن الإدارة الأمريكية من تحقيق أي اختراق، سواء على مستوى الصراع العربي والفلسطيني الإسرائيلي، أم على مستوى قضايا عالمية كبرى. وفي الزمن الراهن يعتقد ترامب، ومن معه من متطرفي الإدارة الأمريكية، أن الوضع الدولي مهيأ لتحقيق إنجاز أمريكي، ترامبي وعالمي، خاصة حين تطرح الصفقة، إلى جانب قضايا عالمية مهمة وحيوية بالنسبة للولايات المتحدة، كالملف النووي الإيراني، والملف الكوري الشمالي، والعلاقات التجارية والسياسية مع عدد من البلدان. لذلك تصنف الصفقة، أمريكيًّا، بوصفها أهم حدث عالمي في عصرنا الحالي، وهي «صفقة العصر»، رغم أن الكثير من السياسيين الأمريكيين لا يتفقون مع هذا التوصيف، ويرون أن هناك قضايا كبرى على مستوى العالم أكثر أولوية من مسألة الصراع العربي والفلسطيني الإسرائيلي[2].

2- كرونولوجية مشاريع تسوية قضية فلسطين

إن مشروع صفقة القرن الذي يهدف بها إلى تصفية قضية فلسطين ليس نتاج المرحلة الراهنة، بل هو مسيرة من التراكمات والتغيرات التي فرضها الواقع السياسي ومنظومة التفكير الصهيونية، على الإدارات الأمريكية المتتالية.

لقد مرت قضية فلسطين بتحولات كبرى في التاريخ المعاصر منذ وعد بلفور، وسقوطها تحت الانتداب البريطاني سنة 1917 إلى الاستعداد لإطلاق وعد جديد، على رأس المئوية السنوية، للوعد نفسه الذي ترعاه بديلة بريطانيا على رأس المشروع الغربي، الولايات المتحدة الأمريكية، عبر رئيسها ذي النزعة الدينية والأيديولوجية البروتستانتية.

أ‌- وعد بلفور وتقسيم فلسطين

تعود قصة الوعد إلى الثاني من نوفمبر عام 1917 ،عندما قدم وزير الخارجية البريطاني، «آرثر جيمس بلفور»، تعهدًا للصهيوني البارز اللورد «والتر روتشيلد»، ببذل «حكومة صاحبة الجلالة» قصارى جهدها لـ«تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي»[3].

جاء تعهد بلفور في خضم الحرب العالمية الأولى، وكانت القدس على وشك السقوط في يد المحتلين الجدد، من قوات بريطانية ومتعددة، ولكن بقيادة بريطانية. ويعد وعد بلفور نقطة تاريخية مفصلية شكلت الخطوة الأولى لتحقيق هدف الصهيونية السياسية، كما حددت في المؤتمر الصهيوني الأول، الذي انعقد في بازل، سويسرا عام 1897، إذ كان نص القرار «تسعى الصهيونية لإنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين المضمونة بموجب القانون العام»، وكان «ثيودور هرتزل» قد أخفق في مساعيه لدى السلطان «عبد الحميد الثاني» وملوك أوربا الآخرين؛ للحصول على مثل هذا التعهد[4].

لقد اختلفت الرؤية الصهيونية حول وعد بلفور سنة 1917م وفضله على قيام الكيان الصهيوني، واحتلال بريطانيا لفلسطين لتحقيق الوعد وتصفية القضية، إذ يعد وعد بلفور، وبعده حرص بريطانيا على الحصول على قرار الانتداب على فلسطين من عصبة الأمم، لتحويل الوعد السياسي على الورق إلى حقيقة على الأرض، فلا يمكن أن نتكلم عن محاولات تصفية قضية فلسطين دون الحديث عن وعد بلفور، ودون التكلم عن رؤية الآلة الفكرية الصهيونية للوعد، وأثره في تشكل الكيان الصهيوني، واحتلاله فلسطين، ومحاولة السيطرة الكلية على الأرض المباركة.

تعددت الآراء واختلفت وجهات النظر باختلاف الغايات والرؤية السياسية المراد تحقيقها من جهة، أو باختلاف الخلفيات السياسية والمرجعيات الأيديولوجية من جهة أخرى.

فصيل من المفكرين الصهاينة ألغوا تمامًا دور وعد بلفور في تمكين قيادات الحركة الصهيونية من تأسيس «إسرائيل»، مرجعين الفضل الأوحد إلى القيادات الصهيونية وجهودها في الخلاص، إذ يقول المحامي الأمريكي سول لينويتز قبل ستين عاما «إن هذا الإعلان كان في حد ذاته، عاجزًا من الناحية القانونية، لم يكن لدى بريطانيا العظمى حقوق سيادية على فلسطين، لم يكن لها حق الملكية؛ ولم يكن لديها سلطة التصرف على الأرض» [5] والمثال الآخر على ذلك هو مقالة نشرتها جاليا جولان، وهي أستاذة في الجامعة العبرية حاليًّا، عنوانه حجتها «بلفور ليس صفقة كبيرة»، وتضيف «كان الإعلان مجرد تصريح لغوي من «قوة استعمارية»[6]».

هذا الرأي دفع بالبعض إلى القول بأن الفضل يعود إلى عصبة الأمم، وأن «الحلفاء المنتصرين في الإعلان الرسمي اعترفوا بحقوق اليهود قبل الفلسطينيين» لا يعود إلى بلفور وبريطانيا وحدها، بل إلى دول عديدة، وهذا لب مقالة نشرها المستشرق والمؤرخ الأمريكي الصهيوني «مارتن كرايمر» على موقع موازييك للفكر اليهودي كرد مضاد حينها على الحملة العالمية للمطالبة باعتذار بريطانيا عن الوعد، محاولًا تأكيد أن الأحقية اليهودية هي أحقية قانونية، كانت تحمل الشرعية الدولية.

لقد كان وعد بلفور والانتداب البريطاني بداية لتمكين الصهاينة من احتلال بيت المقدس وفلسطين، ومحاولة محو فلسطين من الخريطة لا الجغرافية فحسب، كما تم جزئيًّا، بل من الواقع الدولي وقلوب الأمة العربية الإسلامية والإنسانية ووجدانها، كما بقيت تحاول، ونجح الانتداب البريطاني بعد ضعف الخلافة العثمانية وانهزامها في معركة القدس إلى تحويل هوية الصراع من صراع بين الخلافة الإسلامية بتعدد مكوناتها وأعراقها وشعوبها المستأمنة على فلسطين، والصليبيين الجدد من أبناء الحضارة الغربية العائدة للسيادة الحضارية، إلى صراع قومي قومي بين العرب واليهود سكان الانتداب البريطاني على فلسطين.

 

هوامش

[1] دلالة ذلك عبارة: «الآن انتهت الحروب الصليبية» التي قالها «ألنبي» عند دخوله القدس، أو مقولة الجنرال الفرنسي «هنري غورو» على قبر «صلاح الدين الأيوبي»: «ها قد عدنا صلاح الدين» بعد انتصارهم في معركة ميلسون، أو الشرف العسكري، ودخول الفرنسيين دمشق.
[2] فتحي كليب، صفقة القرن.. في المصطلح والاستهداف والمهمات الوطنية، جريدة المدينة الإخبارية.
http://www.almadenahnews.com/article/684384-صفقة-القرن-في-المصطلح-والاستهداف-والمهمات-الوطنية
3 أحمد م. جابر ، الاستيلاء على أرض فلسطين: كواليس وعد بلفور وإصداراته، بوابة الهدف الإخبارية، 30/01/2018[3] https://scholar.harvard.edu/files/martinkramer/files/balfour_arabic.pdf
[4] مارتن كرايمر، وعد بلفور أكبر من وعد من بلد واحد، The Balfour Declaration Was More than the Promise of One Nation، مجلة موزاييك، 28 جوان 2017
[5]KRAMER Martin, the forgotten truth about the balfour declaration, Mozaic Magazine,June7th 2017
https://mosaicmagazine.com/essay/2017/06/the-forgotten-truth-about-the-balfour-declaration/
[6] GOLAN Galia, Balfour just isn’t that big a deal, Times Of Isreal,March 29th, https://blogs.timesofisrael.com/balfour-just-isnt-that-big-a-deal/

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد