– إنها تجربة حياة، يولد المرء لا يعرف إلا أبويه ومع مرور الزمن يبدأ في إدراك من حوله من البشر وكل ما يحيط به، ومع تحرك عقارب الساعة يتحرك ذلك الطفل فيتعرف على كل ما تسقط عليه عيناه، وما تلمس يداه وما يصله من معارف وأحداث.

– يواصل ذلك الطفل حياته فيدخل للمدرسة، ويبدأ في تلقي المعلومات التي يفرضها عليه ذلك النظام التعليمي وهكذا يجتاز مرحلة لأخرى، غير أن ما ميزه عن غيره هو أنه لم يرضَ أن يكون عبدا لهذه المنظومة التعليمية التي فرضت عليه العديد من الأمور، بل أراد أن يتمرد وأن يكون حرا فكان ينهل من كل شيء، ولا يرضى بأن يكون مصدر تعلمه هو المدرسة لأنه أدرك أن الذي أراد أن يظفر بالمعرفة لا بد له أن لا يعتمد على مصدر واحد.

أصبح ذلك الشاب محبًا لكل العلوم وعاشقًا لكل المعارف من أدب إلى فلسفة إلى كل أنواع العلوم.

يواصل تعليمه الأكاديمي مع ارتباطه بالتعلم الحر، إلى أن يصل لمرحلة تسمى مرحلة الاختصاص، هذه المرحلة قد دمرت أحلام العديد من الناس، ولم تُبقِ فيهم ولم تذر.

يقف ذلك الشاب أمام مفترق الطرق، أمام طريق واحد لا بد أن يختاره، وليقضي فيه ذلك المحب لكل المعارف والعلوم جل وقته فيه، بل قد يذهب فيه جهده وكل ما يملك وربما الذي سيختاره من تخصص قد تأثر بالعديد من الظروف المحيطة به، ومهما اختار أي تخصص ومهما كانت قيمته فإن ذلك الشاب سيدمر نفسه.

ذلك الشاب لا يحب أن يقرأ في موضوع واحد طوال حياته، لا يريد أن يكون مثل ذلك الحصان الذي وضع على عينيه لجامًا فهو لا يرى إلا أمامه مباشرة، أما عن يمينه وعن شماله وخلفه فهو لا يعلم شيئًا، هو لا يعلم من ذلك الذي يمتطيه ولا يعلم حتى أين هو راحل، كل ما يدركه أن هناك من يتحكم فيه ويقوده أين يريد.

وفي النهاية يستسلم ذلك الشاب للواقع ويختار ذلك التخصص، فيصبح لا يجد أي وقت لأن يقوم بما كان يفعله من قبل فيصب فيها كل مجهوداته أما بقية التوجهات التي كان يهتم بها فقد أكل عليها الغبار ولم يعد لها وجود ولا استعمال، فيعيش ويموت ذلك الشاب وهو لم يعش في جسده ولم يسلك نهج أفكاره ومعارفه، بل يعيش في جسد غيره، ويستعمل أفكار غيره، فيعيش كذلك الحصان.

هذه القصة يعيشها العديد من الناس بل إن أغلبيتهم قد مر بهذه القصة، منكم من أدرك حقيقتها ومنكم من لا يزال، بل ربما تجده قد استسلم للأمر الواقع وأصبح يرى الأمر عاديًا، وهذا بسبب ما يحيط به من اعوجاج، فلا شيء أصبح يبدو صحيحًا.

إن أكبر خطأ ارتكبته البشرية هو أنها اعتمدت في تقويمها للناس على معيار اسمه التخصص الذي هو نفسه الشهادات، فأصبح الواحد يُوزن بنوع التخصص الذي يدرسه وكم يملك من الشهادات، وهذه هي الطامة الكبرى، وهي المهلكة الحقيقية، وهي من الأسباب الرئيسية لضياع هذه الأمة.

فالشهادة هي ورقة تُعطى لمن اجتاز مرحلة من الدراسة، لكنها لا تعني بالضرورة أن صاحبها يملك جملة من المعارف والعلوم وأنه متميز في اختصاصه.

قبل أيام طرح صديق لي سؤالًا كان كالآتي: أدرس التسويق وأحب علم الفلك والفكر الإسلامي والتصميم والكمبيوتر، ولا أعلم ماذا أختار؟ فقد كان جدًا حائرًا، فهذا الصديق يعيش مثل القصة التي بدأت بها الحديث.

للجواب على هذا السؤال دعونا نرحل بكم من هذا الزمان إلى العصر الذهبي الإسلامي، ذلك العصر الذي شهد تطورات في جميع الميادين، وكان علماؤه من مهدوا الطريق لكل المعارف والعلوم الموجودة اليوم، إنهم أجدادنا العلماء المسلمون، لو قرأت عنهم لوجدت العجب العجاب، الواحد فيهم كلمة الموسوعة في حقه قليل، فتجده قد تفقه في الدين ثم قفز للفلك والرياضيات والطب إلخ.

– فمثلا ابن الهيثم بغض النظر عن أبحاثه في مجال الضوء لديه مخطوطة تتحدث حول تأثير الأنغام على الحيوانات التي تعتبر من أقدم المخطوطات في هذا المجال، حيث ضرب أمثلة عديدة حول كيفية تأثير الموسيقى على سلوك الحيوانات من خلال تجاربه، ولديه أكثر من 200 كتاب يتحدث فيه عن مواضيع مهمة في شتى المجالات من أشهر هذه الكتب كتاب المناظر، أعماله ترجمت إلى عدة لغات عالمية.

وأبو حامد الغزالي مثلا قد برع في كل الميادين، ففي فترته ظهرت الفلسفة وتأثر بها المسلمين، يقول: “فأحسست أنه لا بد لي من التصدي لهذا الدخيل، فحتى أرد على الفلاسفة لا بد أن أكون أحسن من أكبر فيلسوف، فقرأ الفلسفة في عامين ثم زاد العام الثالث ليهضم ما تعلم، ومنذ ذلك الحين لم يقدر أحد على مواجهته، فقد دمر آراءهم ومعتقداتهم وكتب في ذلك كتابين: “مقاصد الفلاسفة” و”تهافت الفلاسفة”.

هذا غيض من فيض حول ذلك العصر الذهبي، هؤلاء العلماء قد أدركوا وعرفوا الحقيقة بين الدين والعلم، فالإسلام ليس دينًا كهنوتيا، والله لا يُعبد في المساجد فقط، إن القران مليء بآيات التفكر والتدبر، وهذا هو منطلق العلماء السابقين.

يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة آل عمران: “إن فِي خَلْقِ السمَاوَاتِ وَالأرض وَاخْتِلاَفِ الليْلِ وَالنهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الألْبَابِ، الذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكرُونَ فِي خَلْقِ السمَاوَاتِ وَالأرض رَبنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النارِ”، (آيات:190 191).

عن عطاء قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة رضي الله عنها، فقال عبد الله بن عمير: حدثينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكت وقالت: قام ليلة من الليالي فقال: يا عائشة! ذريني أتعبد لربي قالت: والله إني لأحب قربك وأحب ما يسرك قالت: فقام فتطهر ثم قام يصلي فلم يزل يبكي حتى بل حجره ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض وجاء بلال يؤذنه بالصلاة فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله! تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: أفلا أكون عبدا شكورا؟ لقد نزلت عليّ الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: {إن في خلق السماوات والأرض..}، (صححه الألباني في السلسلة صحيحة68).

والأيات كثيرة جدًا

لهذا لا بد للإنسان أن يسعى لتحصيل كل المعارف والعلوم وأن لا يرضى بتخصصه، فإن الإنسان المتخصص إنسان ميت، والإنسان المطلع العارف ولو بالقليل هو الإنسان الحي.

لتعلم يا من تملك تلك الشهادة أنها في الحقيقة لا تساوي شيئًا، فإن حقيقتك هو ما تملك من معارف وما تستعمل منها.

إن الذي يؤكد لي في كل مرة على هذا الكلام هو أن النص القرآني قد خاطب العقول أكثر من أي شيء آخر، وقد دعانا لأن نتدبر في كل شي ولم يخصصها في مجال معين، فحتى الذبابة نجد أن الله تعالى يدعونا للتدبر في عظمة هذا الكائن الذي نجهل حقيقته وتركيبته العجيبة، فكيف لنا إذا بعد هذه الأدلة أن نرضى بأن تعيش في ذلك السجن، ألم يحن الوقت بعد لكي تغير حالك؟ ابدأ الآن، ولن تندم أبدا فمع كل معرفة جديدة ستفتح لك عالمًا لم تتخيل وجوده من قبل.

ختاما أقول أن واقعنا يحتم علينا أن نسلك طريق التخصص فكيف السبيل إذا؟

جوابي هو أن تواصل تعليمك الأكاديمي، وأن تأخذ تلك الشهادة، ولكن لا ترض بها لتدرس الفلك والفيزياء والطب والفلسفة والتاريخ، أما تخصصك فهو فقط جملة من المعارف والأفكار والمهارات التي تعرفها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد