الروح الشاعرة عند الشعراء وغيرهم من الفنانين تتفاضل بتفاضل هممهم في صنع صرح حياة أفضل يحيا فيها غيرهم من بني الإنسان، وهي في ظني، وأنا هنا راصدة بعيدة تماما عن المجال وأهله إلا تذوقا وترقبا، أصبحت عزيزة مثلما عزَّت كل الجواهر النقية في هذا الوجود.

وقد شرفت بمعرفة أحد كبار الشعراء الذين أُعَظِّم روحهم الشاعرة التي لا يستشرف أحد وجهه ولا كلامه، ولا بسمته، ولا شِعره، ولا كتاباته النقدية إلا وأيقن أن به اختلافا عن بقية البشر، ليس تميزا مبعدا له عنهم بل مذيبا لهم فيه.

عن أستاذي وشيخي في الحياة الدكتور عبد اللطيف عبد الحليم المكنّى بأبي همام. الأستاذ الأكاديمي، الأديب الناقد المترجم، الشاعر، المولود 21 أكتوبر1945م، والذي وافته المنية 16 ديسمبر2014م – رحمه الله.

شرفت بالتعلم على يديه السنة التي اقتطعتها من دراستي بالجزائر لأجلس مستمعة وناهلة وباحثة في الأدب، في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة ما بين عامي 2006ـ2007م. كان استقباله لطلبته أو لأي طائر حاط على مائدة روحه إلا وفاسحا له مجالا من الأريحية والمودة والحب، ليس لسبب معين وإنما إنسانية وشعورا يحيل الفوارق إلى أسباب للتلاقي.

كان ترحيبه بي بسيطا تترقرق منه موسيقى عذبة، تصاحبها جماليات صوت منيرة المهدية، التي كان يحب سماعها، وقلب نابض بالحب ومليىء بحكايا الإنسان الضاربة في أعماق الوجد والنجوى، ما كنا نحتاج للكلام لأننا كنا متوافقين على كل العناوين فقط بلألأة الأفكار في سكرة من نظرات العيون.

كان استقابله لي دوما على أني الجميلة النائمة، ليس لأن بي جمالا شده، بل لأن جمال الروح يجمع أصحابه. أما عن نوم تلك الجميلة فلأني حينها كنت وراء بعض القضبان الشفافة التي تعيقني عن التحليق، وهو اليقظ بدواخل النفس وبمعيقاتها، والمتنبه لما ينبغي أن تنساق له الأرواح السامية.

لا أنكر أني كنت في حضرته أشبه بالمشدوه أو المدمن في أول جرعة من ترياقه، غائبة عني كل حدود المادة، متاحة لي كل حدائق الروح الشاعرة.

لم أكن في ذهابي لمحاضرته طبيعية بل كنت أُحمل حملا على بساط من الخفَّة، وأغني في سكون وألمح كل تفاصيل الكون الصغيرة تدندن معي، متموجين في طرب نسبِح أو نتذاكر أو نأتنس، ويأتينا من علياء صرحه متواضعا متكئا على عكازه، حاملا معه إرث جمال السابقين، مطلقا روحه في سماء تود إلحاقنا بهم.

يحدثنا عن الشعراء، عن الشعر، عن تفاصيل لا يمكن لأحد أن يعرفها إلا وقد خاللهم روحا وتجربة وشعورا، وكأنه كان يلاعب أبا العلاء المعري في حوش دارهم صغيرا أو يعارض ابن الرومي في بعض تفاصيل وصفه التي لا ينافسها أي وصف، يصحبك إلى فنائهم كمحلل نفسي وخبير اجتماعي، ومنظر فلسفيٍّ، وناقد فنيٍّ، ومدقق لغويٍّ، قل ما شئت من الفنون!

كنت أكتب وراءه إلى أن أدركت أن علمه يؤخذ بالتنبه لا بالتدوين، فتبركت بقلة الجمل التي قد أثبتها في الورق وبقداسة الأثر الذي أنقشه على صفحة الروح، كنت أتتبع نصحه، وآتي بالقصائد والقاموس والصفاء والتجلي، أتبعهم كأني غريب يبحث عن مأوى أو ضال يبحث عن الرشد، ودليلي أستاذي في الذوق، وأقواله علامات للدرب.

وبدأت مسيرة لا تنتهي مع الحرف والمعنى، أو مع الغوص والصيد، ولا أنسى ذاك الشغف الذي ينبته في قلوبنا بتذوق الجمال وتسلقه للسمو وطرق أبواب العلم وفتح نوافذ الحرية والإبداع.

فصاحته الماتعة التي تصيب أي أحد بالتلعثم، أو منطقه المميز في إيصال الفكرة للمتلقي بسهولة وظرافة، تُبسط المعقد وتُقرب البعيد وتصنع حميمية بين الطلاب وبين أفذاذ الشعر والأدب، وإن كان تلميذ شيخه الأستاذ عباس محمود العقاد الوفي في ضرورة بذل القارئ والمتلقي جهدا ضخما لكي يقرأ ويرتقي بذائقته اللغوية والشعرية، وأن الشاعر والأديب ليس مطلوبًا منه أن يهبط إلى مستوى المتلقي الضعيف، بل عليه أن ينهض بالمتلقي، لأن هذا هو ما يخدم الأمة ويرفع من قدرها الثقافي والأدبي. غير أنه كان متمكنا من جذب طلابه إلى نمطه الراقي في الطرح.

وكان حارس حمى اللغة العربية فلا يتحمل أن يتجرأ عليها في قداستها مدع أو ممسوس برياح العصرنة، فكان ينافح عنها في الملتقيات؛ يحاضر ويكتب ويساهم في نشرها وحث المثقفين عليها لأنها عمود الحضارة الإسلامية الذي بسقوطه يسقط صرحها.

وتأثره بالأستاذ العقاد وبمدرسة الديوان وحمله على عاتقه مهمة الدفاع عن الشعر العمودي لم يكن إلا أصالة ووفاء للجذور العتيقة لهذا الفن الذي لا يسع أحد أن يدعي خلافها، فكان ولا يزال الشعر ديوان العرب، وأي خروج على قواعد فنه ونظمه باطلة، والأمة العربية غنائية ولغتها موزونة على المستوى الصرفي ثم على المستوى العروضي الجمالي فيها، لا سيما طاقتها الاشتقاقية التي تخلو منها كل لغات العالم.

أما عن صور التجديد وتوليد أساليب حديثة في النظم، فلم يكن ذاك محصورا في أن يدرج ما درج عليه معاصروه من الشعر الحر وشعر التفعيلة، الذي جعل الناس تساهلت وتسيبت في قواعد فن الشعر إلى أن أصبحنا نقرأ دواوين شعر ولا صلة لها بالشعر، بقدر ذاك التجديد في الصوغ والتصوير والايحاء، وترك الأطر عربية أصيلة وسكبها بتغريدات الروح الشاعرة التي تواكب الهم الإنساني والقيم العليا، بنظرة عميقة في مدى غير منته.

وأقول إنه غير منته لأن روحه الشاعرة قد أثرت في الكثير ممن صحبه من أصدقائه الشعراء أو الدكاترة في تخصصات مختلفة أو حتى البسطاء من العاملين في الخدمة الدنيا، وكذلك في طلابه وكنت واحدة منهم، وأمرهم متسع ومتنوع ذو زخارف لا يمكنني حصرها.
ما أستطيع أن أكون صادقة الإخبار فيه هو تجربتي الخاصة، أنه زاد هوسي بالأدب عموما وبالشعر خصوصا، وإن كنت ذات دراسة أكاديمية في العلوم الإسلامية، إلا أنَّ أبا همام قد طبعني بالمفهوم الشامل للحياة الذي لا يمكن أن ينفصل عن الباحث في أي مجال من مجالات العلوم الإنسانية، ألا وهي الأقانيم الثلاثة من اللغة والفلسفة والفن، لأن الأول يدون هموم النفس وخلجاتها، والثانية تُعنى برحلة العقل في معرض السؤال، والثالثة وقود الإلهام الذي يحدوهما أنينا وشجونا ونجاوى، وباجتماع ثلاثتهما ترتقي الأمم وتحقق نهضتها.

ولم أعد الجميلة النائمة بعد، بل أفقت وتيقظت روحي عن جوهرها لتشعر أكثر بالواقع المعيش والمرجو، وتحلم أكثر بالإنسان الفاضل المفقود، وتتغنى أكثر بالحرية والجمال والسمو.

كانت شخصيته العملاقة التي مهما غرفت من بحر علومها وبساطتها وعظمتها، لا تنفد، مثل حكاياته عن صالونات الأستاذ العقاد، أو تلك التي كانت في مجلس شيخ المحققين أبي فهر، أو خلفية الموسيقى الرثائية التي كنت أستشعرها كلما ذكر الأندلس “الفردوس المفقود” (إسبانيا حاليا) وأيامه بها، أو نبرة استهجانه لما آل إليه حال الأدب والشعر والوعي الديني، أو فكاهته الساخرة التي ما كان يطلقها عن أحد أو معنى إلا وذيَّلها بحجة داحضة، أو تلك الرزانة والسكينة اللتان لا تنفكان عنه مهما حدث أو جرى.

علمني كيف يجب أن يكون الشاعر، فلا تفقده رهافة إحساسه ثقل عقله، ولا يطغى سلطان عقله على صدق شعوره، أو لأقل اتزان الإنسان بين تحدياته وآماله، كان بالنسبة لي درويش الحكمة، وعبقري الشعور.

كانت الإطلالة على وجهه تعني لي مصافحة عظماء السلف بيد من نور، والجلوس بين يديه دخول لروضة من رياض المدينة الفاضلة التي لم يرها أفلاطون لكن امتلك مفتاحها أبو همام بشدة نهله من أنهار العلوم وتفريعه منها نهرا سقانا منه أعذب الفنون. وهو خريج كلية دار العلوم عام 1970، ثم حصل على الماجستير 1974، والدكتوراه بتقدير ممتاز من جامعة مدريد 1983، وتدرج في وظائف التدريس بكلية دار العلوم حتى صار أستاذا مساعدا، وأعير إلى جامعة السلطان قابوس.

ثم عاد أستاذا بكلية دار العلوم ورئيسا لقسم الدراسات الأدبية بها. وكان أبوهمام عضوا باتحاد الكتاب، وجمعية الأدب المقارن، وشارك بالعديد من المؤتمرات والندوات والملتقيات الشعرية، وانتخب عضوا بمجمع الخالدين بالقاهرة عام 2012م. وقد تجاوزت مؤلفاته المطبوعة عن ثمانية وعشرين مؤلفا، منها الأكاديمية:

المازني شاعرا، وشعراء ما بعد الديوان بأجزائه الأربعة، وفي الحديث النبوي، وكتابات في النقد، فضلًا عن دواوينه السبعة، منها : الخوف من المطر، وأغاني العاشق الأندلسي، وزهرة النار، وأكثر من سبعة أعمال مترجمة وأخرى محققة.

طبت حيا وميتا أبا همام، تحيا جداولك الغناء فينا ما حيينا وما حييت بعدنا الآثار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد