بلد بتاعت شهادات صحيح!

جملة قالها دسوقي في مسرحية (أنا وهو وهي) منذ ما يزيد عن خمسين عامًا، آنذاك قام بدور دسوقي ممثل شاب كان في بدايته اسمه (عادل الإمام)، مر خمسون عامًا ليصبح عادل الإمام زعيم الكوميديا في مصر والوطن العربي، بينما ظلت بلادنا بتاعت شهادات  بصحيح، ليزداد الأمر سوءًا مع تدهور مستوى التعليم المصري بكل مراحله لتصبح الجملة التي أضحكت جمهور المسرح بحرارة، هي ما سيضحك علينا الأمم!

كل عام تتفاقم مشكلة (الثانوية العامة) العقبة الأكبر في تاريخ شباب هذا الوطن، كل عام تزداد الصرخات والاستغاثة من هذا الغول الذي يزداد شراسة عامًا بعد عام ليقضي على أحلام جيلٍ بعد جيل، فلو تخيلنا أن كليات القمة – كما يسميها البعض – تبلغ نسبتها 20% من إجمالي الكليات في مصر، فمن البديهي أن يصيب الإحباط 80% من باقي الطلاب الذين لم يحلقوا بها، إذًا فماذا تنتظر من شباب أصابه الإحباط وهو في مقتبل عمره، شباب لم يشق طريقه بعد بل لا يعلم قدراته أو مواهبه ليحدد أهدافه في الحياة، شباب زرع في عقولهم أن النجاح والتفوق في كليات بعينها دون غيرها – كالطب والهندسة – في وطن تدهورت فيه الصحة والبحث العلمي كما تدهورت المرافق والمواصلات بل فاقتهم تدهورًا.

المشكلة ليست بتلك البساطة، فالعقدة تزداد صعوبة وتعقيدًا، ومع ظهور نتائج الثانوية العامة يتجلى لنا الوضع المزري الذي يواجهه أبناؤنا، فالمبالغة في أهمية هذا الأمر جعلتنا نرى ردود أفعال مبالغًا فيها كهروب بعض الطلاب من منازلهم كأن هذا الطالب أو هذه الطالبة جلبوا لأهلهم العار، وربما يصل بهم الأمر – في ظروف أسوأ من ذلك – إلى الانتحار!

السؤال هنا؛ من رسَّخ في تلك العقول الشابة تلك الفكرة الفاسدة؟ وهي أن الجنة في كليات محددة وضعت على القمة دون أساس، ترى من رفع شأن الطبيب على المحامي أو المدرس أو المهندس؟ فالوطن لا يعلو شأنه إلا بهم جميعًا، ومن حدد كليات القمة عن غيرها؟ في دولة جميع جامعاتها في آخر القائمة على مستوى جامعات العالم، ومن المستفيد من تحديد أحلام الشباب بسقف ضعيف أوشك على الانهيار، ومن وضع هذا الخندق لشبابنا؟ لتتحول أحلامهم إلى سراب بما فيهم الطلاب الذين وفّقوا في دخول الكليات التي ينشدونها وكتبوها في أول رغباتهم، ليصدموا بواقع بلادهم المرير قبل وبعد التخرج.

نحن شعب مؤمن بطبعه، لذلك نؤمن بقانون المؤامرة دائمًا، مؤامرة علينا من أعداء الوطن هنا وهناك، وكما تعلمنا في مناهجنا أن مصر مطمع الغزاة، يبقى هنا السؤال؛ ترى من يدبر لعرقلة نهضة هذا الوطن؟ اليابان مثلًا، ففي اليابان يتم تدريس مادة اسمها (الطريق إلى الأخلاق) من الصف الأول الابتدائي إلى السادس الابتدائي لترسيخ الأخلاق في حياتهم وتعاملاتهم، كما يتعلمون تنظيف مدارسهم كل يوم لمدة ربع ساعة – ليس من باب العقاب كما يحدث عندنا – لتترسّخ فكرة النظافة في أذهانهم وتصبح أسلوب حياة، اليابان أنجح شعوب العالم لا يوجد لديهم رسوب في المراحل الأولى من التعليم الابتدائي.

ترى من يتآمر علينا؟ عدونا الأول، العدو الصهيوني؟! الذي يصل إنفاقه على التعليم إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي، وتعد ثلاث من جامعاته ضمن أفضل 200 جامعة على مستوى العالم حسب تصنيف كيو إس للجامعات العالمية.

لابد لنا من وقفة نصارح فيها أنفسنا، فالدولة المتقدمة أو التي تسعى إلى التقدم تمهد الطريق لأبنائها، ولكن حقيقتنا المرة أننا أول عقبة في طريق أبنائنا، لأن أعداءنا وفي مقدمتهم العدو الصهيوني إن اجتمعوا على أن يهدموا مصر في مواردها وخصوصًا في شبابها – وهو أهم ما تمتلك من موارد – فلن يجدوا خطة أفضل من نظام التعليم في بلادنا وسوء خاتمته (الثانوية العامة) ليقضي على أحلام وطموحات شباب في مقتبل العمر، شباب يقال عليه أذكى طفل في العالم في مراحله العمرية الأولى أي قبل دخول طاحونة التعليم المصري، التعليم المصري الذي تعلمنا منه في مادة الدين – التي لا تدخل في المجموع – أن اليهود يحرقون بيوتهم بأيديهم، بينما نحن نهدم أبناءنا بأيدينا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد