ثمة ما يجول في بال كثير من شباب اليوم عن الوظيفة في سوق العمل حيث صرنا نتساءل تكرارًا ومرارًا، ما الفائدة من الشهادة التي نتعب ونجهد أنفسنا ونضيع أعمارنا – لاسيما – ونحن في الدراسات العليا نسعى بعزيمة وإصرار من أجل الحصول عليها، وفي نهاية المطاف يكون العلو والرفعة في المؤسسات والشركات وسوق العمل ككل لذوي المهارات ؟!

ناهيك عن أننا إذا نظرنا إلى الواقع الذي نعيشه بعين الباحث عن الوظيفة بعيدًا عن الفلسفة والتنظير غير المجدي، سنجد أن المهارة هي الرائدة الوحيدة التي تضمن لأبنائنا وبناتنا في الوصول إلى سلم الوظيفة، والتي من خلالها تضمن له العيش الهنيء والمستقبل الزاهر.

قبل الإجابة عن سؤالنا، ينبغي لنا أن نعرف لماذا بالتحديد هذا السؤال حير العقلاء منا في هذه الآونة ولم نتساؤل من قبل!
مما لا شك ولا ريب فيه أن الرئيس السابق لأمريكا هو من جعلنا نضع عدة علامة استفهام حول قوله «إن الشركات وغيرها لن تعتمد على الشهادات كما ستعتمد على المهارات»، وفعلًا هذا ما حصل حيث طبقت هذه الفكرة قرابة 15 شركة منها: (جوجل -آبل – هول فودس.. إلخ)، والتي تصنف من أكبر الشركات العملاقة في العالم، وفي خضم هذا المنوال أجرت بعض المؤسسات أو القنوات الإعلامية العربية استفتاء على مواقع التواصل حيث كانت النتيجة المصوتة لتأكيد أن المهارة أهم من الشهادة بنسبة تقارب 70%، بينما الطرف الآخر يؤكد أن 30% يفضل أو يُقدم الشهادة على المهارة. وأما الإجابة عن قولنا ما فائدة الشهادة أمام المهارة؟

عزيزي القارئ، امتلاكك للمهارة لايعني إهمالك لحمل شهادة تميزك عمن حولك، وإن كنا نتفق أن الشهادة للجميع، والعلم لمن أراد كما هو منقول عن الروسيين، إلا أن هذه المقولة لا تُؤخذ على الإطلاق؛ إذ إننا لو أهملنا أجيالنا وأبناءنا حول الشهادات العلمية، ستكون هناك ثغرات عديدة على مسار حياتنا العلمية والعملية، فهناك تخصصات تتطلب شهادة بأي حال، وفي حال ما وُجدت الشهادة فلا قيمة للوظيفة، كوظيفة الطبيب، فلا يعقل بتاتًا أن يُسمح لشخص يدعي إتقانه لمهارة الطب الجراحي أو أي فرع من فروع الطب بمبرر أنه يتقن هذه الوظيفة باكتسابه للمهارة، كذلك المهندس المعماري أو المدني لن يطمئن له القلب بأن يصدر نفسه لإجراء مشروعات عملاقة بمبرر أو بحجة اكتسابه للمهارة، كما أن هناك مهارات هي بحد ذاتها تتطلب منك الالتحاق في النظام أو التعليم الجامعي منها مهارة كيف تتعلم أن تتعلم، فمهاراتك لعمل ما قد يؤهلك للعمل الذي كُلفت به، ولكنك ستجهل آلية أو طريقة تلقي المعلومات بطريقة حديثة إذا استدعى منك الأمر القيام بذلك، وكذلك فإن حامل الشهادة يكون أكثر وعيًا واتباعًا للنظام المؤسسي، وأكثر قبولًا لتوجيهات مديره من حامل المهارة الذاتية، والتي تلقاها أو اكتسبها من الواقع العملي بطريقته الخاصة، زيادة على ذلك أنها تشكل شخصية الجيل الجديد، ولها أهمية في الاعتبارات التعليمية والحياتية، ولا يخفاك علمًا أن المؤسسات الحكومية والخاصة لها أنظمة ولوائح في الترقيات الوظيفية، فهناك مؤسسات ترفض رفضًا باتًا أن يُعين مدير في أحد أقسامها لا يحمل شهادة جامعية، وإن كان أكثر جدارة وإتقانًا لعمله من حامل الشهادة الذي ليس لديه المهارة الكافية في وظيفته.

نعم بكل تأكيد إن من المميزات التي ينالها حامل الشهادة، أن تكون له مكانة اجتماعية، وأن يحرز الكم الهائل من العلم والثقافة – خصوصًا – إذا تعلم منهجًا حديثًا يواكب العصر، فضلًا عن أن تكون الشهادة من جامعة مرموقة لها تصنيف عالمي رفيع.

وفي المقابل نجد أن المهارة في سوق العمل هي الرائدة والكفيلة بجعلك عددًا صحيحًا يشار إليك بالبنان، ولنا من الشواهد على سبيل المثال لا الحصر، ممن نجحوا في واقعنا، وصُنفوا من أغنى رجال العالم مع أنهم لم يحملوا شهادات جامعية والبعض منهم لا يحمل شهادة ثانوية فمؤسس شركة «فيسبوك» – مارك- لم يكمل تعليمه الجامعي بعد، ومع ذلك كان ترتيبه الرابع مؤخرًا في قائمة أغنى رجال العالم، كذلك مؤسس «ميكروسوفت» لم يكمل تعلميه الجامعي، وهناك العديد ممن صنفوا في قائمة ملياديرات العالم، ولا يحملون أي شهادة جامعية، وما زالت مشروعاتهم تنجح وتزداد أكثر فأكثر، ولنقرب الصورة أكثر من واقعنا المعاش، ولنسلط الضوء على المستويات التعليمية لنجوم كرة القدم، سندرك أن الكثير منهم إن لم يكن معظمهم لم يكملوا التعليم الجامعي أو الثانوي؛ وإنما انخرطوا في عالم المهارات، وأبدعوا حق الإبداع مهاراتيًّا وماديًّا.

قد نتفق أو نختلف حول هذه الفكرة، ولكن الواقع الذي نعايشه خير برهان، وبما أننا نعيش في عالم الرقمنة والذكاء الاصطناعي ستجد أن هناك من الخبراء في هذا المجال من يجني 155 ألف دولار بمهارته في المجال المذكور، ولو قارنتها براتب أعلى برفيسور في جامعة ذات شهرة عالمية، ستجد أنه يتقاضى أقل بقليل من صاحب هذه المهارة.

 خلاصة القول، وإن كان الحديث يطول في هذا السياق أيهما أهم الشهادة والمهارة، في الحقيقة حديث أثار جدلًا واسعًا مؤخرًا ويصنع الحيرة لأجيالنا المقبلة على التعليم الجامعي، ومن يعتقد أن لا مستقبل إلا مصطحبًا لشهادة علمية.

وكذلك يمكننا القول بإيجاز إن الشهادة الجامعية، وإن كانت مجرد حبر على ورقة من مؤسسة تعليمية مشهود لها بالكفاءة العلمية فإنها تفتح لك الطريق والأولوية في الوصول إلى المقابلة إلا من خلالها حتى يُحسم مصيرك بالقبول أو الرفض، ولكن ما بعد المقابلة ستجد أن المهارة هي الأساس في القبول الوظيفي، بيد أن الشهادة تثبت أنك مُتعلم، ولكنها لا تثبت أنك فاهم، لذلك اخترعوا مقابلة قبل الوظيفة، وهذا لا يعني أن الشهادة ستسقط قيمتها، ولكن على المدى البعيد سيكون التركيز على المهارة، وأنها مع مرور الوقت ستكون مرجعًا والمهارة وظيفة، فإن كنت تريد أن تحظى بالرفعة الاجتماعية والترقيات الوظيفية فلا تتخلى عن الشهادة بأي حال، ولتحاول أن تجمع بين الشهادة والمهارة كي تحظى بكلا الشرفين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد