لقد ظهرت سياسة بريطانيا المنحازة لليهود، وانكشف وجهها المقيت محدثة بذلك حالة ثورة اجتماعية فلسطينية رافضة للانتداب وسياسته من جهة، ومتشبثة بالثوابت وبالأرض رافضة سياسات انتزاع الأراضي، وتحقيق الأغلبية اليهودية من جهة، وقد نتج عن ذلك ثورات شعبية أكد فيها الفلسطينيون أنهم ضد كل أنواع الاحتلال، مهما كانت استراتيجياتها، ومهما اختلف قائدها ومشروعه، ولعل من أهم الثورات التي أتت بعد وعد بلفور والانتداب البريطاني:

· ثورة يافا 1921 م: التي انطلقت بعد استفزاز اليهود للفلسطينيين المسلمين عبر الاعتداء وقتل فلسطيني، ورد المقاومة بقتل 13 يهوديًّا لتتدخل بريطانيا وتقصف الفلسطينيين مخلفة 28 شهيدًا من الرجال والنساء والشيوخ، وتدخلت الشخصيات والزعامات السياسية لتهدئة الأوضاع داعمين الجماهير الفلسطينية، واستجابت بريطانيا شكليًّا بتوقيف الهجرة اليهودية بهدف التهدئة واستكمال المشروع الاستراتيجي.[1]

· ثورة البراق 1929: واندلعت الثورة بعد استفزاز اليهود برفع العلم الفلسطيني في حارة المغاربة وفوق حائط البراق[2] رد فيه المسلمون بحرق بعض الأوراق التي تحتوي على نصوص صلوات يهودية وموضوعة في ثقوب حائط المبكى، فوقعت اشتباكات بين اليهود والعرب وتفاقم الوضع، استدعت سلطات الانتداب تعزيزات عسكرية، فأسفرت هذه الثورة عن مقتل 133 يهوديًّا وجرح 339، واستشهد 116 مسلمًا فأرسلت بريطانيا لجنة «شو» للتحقيق في هذه الاضطرابات لمعرفة أسبابها[3]

بعد ثورة البراق 1929م شكلت بريطانيا لجنة للتحقيق في أحداث البراق برئاسة القاضي «والتر شو[4]» واستمعت إلى العديد من شهادات العرب واليهود البريطانيين، وقد قدمت تقريرها في نهاية سنة 1930م، إذ جاء فيه: «للمسلمين وحدهم تعود ملكية حائط البراق الغربي، ولهم وحدهم الحق العيني فيه؛ لكونه يؤلف جزءًا لا يتجزأ من ساحة الحرم، وهي أملاك الوقف الإسلامي للعالم الجزائري أبو مدين شعيب، وللمسلمين أيضًا تعود ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط وأمام المحلة المعروفة بحارة المغاربة المقابلة للحائط؛ لكونه موقوفًا حسب أحكام الشرع الإسلامي لجهات البر والخير؛ لذا يمنع جلب أي خيمة أو ستار أو ما شابه من الأدوات إلى الحائط لوضعها هناك، ولو كان لمدة محدودة.

· الثورة الفلسطينية الكبرى 1936 م: هي ثورة شهدتها فلسطين في السنوات ما بين 1936 و1939 وشملت جميع أنحائها وكانت الأطول عمرًا قياسًّا بالثورات والانتفاضات التي سبقتها. مرت الثورة بمراحل عدة، بعد أن انطلقت في 20 أبريل (نيسان) عام 1936، بإعلان الإضراب العام الكبير، والذي استمر ستة أشهر.

لم تأت ثورة 1936 في فلسطين من فراغ، بل جاءت حلقةً في سلسلة الثورات التي قام بها الفلسطينيون منذ فُرض الانتداب على بلادهم في أعقاب الحرب العالمية الأولى، كثورات 1920 و1929 و1935 التي قادها عز الدين القسام، وجميع هذه الثورات كان هدفها الحيلولة دون إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، والحفاظ على إسلاميتها والخلاص من الانتداب البريطاني وإيقاف الهجرة اليهودية.

· تلخص أسبابها المباشرة بما يلي:

تدفق اليهود على فلسطين وعلى مرأى وتشجيع من السلطة المنتدبة التي لم تتخذ تدبيرًا للحد من ذلك.

تغاضي هذه السلطة عن تهريب الأسلحة والذخائر لليهود.

السماح للصهاينة بإنشاء تشكيلات ومنظمات صهيونية ذات صفة عسكرية.

حادثة عَنَبَا التي أسفرت عن مقتل يهودي وجرح آخر، فعمد اليهود إلى قتل عربييْن في إحدى البيارات، فأعلنت يافا الإضراب، وامتدَّ إلى بقية أنحاء فلسطين.[5]

أرسلت بريطانية لجنة ملكية لتقصي الحقائق ومعرفة أسباب الثورة، عُرفت باسم «لجنة بيل»، فأجرت عدة اتصالات واستمعت إلى مئات الشهادات، ثم وضعت تقريرها الذي نشرته الحكومة البريطانية في 7 يوليو (تموز) 1936، وجاء فيه أن سبب الأحداث يعود إلى رغبة العرب في الاستقلال، وإلى كره العرب وسخطهم من موقف بريطانيا الهادف لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.

وأوصت اللجنة بتقسيم فلسطين إلى ثلاث مناطق من خلال:

أ – إنشاء دولة يهودية في المناطق التي فيها أكثرية يهودية.

ب- وضع القدس وما حولها وحيفا ومنطقتها تحت الانتداب البريطاني الدائم.

ج- إنشاء دولة عربية في ما تبقى من فلسطين وضمها إلى شرقي الأردن.

ونتيجة للمقاومة الفلسطينية الشرسة بدأت بريطانيا في محاولاتها لتهدئة الغضب الفلسطيني عن طريق إصدار الكتب البيضاء، التي كانت وثائق بريطانية رسمية تصدرها الحكومة البريطانية لتحديد سياساتها تجاه قضية معينة، وتكون في الغالب في صالح الطرف المتضرر من سياسات بريطانية سابقة، وأصدرت بريطانيا ثلاثة كتب بيضاء لتحديد سياساتها في فلسطين.

· الكتاب الأبيض (كتاب تشرتشل) 1922: هي وثيقة كتبها الوزير البريطاني ونستون تشرشل حين كان وزيرًا للمستعمرات البريطانية في يونيو (حزيران) 1922، يؤكد فيها التزام بلاده بوعد بلفور المقدم إلى اليهود بإنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين، لكنه قال إن ذلك لا يعني تهويد فلسطين كلها، وأن من حق العرب أن يطمئنوا إلى أن ذلك الاستيطان لن يؤثر في وجودهم.

وقد كان الكتاب مباشرة بعد دخول الانتداب البريطاني، وكان هدفه تهدئة الوضع وامتصاص غضب الشعب الفلسطيني وموقفه الرافض للوجود البريطاني، فنشر أول إعلان عام للسياسة البريطانية التوفيقية بين اليهود والفلسطينيين في مستند عام عرف باسم: «paper command» الذي شاعت تسميته البيان الأبيض أو الكتاب الأبيض[6].

· الكتاب الأبيض (كتاب باسفيلد) 1930 م: وكان بعد ثورة البراق سنة 1929، ولقد استندت بريطانيا في إصداره إلى تحقيقي لجنة شو ولجنة سمبسون[7] وكان يهدف الكتاب لتوضيح خططها في فلسطين، إذ أكدت الحكومة البريطانية تمسكها بتنفيذ وعد بلفور وبعدم إقامة حكم دستوري ديمقراطي، مع أنها اقترحت مجلسًا تشريعيًّا وطلبت من العرب التعاون معها في تشكيله، فأرسلت نسخة منه إلى السكرتير العام لعصبة الأمم لتوزيعه على لجنة الانتدابات الدائمة ويبدو واضحًا أن هذا الكتاب لم يخرج عن السياسة البريطانية المؤيدة للأهداف الصهيونية، ومع ذلك فقد كان مجرد تقييد الهجرة اليهودية وتقييد انتقال ملكية الأراضي من العرب إلى اليهود كفيلًا بإثارة الصهاينة[8]

· الكتاب الأسود 1931 م: تعديل نصوص الكتاب الأبيض عام 1931م: وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 1931م دعت الحكومة البريطانية أعضاء الوكالة اليهودية إلى عقد مؤتمر لبحث الأمر بما جاء به الكتاب الأبيض الثاني؛ فأصدرت كتابًا تفسيريًّا آخر واحتوى على عدد من البيانات الإيجابية بالنسبة لليهود، والتي لم تكن موجودة في الكتاب الأبيض 1930م، ومن بينها:

– يبقى الالتزام بتسهيل الهجرة اليهودية وتشجيع استقرار اليهود في الأراضي التزامًا إيجابيًّا من التزامات الانتداب

– الحكومة البريطانية لم تقرر ولا تفكر في إيقاف أو منع الهجرة بجميع أنواعها.

إن الحكومة البريطانية لا تمنع اليهود من الحصول على أراضٍ إضافية.

. وهكذا أصبح الكتاب الأبيض مقبولًا عند الصهيونيين؛ لأنه يحقق مصالحهم، أما عند العرب فقد أزال هذا الكتاب ثقة العرب في الحكومة المنتدبة فسموه «بالكتاب الأسود»؛ لأنه يحقق مصالح اليهود والحكومة البريطانية، ويهين العرب ويسلب أرضهم وسيادتهم[9]

· الكتاب الأبيض (كتاب ماكدونالد ) 1939 م: هي وثيقة أصدرها وزير المستعمرات البريطاني مالكوم ماكدونالد في 17 مايو (آذار) 1939م، جاءت مع بوادر الحرب العالمية الثانية، وبعد الثورة الفلسطينية الكبرى حاولت الحكومة البريطانية من جديد إرضاء العرب واليهود لكسبهم في الحرب العالمية الثانية، فعملت على الإعلان عن مشروع الكتاب الأبيض، والذي تضمن ثلاثة موضوعات رئيسية تعالج الحكم الذاتي، والهجرة اليهودية، وانتقال الأراضي لليهود، تم التخلي خلال هذه الوثيقة السياسية عن فكرة تقسيم فلسطين التي أوصت بها لجنة بيل، متعهدًا بإيجاد وطن قومي لليهود في دولة فلسطينية مستقلة تكون محكومة من قبل العرب الفلسطينيين واليهود، بناء على نسبة كل منهما لإجمالي سكان فلسطين خلال 10 سنوات، بشرط أن توافق عليها العرب واليهود، وأن يُشكل مجلس تشريعي ويسمح بدخول 75 ألف مهاجر يهودي إلى فلسطين خلال خمس سنوات، وعالج كذلك مشكلة الأراضي بإصدار تشريعات تنظم بيع الأراضي العربية لليهود[10]


[1] محسن محمد صالح، فلسطين دراسات منهجية في القضية الفلسطينية، مركز اإلعالم العربي، ط1، مصر، 2003م، ص ص 272ـ 273.

[2] حائط البراق: وهو جزء من الحائط الغربي للحرم القدسي، فيه باب يرى المسلمون أنه الباب الذي دخل فيه النبي – صلى الله عليه وسلم- ليلة إسرائه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وربط عنده البراق الذي امتطاه في رحلته، وتسمى المنطقة المحيطة بهذا الجدار «حي المغاربة» وتدعي الحركة الصهيونية أن حائط البراق هو من بقايا هيكل سليمان، وحرضت اليهود على زيارته والبكاء عنده. ينظر: محمد محمد حسن شراب، عز الدين القسام – شيخ المجاهدين في فلسطين، دار القلم للنشر والتوزيع، ط1، بيروت، 2000م، ص2.

[3] مفيد الزيدي، التاريخ العربي بين الحداثة والمعاصرة، دار أسامة للنشر والتوزيع، الأردن، 2011م، ص 48.

[4] والتر شو: قاضي إنجليزي ورئيس لجنة التحقيق في الاضطرابات التي حدثت في فلسطين عام 1929م، والتي شكلها اللورد باسفيلد وزير المستعمرات البريطاني آنذاك.

[5] ثورة فلسطين الكبرى 1936- 1939، موسوعة معرفة، 07/07/2016 https://www.marefa.org/ثورة_فلسطين_الكبرى

[6] الكتاب الأبيض: هو عبارة تطلق على مجموعة من الوثائق التي تتضمن تقرير السياسة البريطانية فيما يتصل بموضوع ما، والتي تقوم الحكومة بتقديمها إلى البرلمان، وصدر منها في شأن فلسطين أربعة كتب في الفترة من عام (1922ـ 1939م)، وقد سميت بالكتب البيضاء لكونها مطبوعة على أوراق بيضاء بخلاف الوثائق الأخرى التي كانت مطبوعة على أوراق زرقاء. ينظر: جاك ثني، الأخطبوط الصهيوني وخيوط المؤامرة لابتلاع فلسطين، تر: هشام عوض، دار الفضيلة للنشر والتوزيع، مصر، ص 43.

[7] سمبسون: هو جون هوب سمبسون الخبير في شؤون العمل الزراعي والاستيطان، وكان عضوًا في لجنة عصبة الأمم التي كانت مسؤولة على عملية تبادل السكان بين تركيا واليونان، ولدراسة ميدانية وافية كلف سمبسون بدراسة وضع فلسطين وترأس اللجنة، وقد جاء تقريره بعنوان الهجرة وإسكان ألارضي وتنميتها عام 1930. الموسوعة الفلسطينية، المجلد 2.

[8] مفيد الزيدي، المرجع السابق، ص ص 48ـ 49.

[9] صالح صائب الجبوري، محنة فلسطين وأسرارها السياسية والعسكرية، المركز العربي للدراسات ودراسة الأبحاث السياسية، ط1، بيروت، 2014م، ص ص 96 ـ97.

[10] تيسير جبارة، تاريخ فلسطين الحديث، دار البيادر للنشر والتوزيع، ط2، القدس، فلسطين، 1986م، ص 48.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد