منذ أن هبطنا من الجنة مع أبينا آدم، عليه السلام، وكنا في صلبه أحسسنا جميعًا بتلك الرعشة التي أصابتنا والصدمة التي حلت بنا بعد أن فقدنا الفردوس، مذهولين بعد أن غدا مرتعنا غير آمن وعودتنا غير محتومة إلا لمن آمن وعمل صالحًا.

هبطنا إلى الأرض ليبلونا ربنا أينا أحسن عملًا، وأتقى قلبًا، وأنقى سريرة، وأجدر أن ينال الجنة ويستحقها عن جدارة لا عن ادعاء فارغ وكلام لا يسمن ولا يغني من جوع.

وكان لا بد لتلك الحياة التي نعبر من خلالها إلى مكاننا الأصلي حيث لا خوف ولا حزن من ابتلاءات ومصائب «وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ» البقرة1‪55
وكانت الحكمة الكبرى من هذه الابتلاءات والمصائب والبلايا هي العودة إلى الله والانكسار له والتذلل بين يديه قال سبحانه  «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ» الأنعام 4‪2
لعلهم يتضرعون وينكسرون، رحيم بعباده رؤوف بهم، يعلم أنه كلما أنعم وتكرم وتفضل وأحسن بادلناه بركوب فرس المعاصي وامتطاء الذنوب، يرسل البلايا ليمحص من آمن ممن كفر، ويبتلي المؤمن، ويكفر عن المذنب، يبعث أنواع البلايا دعوة منه سبحانه للرجوع له والعودة إليه «فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» الأنعام 4‪3

كم تكشف هذه الآيات وتميط اللثام عن حكمة البلاء وعن سببه الحقيقي، لعلنا نستيقظ من غفلتنا ونفيق من سكرتنا ونثوب إلى رشدنا متضرعين بين يديه، سبحانه وتعالى، طالبين منه كشف البلوى بدل البحث عن العوارض والأسباب التي أفرزت هذا البلاء.

بل إن الله، سبحانه وتعالى، بيَّن في قرآنه الذي لا مبدل لكلماته أن سبب نزول العذاب على الأمم السابقة هو السبب نفسه، تأمل قوله سبحانه عن بني إسرائيل «وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ» المؤمنون 7‪6.

هي الحكاية نفسها اليوم، لم يعودوا إلى ربهم ولم يلجأوا إليه، بل ازداد عنادهم، وكثر استكبارهم وعتوهم وتجبرهم، ولو عادوا لرُفع ما نزل بهم وكُشف عما ألم بهم، ويزيد هذا المعنى وضوحًا قول الله تعالى عنهم في موضع آخر «وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» الأعراف 1‪68‪
ها هو سر البلوى حاضر، وهذا العلاج موجود، فمن يتلقاه ويأخده، بل إن الناظر في القرآن بعين التأمل والتدبر ليصل إلى حقيقة واحدة عبر عنها الشيخ إبراهيم السكران فك الله أسره بقوله «إن للقرآن حبلًا ناظمًا وهذا الحبل هو ربط كل الأحكام العملية والحياتية بالله سبحانه وتعالى».

انظر في الأحكام الفقهية حين شرعها الله تعالى وبين أحكامها جعل مدارها ولبها تحقيق التقوى والتقرب إليه،  قال في أحكام القصاص والحدود:
«وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» البقرة 1‪79
وفي الوصية التي ذكر فيها الله تعالى ما حرم على عباده من الموبقات في سورة الأنعام جعل مدار كل ذلك لتحصيل التقوى أيضًا «ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» الأنعام 1‪53

وفي الصوم والتوقف عن الطعام والشراب قال «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» البقرة 1‪83
وفي الحرب والقتال حين ذكر الله نصر المؤمنين على أمم الكافرين قال لهم «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ۖ».

لا يريد الله من عباده أن يعتقدوا لوهلة أن النصر جاء بأسبابهم وجهدهم، أو أن للأسباب قدرة في استقلالها عن قدرة الله سبحانه، بل نفى سبحانه أن يكون بأسبابهم أي استقلال في النصر والظفر والتمكين فذكرهم بها قائلًا «وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» آل عمران 1‪23
فالنصر والرفعة والغلبة منه سبحانه، ليس لكم منه شيء، وما أنتم إلا سبب إن شاء كان له الأثر، وإن لم يشأ لم يكن.

ومع بداية أزمة الكورونا التي التي اجتاحت البلاد والعباد كثر الكلام حول الأسباب والتمسك بها مع استخفاف يُطعم بنكهة ساخرة حول الدعاء وأهميته. يُروج لهذا الكلام كثير من الملاحدة ويتبعهم الكثير ممن آمن بالله ربًّا وخالقًا ومعينًا ونصيرًا.

وحديثي ليس لهم فلهم حديث آخر، وإنما هو لمن اعتقد أن الله خالقه وأن بيده النفع والضر والإحياء والإماتة.

كلنا ندرك أن حصر الأسباب في الدعاء لا يكفي، لكن الطامة تبدأ من حصره في الأسباب المادية متناسين عنصر الدعاء والتضرُع لله في نشر الضر وكشف البلوى ورفع المصائب الذي هو رأسها جميعًا «وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ ۚ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» يونس 2‪21

لا كاشف إلا هو ولا رافع للضر سواه ولا منجى من هذا التيه إلا به وحده سبحانه، كأن هذا الكلام يحكي حالنا وما وصلنا إليه، من تعلق بأسباب ظاهرة مع غفلة عن من يرفع البلاء، متناسين أن الأخذ بالأسباب وحدها لا ترفع بلوى ولا تكشف مصيبة، بل إن ما يميز المسلم عن غيره ليس دفعه للأسباب ورفضه لها، وإنما أخذه بها مع اعتقاده أنها لا تدفع بنفسها ولا تكشف من ذاتها، وإنما بأمر الله وحده، وأن أعظم الأسباب وأجلها هو دعاء الله سبحانه والتضرُع بين يديه سبحانه والتذلل له، فنحن نأخد بالأسباب (الطبيّة و التجريبيّة) ولا نتوكَّل عليها بل على رب العالمين.

فلا سببب يعمل إلا بأمره، وهو سبحانه القادر على تعطيل أثر السبب وهو القادرُ على أن ينجي العبد من كُل كرب ومرض وبلاء بلا سببٍ  فنار إبراهيم لم تحرق، وحوت يونس لم يأكله، وأرض أهل الكهف لم تأكل أجسادهم، ومياه قوم نوح لم تغرق من آمن من قومه، وصخرة أهل الغار انكشفت عنهم، ليس بأسباب اخترعوها بل بدعاء الله والتضرُع بين يديه، سبحانه وتعالى، وقوة أصحاب النبي، عليه الصلاة والسلام، في المعارك التي خاضوها لم يكن لها في ميزان الدنيا أثر أمام قوة الباطل، ولكن ميزان القرآن له كلام آخر.

كم من قصص سمعناها وقلنا إن لا نجاة منها ولا ملاذ عنها، ثم رأينا قدرة الله تفعل الأعاجيب لتكذب كل تلك الأسباب وتقول لا مفر إلا لله ولا منجى إلا به، ولا لوذ إلا إليه.

وكم من مريض كان على شفير الموت وكان هالكًا لا محالة فإذا بقدرة الله تذهلنا ورحمته تبهرنا، لتكون علامة قاصمة أن لا سبب إلا بإذنه ولا نافع إلا هو، ولا كاشف إلا رحمته وفضله.

فكلما اعتقد العبد أن تدبير أمره بما سوى الله، جاءه الخذلان مما تعلق قلبه به، ليصرفه عما سواه. فلا يبقى القلب معلقًا بغير خالقه ليدرك أن التعلق بغيره خذلان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد