الإجتهاد في الطاعة لبلوغ الليلة المباركة

أنعم الله على عباده المسلمين بعديد النعم التي لاتحصى، وفضّل شهورا على بعضها و أيّاما على باقي الأيّام وليلة على باقي الليّالي، فمن بين الشهور التي خصّ بها المسلمين شهر مضان المبارك والذي يضاعف فيه أجر العبادات والطاعات، فهو شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن والصدقات، فتفتح فيه أبواب الجنّة ويجازي الله فيه عباده باستجابة الدعوات والمناجاة وقبول التوبة، فالصيّام فيه ركن من أركان الإسلام، فصامه الرسول ﷺ وأمر الناس بصيامه، وأخبر عليه الصلاة والسلام أن من صامه إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن قامه إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وقد ذكر الله تعالى في محكم تنزيله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). البقرة 183.

وقد تنزّلت آيات القرآن الحكيم في العشر الأواخر من الشهر وبالذات في ليلة القدر المباركة لقولة تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) القدر 1، وقوله في سورة الدخان الآية 3 (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ)، لذا أمرنا الرسول ﷺ بأن نتحّرى هاته الليلة لقوله عليه الصلاة والسلام (تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان)، وذلك بالاجتهاد في الطاعة والعبادة كقيام الليل والاعتكاف والإكثار من الذكر والاستغفار و شتى الأعمال الصالحة، وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كان رسول الله يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره) وفي حديث آخر (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شدَّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله).

تبدأ العشر الأواخر من رمضان ابتداء من ليلة إحدى وعشرين، سواء كان الشهر ثلاثين يوما، أم كان تسعا وعشرين، ففي رواية للبخاري (2018)، ومسلم أيضا (1167): «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجَاوِرُ فِي رَمَضَانَ العَشْرَ الَّتِي فِي وَسَطِ الشَّهْرِ، فَإِذَا كَانَ حِينَ يُمْسِي مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً تَمْضِي، وَيَسْتَقْبِلُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، رَجَعَ إِلَى مَسْكَنِهِ، وَرَجَعَ مَنْ كَانَ يُجَاوِرُ مَعَهُ». فهذا يدل على أن العشر الأواخر تبدأ من ليلة إحدى وعشرين.

ولذلك فإن مذهب جمهور العلماء -ومنهم الأئمة الأربعة-: أن من أراد أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فإنه يدخل قبل غروب الشمس من ليلة إحدى وعشرين. وأوتار العشر الأواخر هي: ليلة الحادي والعشرين، والثالث والعشرين، والخامس والعشرين، والسابع والعشرين، والتاسع والعشرين.

هذا ما كان يفعله نبيّنا عليه أفضل الصلاة والتسليم وما دأب عليه السلف الصالح من الصحابة الكرام والتابعين والصالحين طيلة هذا الشهر الفضيل، والذي يطلّ علينا نحن المسلمين كل عام فنستقبله في الأيّام الأولى بقوة إيمانية عالية، وذلك بالمزاحمة في المساجد وملئها عن الآخر والحرص على الصلاة في أوقاتها حتى ولو على حساب أوقات العمل، والمنافسة في أعمال الخير كالجود ومرافقة المحتاجين والفقراء وإفطار الصائمين كعابري السبيل وإقامة موائد إفطار جماعية.

لكن مع انقضاء النصف الأوّل من الشهر تتناقص الصفوف في المساجد وتفرغ شيئا فشيئا، فيملّ البعض من صلاة التراويح بحجة الحرارة أو إطالة الإمام للصلاة وغيرها من الحجج الواهية، فتغيب تلك الحماسة الدينية، وتتكرر ككل عام ظاهرة الفتور والتكاسل في العبادة والعطاء بعد ذلك الاندفاع القوي في العشرة الأولى من هذا الشهر، فتزدحم المقاهي والمحّلات ومختلف الفضاءات التجارية والترفيهية، فتتسارع العائلات من أجل اقتناء الملابس والهدايا والحلوى استعدادا للعيد، متجاهلين بذلك وصايا النبيّ عليه أفضل الصلاة والسلام ومتناسين بذلك فضل العشر الأواخر والقيمة الروحية للليلة المباركة، فيتراجع الناس عن عباداتهم ويعمهم الكسل والخمول في موسم الخيرات.

إن المتأمل في فضائل أيام رمضان يجد بأن آخرها أفضل من أولّها، ففيها ليلة خير من ألف شهر، فالعبادة فيها خير من ثلاثة وثمانين سنة، فلو تدبّرنا في كلام الله وانتهجنا سنة نبينا ﷺ لعرفنا قيمة هاته الليالي، بل لواصلنا في الجدّ والانتقال من طاعة إلى طاعة ومن عبادة إلى عبادة أخرى حتى بعد رمضان، فعبادة اللّه واجبة في كلّ الأوقات ولا تنحصر في أيّام أو شهر لقوله تعالى «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» الذاريات 56.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

رمضان
عرض التعليقات