اليَقين بَين «إيمان العجائز» وإيمان العَارِفين

في القصّة المشهورة عن إيمان «عجائز نيسابور» يقال: إنّ الإمام الرّازي مرّ ذات يوم في موكبٍ له مع طلّابه بامرأة من عجائز نيسابور فسألتْ من هذا؟ قالوا لها: إنه الإمام الجليل الفَخر الرّازي الذى وضع ألفَ دليلٍ على وجود الله! فقالت: سبحان الله أوَ يحتاج الله للأدّلة على وجوده؟ لولا عنده ألفَ شكٍ لما وضع ألفَ دليل! فعندما بلغ الإمام الرازي مقولتها قال: اللهم إيمانًا كإيمان عجائز نيسابور!

فراح الناس – بعد ذلك – يتناقلون هذه القصة ويذكرونها في مقام الاستشهاد على قوة الإيمان التي تأتي بالفطرة دون تكبّد مشاق التّعلم، والتّبصّر، والاستهداء.

والمعنى الدلالي المقصود بـ«إيمان العجائز» هو الدّين الصافي الذي يكون بالتّقليد، والتصديق، والتّسليم، والخالي، مِن المُشوّشات الفكريّة والأسئلة الفلسفية؛ فالبُسطاء غالبًا ما يصدّقون كل ما يقال لهم دون استدلالات.

بين اليقين الفطري والمُكتسب

من الناحية النظريّة قد يُستشهد بمثل هذه القصص والنُكت في مقام نقد الفلاسفة الّذين اشْتَطّ بهمُ الهوى الفلسفي لآفاق غير محدودة ولا مُنضبطة بالشّرع وأحكامه، أو على الأقل تُذكر في مقام الثناء على قوة الإيمان واليقين الذي يوُجد مع أساس الفطرة؛ لكن من الناحية العمليّة لنا أن نسأل؛ هل هذا اليقين الفطري الذي يريده الشارع منا في عصر انتشار الثقافة والعلم والمعارف وتقهقر عصور الجهل والأميّة؟

أسئلة الأنبياء وحقيقة اليقين

سأل سيدنا موسى عليه السلام ربّه الرّؤيةَ، قال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) الأعراف 143، وسأل سيدنا إبراهيم عليه السلام ربَّه معاينة الصّنعةَ الإلهيّة قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) البقرة 260.

فهل نعتبر سؤال كليم الله سيدنا موسى وسؤال خليله سيدنا إبراهيم – عليهما الصلاة والسلام – في هذا المقام من المحظورات التي لا تصحّ أن تكون؟ وكيف أتاهما الجواب من ربّ العزة، هل بالنهر والزجر عن السؤال؟ أم بالتّلطف واللين وإقرار مشروعية السؤال بإعطاء منهج عملي يوصلهم للحقيقة المراد للعباد معرفتها؟

التّلطف الإلهي بالعقول البشرية

جاء الرّدّ الإلهي مُتلطّفًا بالعقول البشرية المجبولة على حُبّ السؤال بكَيف وكَم، المحدودة بقدرتها على استيعاب شمولية الحقائق، فأمره بإفعل كذا وكذا، ولم يأتِ بالنهي بالنَهر والزّجر عن السؤال، فعن أبي هُريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله ﷺ: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي». رواه مُسلم عن حَرْملة بن يحيى، ومما قاله العلماء في ذلك أن النبي ﷺ وجَدَّه إبراهيم الخليل لم يَشُكّا في أنّ الله قادرٌ على أن يُحيي الموتى، وإنما شَكّا في إجابتهما إلى سؤالهما، وأنّ المسألة من إبراهيم لم تُعرض من جهة الشّك إنما من قِبل زيادة العلم بالعيان، فإن العيان يُفيد من المعرفة والطمأنينة ما لا يُفيده الاستدلال، وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – إن مراتب العلم ثلاثة: علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، فأراد خليل الله أن يرتقي مِن علم اليقين إلى عين اليقين «المشاهدة»، وهذا انتقال من علم إلى علم، من يقين إلى يقين، من إيمان إلى إيمان، وليس المراد بالشّك التّردد بين الشّيئين.. بأحدهما.

إذًا فالإيمان عن بصيرة وعلم وسؤال مُستحب، بل ومطلوب لزيادة الاطمئنان ولرفع مستوى الرسوخ في اليقين وهذا ما حدث ما أنبياء الله، وقد أشاد القرآن بالراسخين في العلم وهم العارفون قال تعالى: ‏«وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ‏» آل عمران‏ ‏7‏، ولا نكون قد أبعدنا لو قلنا بوجوب الإيمان عن بصيرة علمٍ وعمل إذا كان من مقتضى هذا الإيمان العمل بالأحكام، فلا يُقبل إيمان دون عمل ولا يُقبل عمل دون إيمان.

إيمان العارفين وإيمان العجائز

جُبل الإنسان على حب السؤال والمعرفة وزُرِعَ فيه شغف الفضول للبحث والتّقصّي؛ فهو بفطرته يسعى للوصول إلى الحقائق، وأهمّ حقيقةٍ قد تشغله هي حقيقة مصيره ومآله بعد الموت، فلا ينفكّ عن السؤال لماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ ومن؟ وأين؟ فهذه الأسئلة ليست مُتَكلّفَة، بل هي أساس في تكوينه العقلي تلحّ عليه بالبحث عن إجابة، تريد الوصول به لليقين الذي ينجيه ويُعليه في مراتب التّرقي الإيماني.

فالبحث عن إجابات مُقنعة للأسئلة المُنقدحة في ذهنه هو المفتاح الرئيس الذي سيفتح له أبوابًا كثيرة تضمن له النجاة من مهالك قد تنتظره، فهو يسأل حتى يتقوّى يقينُه، بل هو مأمور بالتّعلم والبحث والمعرفة قدر طاقاته وقدراته حتى يدفع عنه براثن الجهل، ويرفع عن نفسه إقامة الحُجّة عليه، فضلًا عن أنه بالتّعلم وحده يصل لمعرفة عظمة الله وقدرته وقد أُمِرنا بالتّعلم وكما قال رسول الله ﷺ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، وبالرغم من اختلاف علماء الحديث في صحة هذا الحديث إلا أنّ الراجح أنه صحيح لغيره، كما قال الإمام السيوطي رحمه الله تعالى.

وقد أقرّ أكثر العلماء أن المقصود بالعلم هو العلم المفروض على كل مسلم ومسلمة والذي لا يُعذر أحد بجهله، وهو علم فروض الأعيان كمعرفة الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته إجمالًا ومعرفة نبيه محمد ﷺ ووجوب اتباعه واجتناب ما نهى وزجر عنه، وتعلّم أحكام العبادات المُكلّف بتأديتها على وجهها الصحيح.

إنما يخشى الله من عباده العلماء

ذكر الإمام ابن كثير في تفسيره آية: «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء»ُ فاطر:28 أنّ الذي يخشى الله حق خشيه؛ هم العُلماء العارفون به، لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القديم أتمّ والعلم به أكمل؛ كانت الخشية له أعظم وأكثر، فضلًا عن أنّ كثيرًا من العلماء قالوا بعدم صحة التقليد في العقيدة.

وعن أبي الدّرداء – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «منْ سَلَكَ طَريقًا يَبْتَغِي فِيهِ علْمًا سهَّل اللَّه لَه طَريقًا إِلَى الجنةِ، وَإنَّ الملائِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَهَا لِطالب الْعِلْمِ رِضًا بِما يَصْنَعُ، وَإنَّ الْعالِم لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ منْ في السَّمَواتِ ومنْ فِي الأرْضِ حتَّى الحِيتانُ في الماءِ، وفَضْلُ الْعَالِم عَلَى الْعابِدِ كَفَضْلِ الْقَمر عَلى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وإنَّ الْعُلَماءَ وَرَثَةُ الأنْبِياءِ وإنَّ الأنْبِياءَ لَمْ يُورِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا وإنَّما ورَّثُوا الْعِلْمَ، فَمنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحظٍّ وَافِر» رواهُ أَبُو داود والترمذيُّ.

إذًا نستطيع القول بأننا بالعِلم نصل لمراتب اليقين الرّاسخ والمتين الذي يكون عن علم وبصيرة ودراية وكثرة مطالعة وصبر على طلب العلم لمن استطاع خوض هذا الطريق، أما «إيمان العجائز» فيصح الاستشهاد به في مقام الحَثّ على العودة للفطر السليمة التي بدأت تنحرف عن مسارها الصحيح في هذه الأيام، فالفطرة السليمة هي التي لا تقبل بفكرة الانحرافات الأخلاقية والسلوكيّة ولا ترضى بالتّخلّي عن القيم والمبادئ.

ويبقى التّنويه على مسألة مهمةٍ؛ هي أن الإنسان بالعلم وحده لن يصل لمراتب اليقين والعبودية الحقيقية والكاملة لله دون الاستهداء والدعاء للنفس والرجاء بالقبول، فطلب الهداية مسألة مهمة جدًا في إعادة التوازن النّفسي له، فلا بد أن يستشعر الذّل والمسكنة والانكسار والتّواضع والافتقار لله بعد بلوغ مراتب عليا في مقامات العلم الذي قد يكسبه شيئًا من العُجب بالذّات والتّكبر والرفعة على البشر؛ فالاستهداء وطلب القبول أمران لا يقلّان أهمية عن طلب العلم للوصول إلى مراتب إيمان العارفين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد