تحدي البداية والتأسيس

تحدثت في مقالتي السابقة (تحديات الإسلاميين (١)) عن تحدٍ فكري منهجي وهو صراع السلطة والدعوة مستشهدًا بنماذج من الماضي والحاضر، في هذا المقال أتناول تحديًا من نوع آخر قد سميته «تحدي البداية»، يجب على أي حركة إسلامية التفكير فيه والإعداد له والاجتهاد في إيجاد النموذج الأمثل لاقتحام عقبته واجتيازها.

مقاومة السلطة ومقاومة التغيير

يُعد التحدي الأصعب والأهم هو البداية الحقيقية، كيف تبدأ وأين تبدأ؟ ربما يرى البعض إن إجابة هذا السؤال سهلة، فالبداية قد تكون من أي مكان، لكن التاريخ يخبرنا أن مكان بداية الدعوات هو أحد أهم أسرار نجاحها. من الطبيعي أن تُقَاوَم أي حركة في بدايتها مقاومة عنيفة إذا كانت تسعى لتغيير حقيقي في المجتمع الذي تنشأ فيه، وهذه المقاومة يقوم بها فريقان، الفريق الأول يتكون من القائمين على إدارة هذا المجتمع لأن أي تغيير حقيقي يشمل استبدالهم ونزع سلطانهم وكل الامتيازات التي يتمتعون بها في هذا المجتمع، أما الفريق الثاني فهم غالبية المجتمع نفسه، وهذا ما يُعرف في علم الإدارة بمقاومة التغيير، فالمجتمع يعادي ما لا يعرف، ويفضل واقعًا سيئًا معروفًا عن مستقبل مجهول العواقب.

غالبًا يتنافس أصحاب دعوات التغيير مع أصحاب النفوذ والسلطة على استحواذ أكبر نسبة من الفريق الثاني، وذلك لأن أي دعوة للتغيير بدون حاضنة شعبية لا تستطيع التقدم ولا الخروج من المربع صفر، وإن خرجت منه فإنها لن تلبث أن تعود إليه سريعًا. قد يظن البعض أن الحاضنة الشعبية مهمة فقط في المجتمعات التي تتبع النظام الديمقراطي القائم على الانتخاب، حيث يكون لهذا الفريق الدور الأبرز فيه، لكن في الحقيقة الالتفاف المجتمعي والحاضنة الشعبية مهمة حتى لمن جاء للحكم بقوة السلاح، ولذلك كانت الفتوحات الإسلامية في أولها مدعومة من المجتمعات القائمة في بلاد الفتح، وقد جعل ذلك من تلك الفتوحات أمرًا يسيرًا نسبيًا تنتصر فيه القلة المسلمة على الكثرة القائمة الحاكمة، ويعقب ذلك قبول هذه الأقلية في الحكم وإدارة البلاد لدعم تلك المجتمعات لهم على الرغم من اختلاف الثقافة والدين، وأمثلة ذلك كثيرة في التاريخ وأشهرها أقباط مصر وقوط الأندلس (شبه الجزيرة الأيبيرية).

لذلك فالبداية كمكان وزمان وكيفية لها دور كبير في حل هذه المعضلة وهي المقاومة. أي فكرة جديدة تبدأ في مجتمع ما تحتاج أن تعيش فترة ما بدون مقاومة تتمكن فيها هذه الفكرة من نفوس الرجال حتى يعيشوا من أجلها ويموتوا في سبيلها، وإلا وُأدت الفكرة في مهدها، ولذلك كانت ولا زالت أغلب الحركات والدعوات تعيش في طور من السرية التامة في بدايتها، بل وهكذا بدأ الإسلام نفسه!

مقومات المكان ووظيفة الدعوة والمَنَعَة

عودة إلى الإجابة المباشرة التي غالبًا يقولها قيادات في التنظيمات والحركات المعاصرة، أن البداية تكون من حيث أنت، من مكانك، صحة هذه الإجابة تعتمد على ثلاثة أمور، مقومات المكان ووظيفة الدعوة ومنعة أفراد المجتمع، بالنسبة لمقومات المكان هذه الإجابة قد تكون صحيحة إذا كانت مقومات هذا المكان داعمة للنهوض، وقد تكون منافية للصواب تمامًا إذا كانت هذه المقومات غير موجودة بل منعدمة كليةً، والأسوأ من ذلك حينما تكون أضدادها متوفرة. فحينما تبدأ الفكرة في الظهور في مجتمع ما، أول من سيحاربها سيكون الفريق الأول، وهم أصحاب السلطة والنفوذ، وبيدهم بدل المطرقة مطارق من حديد، وحينها يُساق أصحاب هذه الدعوات إلى السجون وأعواد المشانق أو القتل غِيلة، ثم يتفرق الأتباع بين طريد وشريد ومهاجر، لذلك فإجابة هذا السؤال ليست بتلك البساطة!

أما بالنسبة لوظيفة تلك الدعوة، فهي العنصر الأهم في الإجابة عن سؤال مكان تأسيس الدعوة، فإن كان الهدف من إقامة هذا التيار أو تلك الحركة دعويًا فقط فالأمر بالنسبة له سيان، يبدأ من أي مكان، مع الأخذ في الاعتبار أنه إذا كانت الدعوة تحت سلطة ظالمة لن تكون دعوة كاملة، فعلى الأغلب سيتجاوز دعاتها التحدث عن أبواب مثل أبواب الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحكيم الشريعة، وغيرها من المسائل التي إذا تطرقوا إليها ستُكتب شهادة وفاة لهذه الحركة قبل أن تُكتب شهادة ميلادها؛ أما إن كان هدف تلك الدعوة الوصول لقيادة المجتمع فالأمر مختلف، بل إنه سيفشل على الأغلب إذا لم تأتيه الفرصة على طبق من ذهب، فمن الصعب أن تبدأ حركة ما تحت سطوة نظام تسعى لانتزاعه من جذوره! ومن البلاهة أن تتوقع هذه الحركة أن النظام سيقبل بها ويمنحها الفرصة، بل على العكس تمامًا، غالبًا ينتهي الأمر بتلك الحركات التي تكبر وسط هذه الأنظمة أن تكون إحدى «الجماعات الوظيفية» التي يستخدمها هذا النظام إذا شاء وكيفما شاء، ولا يمكنها أن تتعدى ذلك الدور الذي كُتِب لها، ووقتما يحب هذا النظام أن يجتث جذورها يقوم بملاحقة أعضائها وإعدام قياداتها وتجميد أرصدتها وتجريم أو تكفير أنصارها وتشويه صورتها.

أما بخصوص مَنَعَة أفراد المجتمع وأصحاب الدعوة، والمنعة هي العزة والقوة، كتب ابن خلدون في كتابه تاريخ ابن خلدون في فصل سماه «معاناة أهل الحضر للأحكام مفسدة للبأس فيهم ذاهبة بالمنعة منهم» عن ضعف مَنَعة أهل الحضر عن أهل البادية، وذلك لأن أهل المدينة لا يملك أحدهم أمر نفسه، فعلى سبيل المثال إذا اعتُدِيَ عليهم أو سُرق مالهم أوانتُهكت أعراضهم، فإنهم يحتاجون للجوء للدولة للاقتصاص لهم أو لاسترداد حقوقهم، وغالبًا ما ينقصهم شاهد أو بينة فتضيع حقوقهم ويستسلمون عن طلبها، أما منعة أهل البادية تجعل منهم أسيادًا لأنفسهم، يموتون ولا يُنتهك لهم عِرض، ولا يؤخذ منهم درهمًا بغير حق، وربما يوضح ذلك حكمة الإرادة الربانية في أن يكون خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ في وسط مجتمع قبلي على أن يُبعث في بلاد الروم أو فارس، فيُقتل ويُصلب قبل أن تقوم لدعوته قائمة، وكان اختلاف منشأ هذه الدعوة كفيلًا أن تزيل تلك الدعوة الجديدة هاتين الامبراطوريتين العظيمتين وترث ملكهما وأرضهما في غضون ثلاثة عقود!

نماذج تاريخية عن دعوات تحولت إلى دول

حينما بدأ هذا الدين كان محمد ﷺ في قبيلته فكان أصحاب السيادة وأهل دار الندوة عاجزبن عن النيل منه بعد ظهور دعوته، وكانوا يصبوا جام غضبهم على المستضعفين، التي شُرعت الهجرة ليفروا بدينهم من بطش هذا الفريق الظالم، بينما كانت بنو هاشم كافرها ومسلمها في حماية ونصرة محمد ﷺ -عدا القليل منهم مثل أبي لهب- فكانوا منعة له وكذلك كانوا معه في حصار الشِعب، لذلك كانت بدايته من مكانه أفضل لوجود تلك المقومات، وحتى بعد وفاة زعيم بني هاشم، أبو طالب بن عبد المطلب، دخل ﷺ إبان عودته من الطائف في جوار المطعم بن عدي، وقد كان كافرًا ومات على ذلك، لكنه مَنَع عن رسول الله ﷺ، فكانت عُصبة القبيلة وحميّة الجوار من أكبر دعائم البداية في هذا المكان والزمان.

هذا عن النموذج المحمدي، الذي قد يقول عنه البعض أنه نجح فقط للدعم الإلهي والوحي الذي كان ينزل على صاحبه، لكن فكرة البداية كانت سبب نجاح العديد من الحركات التي أصبحت دولًا في التاريخ بعد ذلك، ومنها دولة بني العباس التي قامت من أطراف خراسان (الحدود الشرقية للدولة الإسلامية) بينما كان خليفتها وصاحبها في قرية الحُمَيمة (بالأردن) لا يعرف أحد عنه شئ، فكثرت الجموع وتحولت الدعوة السرية إلى جهرية، وخرج أصحاب الرايات السود وزحفوا من خراسان للعراق حيث انضم أصحابهم إليهم فتكونت الجيوش التي تحولت كسيل جارف نحو الشام فقضت على فلول الأمويين ثم أسست دولة العباسيين في العراق، ولو كان صاحب الدعوة قد أعلن عنها في الحميمة لما قد وصل الأمر لأكثر من بضع عشرات من الأتباع ولم يكن ليتعدى طور السرية، ولم يكن ليتقدم إلا إذا قُدِّمت له الفرصة على طبق من ذهب، لكنهم صنعوا الفرصة لأنفسهم بأنفسهم وحققوا كل ما رنوا إليه كما خططوا له.

وكما قامت دولة الإسلام في صحراء الحجاز بعيدة عن مُلك فارس والروم، ودولة العباسيين على أطراف خراسان بعيدة عن مركز الخلافة، قامت أيضًا دولة المرابطين بأدغال السنغال (أقصى الحدود الغربية للعالم الإسلامي) حتى وصلت لقلب أفريقيا وضمت كذلك بلاد الأندلس، وقامت دولة العثمانيين على أقصى أطراف الحدود الإسلامية البيزنطية (أقصى الحدود الشمالية الغربية للعالم الإسلامي) ثم ضمت أغلب العالم الإسلامي بعد ذلك! وكل هؤلاء وغيرهم تحركوا من المكان الصحيح وفي الزمان الصحيح وبالتخطيط الصحيح، وكل ذلك تحت مشيئة الله عز وجل، فأقاموا دولًا عظيمة خلدها التاريخ.

معضلة العزل المجتمعي والحاضنة الشعبية

لابد إذن لأي حركة أن تجد مناخًا جيدًا لنشأتها ونموها، يتمكن فيه أعضاؤها من تعزيز المنعة لديهم ويحصلون فيها على تربية فكرية وروحية وحركية تصنع منهم رجالًا ربانيين، يفهمون مبادئ الإسلام الحقيقية ويدركون مقاصد الشريعة الغراء وغاياتها، يتعلمون الفرق بين الثوابت والمتغيرات، يدركون المخاطر والتحديات واختلاف المآلات، بدون ذلك المناخ لن تحصل تلك الحركة على البنية القوية التي تمكنها من تغيير الواقع، والتحول من طور الدعوة لطور الدولة، ستنكسر تلك الحركات مهما كان عدد أعضائها، فالمشكلة ليست في العدد بل في الفكر والعدة وإدراك الواقع والآليات المطلوبة لتغيير هذا الواقع.

قد تكون الصورة الأمثل إذن لبناء دولة من تيار أو فكرة هي أن يجتمع أصحاب هذه الفكرة في مكان منعزل عن مركز هذه الدولة، وذلك يجنبهم مقاومة الفريق الأول في بداية الأمر، ومن ثم يقومون بنشر دعوتهم تدريجيًا حتى يتقبلهم الفريق الثاني، وبإيجاد تلك الحاضنة الشعبية يستطيع هؤلاء أن يقوموا بتأسيس منظومة حكم ذاتي تكبر تدريجيًا، تحت هذه المنظومة يتم تفعيل التربية المجتمعية التي تقوم على مبادئ الدعوة مع تعزيز المَنَعَة لدى هذا الجيل ولدى أبنائهم الذين سيكونون جيل التحدي أو التمكين، (أشبه بما فعل موسى عليه السلام مع بني إسرائيل في التيه)، كما أنهم يستطيعون من خلال هذه المنظومة تجربة فكرة الدولة وأحكامها وتحدياتها، وهذه الخبرة من أهم ما تفتقده عامة الحركات الإسلامية المعاصرة، كما أنهم سيستطيعون تطوير ما يعرف في علوم ال Business بنموذج النجاح أو (Success Model)، وهذا النموذج سيكون ما يطمح إليه الناس ويتشوقون إليه ويتلهفون أن يعيشوا في ظله، فإن وصل الأمر لهذا الحد، فإن مرحلة الصعود وشيكة، ولها آلياتها وأساليبها، نتحدث عنه في الجزء الثالث من هذه السلسلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد