هل ضاقت بك الدنيا وحاصرتك الهموم والضغوط؟

هل تتألم لما أصاب أمتك من وهن وضعف؟

هل دعوت ودعوت وتملكك اليأس أحيانًا

وتنتظر الفرج من رب العباد؟ كلنا كذلك يا صديقي فما نحن إلا بشر ضعفاء، نحتاج إلى ما يشعرنا بالراحة المطلقة، ويطمئننا لما تمر به حياتنا من أحداث، فلا قلق من الغد والمستقبل، نحتاج أن نشعر بأن الله يرعانا ويدبر لنا الأمر، وييسر لنا الرزق، ويدفع عنا المكروه، نحتاج لما يملؤنا محبة لله، وخوفًا منه، ورضًا به، وشكرًا له، وتوكلًا عليه، وإنابة إليه.

إننا نحتاج إلى اليقين؛ هو طمأنينة في القلب، وتصديق جازم تستقر معه النفس وتطمئن،وتعلم بأن حكم الله هو خير الأحكام وأفضلها وأكملها وأصدقها وأعدلها،والواجب على كل مكلف الانقياد له مع الرضا والتسليم التام لكل ما يمر بالمسلم من حوادث.

وقدكان من دعائه صلى الله عليه وسلم «ومن اليقين ماتهون به علينا مصائب الدنيا».

وخطب الصديق في الناس فقال: (يا أيها الناس إن الناس لم يعطوا في الدنيا خيرًا من اليقين والمعافاة فسلوهما الله عز وجل).

وجمع لنا المولى صفات أهل اليقين، فقال تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) وَالَّذِينَيُ ؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

وعبر التاريخ نجد أن هناك من النماذج من عاش هذا اليقين، وتولدت لديه ثقة بربه -عز وجل-؛ من خلال إيمانه الصادق بقضائه، وقدره، وصدق وعده.

فخليل الله إبراهيم أُلقي في النار فقال بلسان اليقين حسبنا الله ونعم الوكيل! فكانت بردًا وسلامًا عليه.

وترك -عليه السلام- السيدة هاجر، وولده إسماعيل بواد غير ذي زرع، ورغم ذلك دعا بيقين أن يرزقهم الله من الثمرات، وقالت زوجته هاجر بنفس اليقين حين تركها وأخبرها أن ذلك أمر الله، والله إن الله لن يضيعنا أبدًا!

وكليم الله موسى حين أدركه فرعون وجنوده،وكان البحر من أمامهم والعدو من خلفهم قال بيقين {كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}.

ويعقوب -عليه السلام- فقد يوسف ولم ييأس ودعا بلسان اليقين وقال: {عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا}.

والحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلم- سيرته تمتلئ باليقين بربه والثقة بوعده، فحين كان في الغار وأحاط به وبالصدّيق المخاطر قال لصاحبه:{لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}، وبشارته للصحابة ووعده لهم بيقين في ربه بفتح الشام، وفارس، واليمن أثناء الخندق برغم ضعفهم،ولنا في الصحابة أُسوة حسنة.

فلما أراد سعد بن أبي وقاص أن يعبر دجلة، وقطع الفرس عليه الجسر، وحازوا السفن؛ اقتحم سعد الماء بأقدام الثقة، وخاض الجيش معه، وعبروا النهر فما غرق منهم أحد، ولاذهب لهم متاع، وعامت بهم الخيل، وسعد يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل!

فاليقين؛ عمل ليس يسيرًا، ولكنه ليس مستحيلًا، يحتاج منك إلى مجاهدة عظيمة، ومقاومة لوساوس الشيطان بدرجة عالية.

إنه يستحق تخطي تلك الصعوبة؛ لكي تتذوق ثمرته على طريق الفلاح، ولكي نصل إلى هذااليقين أُذكر نفسي وإياكم:

-الصلاة الصلاة بخشوع وخضوع وتذلل.

-الدعاء بلسان الموقن الواثق بالإجابة.

-الأذكار اليومية؛ الله الله في أذكارك بوعي وحضور ذهن،وجرب ألا تفتر عن ذكر الله في كل حالاتك.

-وردك من القرآن؛ قراءة وتدبرًا وحفظًا.

-التسليم والرضا بأقدار الله، رضينا بما رضيت لنا يا الله.

وقبل الختام؛ أهديكم هذه القصة، وأدعوكم أن تتدبروا معي هذا الذكر العظيم المُريح للبال، بتأمل وتدبر.

جاء رجل إلى أبي الدرداء -رضي الله عنه- فقال يا أبا الدرداء قد احترق بيتك، قال ما احترق، قد علمت أن الله -عز وجل- لم يكن ليفعل ذلك، لكلمات سمعتهن من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من قالهن أول نهاره لم تصبه مصيبة حتى يمسي، ومن قالهن آخر نهاره لم تصبه مصيبة حتى يصبح: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أعلم أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا، اللهم إنى أعوذ بك من شر نفسي ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم).

لو تأملنا هذا الذكر نجده انتقل بنا من الاعتراف بالألوهية المطلقة لله، إلى التسليم المطلق لمشيئته وحوله وقوته، وإحاطة علمه بكل شيء، إلى الاستعانة به للحماية والحفظ.

أدعوك أيها القارئ: أن تحفظه وتضيفه إلى وردك اليومي، وأن تقوله بثقة ويقين في حفظ الله لك، افعل ذلك؛ لتصل إلى اليقين القلبي الذي يجعلك تقول مع كل أمر تخشاه: ما كان الله ليفعل ذلك!

ضعّف بعض أهل العلم حديث أبو الدرداء، ولكن قال الكثيرون إنه ذكر طيب وعظيم يعمل به الإنسان رجاء أن ينفعه الله به.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد