تريد الخلافة وتكره القتل .. صراع السلطة والدعوة

خرج إبراهيم بن عبد الله على أبي جعفر المنصور، وقد كان إبراهيم بالبصرة قريبًا من أبي جعفر وكان معه حشد عظيم، وكان أبو جعفر في قلة من عسكره لا يكاد عددهم يتجاوز الألفي فارس بعد أن فرق جنده على الثغور في الرِّيّ وفي المغرب وكذلك في الحجاز لقمع خروج محمد بن عبد الله بن الحسن، وأشار أصحاب إبراهيم عليه بالإسراع إلى الكوفة، لكنه اختار قتال الجيش للجيش وقال: بل أقاتل جيش عيسى بن موسى الراجع من الحجاز، بدلًا أن نقتحم الكوفة ونروع أهلها، فأضاع الفرصة وأضاع الخلافة!

حول مواقف كهذه ينقسم الناس إلى صنفين، الفريق الأول والذي يحسب كل الأمور بحسابات سياسية بحتة وبالربح والخسارة سيرى أن ما فعله إبراهيم بن الحسن هو خطأ سياسي فادح، أما الفريق الثاني الذي يحسب كل شيء وفقًا للدين والشريعة، فسيرى أن ما فعله إبراهيم هو اجتهاد مأجور ابتغى به الغَلَبَة مع محاولة حقن الدماء.

هذا الصراع بين السلطة والدعوة، وحسابات السياسة المطلقة مقابل حسابات الدين الذي يشمل السياسة وكل مناحي الحياة، هذا الصراع لن ينتهي إلى أن تقوم الساعة. «تقوى الله»، «اتباع الشريعة»، «العدل» .. وغيرها من الأمور التي تدعو لها التيارات الإسلامية وهي في طور الدعوة، إلا أنهم حين يصبحون في مواجهة الأنظمة الحاكمة والتيارات المضادة والمؤامرات الداخلية والخارجية، يصعب كثيرًا التمسك بما تتضمنه هذه المصطلحات في طياتها من منهج وتطبيق، ويصبح أمام التيار الإسلامي اختياران لا ثالث لهما، اتباع المنهج والتمسك بالدعوة مهما كانت التكلفة، أو التضحية بالدعوة وبما تشمله من عدل ورحمة للتمسك بالمنصب والحفاظ على المكتسبات السياسية.

نماذج للتمسك بالدعوة على حساب السلطة

«فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم».. آخر ما قرأ ذو النورين ثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان، خرج عليه الناس من العراقين، الكوفة والبصرة، ومن مصر، فجاءوا إلى المدينة وحاصروه وآذوه، وأبطال المسلمين حوله وجيش معاوية بالشام رهن بنانه، وأفئدة المؤمنين معه وسيوفهم رهن إشارته وأرواحهم رخيصة في سبيل نصرته، وهو الحيي الذي تستحي منه ملائكة الرحمن، لو أراد، وهو معه الحق وهو أهل له، أن يردع المتمردين المارقين لفعل، لكنه أبى، كانت كلمته دائمًا وهو يأبى الصراع للسلطة أن يحافظ على دماء المسلمين (حتى هؤلاء المتمردين) فأكثرهم مغرر به، قُتِل عثمان ظُلمًا لكنه ما سفك دم مسلم واحد ظلمًا، فتمسك بمقتضيات دعوته وضحى بسلطته بل بحياته في سبيل دعوته.

نموذج آخر هو ما ذكرناه في مطلع المقال من سلوك إبراهيم بن الحسن في الحرب الذي خاضها لتمكين دعوته، ومنها أنه قيل له: لا تظهر على المنصور حتى تأتي الكوفة، فإن ملكتها لم تقم له قائمة، وإلا فدعني أسير إليها أدعو لك سرًا ثم أجهر، فقال إبراهيم: لا نأمن أن تجيبك منهم طائفة فيرسل إليهم أبو جعفر خيلا فيطأ البريء، والصغير، والكبير فنتعرض لإثم. فرد صاحبه عليه: خرجت لقتال مثل المنصور وتتوقى ذلك؟! وقال آخر حين اقترب لقاء الجمعان: إنهم مصبحوك في أكمل سلاح وكراع، ومعك عراة، فدعنا نبيتهم، فقال: إني أكره القتل، فقال : تريد الخلافة، وتكره القتل؟

نماذج للتمسك بالسلطة على حساب الدعوة

نتجه إليها في كل صلاة كل تصح صلاتنا، هي بيت الله الحرام، الكعبة بناء إبراهيم عليه السلام، قال الله فيها «جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس»، إلا أن قدسيتها وحرمتها لم تمثل أي عقبة للحصول على السلطة لبني أمية الذين ضربوا الكعبة بالمنجنيق وقتلوا ابن الزبير وروعوا المؤمنين في الحرم على يد الحجاج بن يوسف الثقفي، وروعوا الحرمين مرة أخرى على يد مسلم بن عقبة! نعم تمكنوا من السلطة أيما تمكن بعد ذلك، قتلوا الحسين بن علي سيد شباب أهل الجنة وقاتلوا الخوارج فهما سيان عند أهل الحكم فكلاهما «خطر على الدولة»، نعم تلك الدولة التي وصلت أقصى اتساع لها في عهدهم وأقاموا فيها الدين وفتحوا الفتوحات وعربوا الدواوين وصكوا العملة الإسلامية لأول مرة وغيرها من الأمور الحسنة التي قاموا بها، لكن بعد أن تنازلوا عن مقتضيات الدعوة في بادئ الأمر للوصول إلى السلطة.

«الدعوة للرضا من آل محمد»، دعوة بهذا الاسم يغلب الظن أنها دعوة إسلامية تأتي بآل البيت النبوي الشريف إلى سدة الحكم، وتأتي بإمام «مهدي» يملأ الأرض عدلًا بعد أن مُلئت جورًا وظلمًا، إلا أن هذه الدعوة كي تتمكن من بناء الدولة قد ملأت الأرض جورًا وظلمًا، فجاءت على جثث ما يصل إلى مليوني مسلم، وقتلت حتى نقباءها ورجالها وعلى رأسهم أبا مسلم الخرساني، وقتلت حتى من آل محمد من قتلت وعلى رأسهم محمد النفس الزكية، المعروف باسم النفس الزكية، وضرب تحت رعاية حكامها بالسياط وعذب وأوذي في الله أئمة المسلمين أبو حنيفة ومالك وبن حنبل وسفيان الثوري وغيرهم. لكن نعم، تمكن العباسيون أصحاب تلك الدعوة من السلطة وصاروا هم خلفاء المسلمين عدة قرون من الزمان.

عودة من الماضي إلى الحاضر

لم يختلف الأمر كثيرًا على مدار التاريخ وكم الأمثلة لا حصر لها، حتى عصرنا الحديث نكاد نرى الخلاف بين الفريقين. فمن أكثر المسائل الجدلية حول د. محمد مرسي أنه كان هينًا مع خصومه، لم يقمع المعارضة ويوقف قنواتها وبرامجها الإعلامية بل وسامح كل من أخطأ في حقه منهم، ويرى البعض أنه كان الأولى به كي يحافظ على مكتسبات الثورة أن يردع من يلتف على هذه الثورة، وأنه إن قام بذلك فإنه على الأغلب كان سيحتفظ بحكمه مدة أطول، إلا أنه إن اشتغل بالقمع والتخلص من خصومه مع عدم التيقن والتبين، مع افتراض أنه كان قادرًا على ذلك، لكان سيضحي بمبادئ الدعوة من أجل الاستحواذ على السلطة!

على الجانب الآخر من هذا النموذج كان الشيخ راشد الغنوشي وحركة النهضة التونسية التي انسحبت بالكلية من الصراع وتركت الأمر كله على عواهل حزب نداء تونس فتركت السلطة معتقدة بأن ذلك أفضل للشعب والدعوة.

وبين هذا وذاك نموذج رجب طيب أردوغان، الذي يعتبر النموذج الأبرز والأبرع سياسيًا والأنجح من النماذج المحسوبة على الإسلاميين، على رغم من الكم الرهيب من التجاوزات التي قام بها ولا يزال للحفاظ على مكتسبات السلطة، إلا أنه يحسن ما وسعه الوضع للإحسان سبيلًا، في نموذج أقرب لفعل بعض الأمويين والعباسيين.

يرفض فريق كبير من الإسلاميين أن يختار بين خياري السلطة والدعوة فقط، ولا يرون الصراع بينهما بهذه الرؤية، ويرون السياسة هي الأداة التي تربطهما معًا فيجتمعان ولا يفترقان، إلا أن السؤال الأكثر صعوبة هو ما هي ضوابط هذه السياسة؟ فإن كانت ضوابطها مقيدة بالشرع فتلك السياسة لم تخرج من كنف الدعوة! وإن كان ضابطها الوحيد هو المصلحة بدون ميزان الشرع فهي اتباع الهوى الذي حذرنا الشارع سبحانه وتعالى منه، وهنا تبرز أهمية العنصر الغائب عن المعادلة وهو ذلك العالم المحايد الفقيه المتمكن الجريء الذي يستطيع أن يضبط هذه الضوابط كي تصل الدعوة للتمكين دون أن تفقد مقتضياتها!

مرسي وأردوغان والغنوشي وغيرهم، كلها نماذج أضافت أبعادًا جديدة للتجربة الإسلامية (بغض النظر عن الاعتقاد بنجاح هذه النماذج من فشلها)، لكن بدون الحصول على آلية واضحة لحسم هذا الصراع لن تفلح أي حركة إسلامية في ظل تحديات عديدة تواجهها، بينما تقبع تلك الحركات في حالة ركود لا يتناسب مع ديناميكية الأحداث في عالمنا. أهم هذه التحديات التعامل مع سلطة العسكر، ثم التعامل مع المعارضة في الداخل التي يستغلها العسكر وقتما أرادوا وكيفما شاءوا، التعامل مع النظام الدولي في الخارج وقضاياه المتعلقة بالمنطقة وأبرزها ما يتعلق بفلسطين وسوريا، الاستعداد للحصار والمقاطعة الاقتصادية في حال عدم الانسياق وراء أو الاتساق مع النظام العالمي، التعامل مع الدول الإقليمية المتصارعة، إعطاء مناخ للحريات مع ضبطه بالقانون، وبعد كل ذلك آليات واضحة للتحسين من الأوضاع الاقتصادية في بلاد تفشى فيها الفقر والركود الاقتصادي والديون.

أخيرًا، تمكن المنصور، وقُتل إبراهيم بن الحسن، وقد كان معه قوة وشرعية وغاية عظيمة وكان وراءه جند مخلصين، لكنه قُتل وقُتل الكثير منهم معه، وآثر أن يكون صاحب الدعوة المقتول في سبيلها على أن يكون القاتل من أجلها، وسيظل المؤرخون يختلفون حول ما فعله وما فعله قبله أخيه وقبلهما زيد بن علي وقبلهم الحسين بن علي، هل هو نجاح أم فشل، وستظل المعضلة الأكبر هي أننا نحاول أن نختار بين نقيدين، فرعون والنمرود أم أصحاب الأخدود، وليتنا نستطيع أن نتخذ بين ذلك سبيلا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد