في مثل هذا الوقت من العام الماضي لم يكن معظمنا يسمع بعبارات مثل:الحجر الجزئي والكلي وإلزامية ارتداء الكمامة والتباعد الاجتماعي، لكنها اليوم جزء من لغة حياتنا اليومية، إذ إن جائحة فيروس كورونا أثرت وما زالت تُؤثِّر في كل مناحي حياتنا كأفراد ومجتمعات ودول، لقد ألحقت جائحة كورونا أشد الضرر بالفئات الفقيرة والأكثر احتياجًا، كما أن انتشار الفيروس أثر في النشاط الاقتصادي وقال إصدار شهر يوليو (تموز) من تقرير الآفاق الاقتصادية العالمية:

«لقد أحدثت الجائحة أزمة عالمية ليس لها مثيل – أزمة صحية عالمية، علاوةً على خسائر بشرية هائلة – أفضت إلى أشد ركودٍ شهده العالم منذ الحرب العالمية الثانية» وتنبَّأ التقرير بانكماش الاقتصاد العالمي وكذلك متوسط نصيب الفرد، بالإضافة إلى غلق المطارات والأسواق، وشل حركة المؤسسات والشركات، وانتقل العالم بسبب الجائحة إلى التكلم باللغة الرقمية في أغلب نشاطاته، فبدأ الطلبة يأخذون دروسهم ويجرون امتحاناتهم عن بعد، وتواصل الرؤساء والسياسيون مع شعوبهم عن بعد، كما أجرت الحكومات مؤتمرات افتراضية، وفي هذا الصدد فقد واجهت دول العالم الثالث مشكلات عديدة في مسايرة التغير الذي طرأ على العالم في مواجهة الجائحة، ذلك أن دول العالم الثالث غير منتجة تكنولوجيًّا، وأنها تعاني نقصًا في استخدام التقنيات الحديثة في أداء وظائفها في مختلف المجالات.

إن دول العالم الثالث لم تستطع التكيف مع ظهور فيروس كورونا سواء فيما يتعلق بشل الحياة كما عرفناها بمختلف مجالاتها اجتماعيًّا وإقتصاديًّا وسياسيًّا، وسواء بما يخص عمل شركات تصنيع الأدوية وأكبر المخابر على تصنيع اللقاح، فهذه الدول وأثناء هذه الجائحة وجدت أنها متأخرة عن سير العالم وعاجزة على مواجهة الأزمة بمفردها والتأقلم مع الظروف الجديدة التي أقرها ظهور كوفيد-19 على الدول.

فكيف لدول لم تستطع تحقيق اكتفائها الذاتي أن تعمل على تطوير وتعزيز قدراتها التكنولوجية؟

إن هذا السؤال في الحقيقة يحتاج إلى تحليل أولي، لتحديد مفهوم التكنولوجيا وتأثيرها ولرؤية جانب التبعية التي تعاني منها دول العالم الثالث، وأخيرًا فما الأولويات التي وجب على الدول الاهتمام بها حتى تصل إلى مستوى مقبول في مسايرة التغيرات التكنولوجية ضمن العصر الرقمي الذي أبانه فيروس كورونا منذ بداية العام الماضي.

يمكن الإجابة عن سؤال: «ما هي التكنولوجيا؟» بأنّٕها عبارة عن مجموع من التقنيات والمهارات والأساليب المستخدمة في تحقيق الكثير من الأهداف، ويُشار إلى الأنظمة التي تطبق التكنولوجيا عن طريق أخذ مدخلات وتغييرها وفقًا لاستخدام النظام على أنَّها أنظمة تقنية أو أنظمة تكنولوجية، وأبسط شكل من أشكال التكنولوجيا هو تطوير واستخدام الأدوات الرئيسة التي يستخدمها الإنسان بصفة أساسية، لقد تغير استخدام مصطلح التكنولوجيا بشكل كبير وأصبحت إجابة سؤال:«ما هي التكنولوجيا؟» موضع تغير مستمر بتطور استخدام الإنسان للمصطلح وتفاعله مع أدوات ووسائل التكنولوجيا كما هو الحال في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في الولايات المتحدة، وقد ترجم علماء الاجتماع الأمريكيون الكثير من الأفكار عن مدلولات مصطلح التكنولوجيا، ويفضِّل العلماء والمهندسون عادةً تعريف التكنولوجيا على أنها عبارة عن علوم تطبيقية.

ولاعتبار أن العالم متغير كون الإنسان لا يتوقف عن البحث والتقصي فقد جعل من الحياة أسهل بطريقة تسمح له التأقلم مع كل ما قد يحدث، فطور التقنيات واستخدم المعارف ليخلق كل ما وصل إليه اليوم، وأصبح من يملك المعلومة أ والتقنية هو الذي يملك القوة والمكانة في المجتمع الدولي، وباعتبار دول العالم الثالث دومًا مستهلكة لا منتجة فإنه محكوم عليها أن تكون تابعة للدول التي تمتلك المعلومة والتقنية.

وبالحديث عن نظرية التبعية في علم الاجتماع التي تؤكد أن تطور دول الشمال يقوم على تخلف دول الجنوب، فإن التبعية التكنولوجية أصبحت أكثر أوجه التبعية حداثة، وأن كسل وعدم قدرة دول العالم الثالث في تصنيع وتطوير التقنيات يجعل دول العالم الأول تستغل هذه النقطة وتكبر الهوة التكنولوجية بينهما من خلال ما يعرف بحق الملكية الفكرية التي تعطي الحق للأقوى بالتحكم في الأقل قوة.

وبتحليل التبعية كمفهوم عام فإن دول العالم الثالث تبدأ بتقديم تنازلات تجعلها تابعة اقتصاديًّا، وكونها دولًا تستهلك فقط فإنها تصبح تابعة تكنولوجيًّا ثم وتأثرا بالعولمة فإنها تابعة اجتماعيًا وثقافيًّا وتبدأ هويتها بالاضمحلال والاختفاء نتيجة لكل هذا.

واقعيًّا ومع الثورة الرقمية، نجد أن هناك ثورة في استخدام التقنيات الجديدة لدى الأفراد في هذه المجتمعات ونجدهم مدركين تمامًا لمعنى التقنية وأدواتها وكيفية استخدامها استخدامًا كليًّا، حيث تكوَّن لدينا وعي فردي شامل في المجتمع، هذا الوعي للأسف يقابله خمول من بعض الجهات التي يجب أن تواكب هذا التطور الفريد في المجال التقني، وأقصد هنا بعض الجهات الحكومية التي ينالها الكثير من التقصير في استخدام وتطبيق التقنيات الجديدة.

أتى فيروس كورونا منذ بداية العام الماضي ليؤكد أن هذا العصر ما هو إلا عصر الرقمنة والتقنيات التكنولوجية التي أضحت أحد أوجه الحياة الحديثة، ولكن المجتمعات في دول العالم الثالث التي ما تزال شعوبها تتضور جوعًا وما تزال تنتظر قروضًا من صندوق النقد الدولي والحماية من مجلس الأمن، وترجع للمحكمة الدولية لتنظر في قضاياها فإنها ما تزال عاجزة عن تولي أمورها بمفردها، فما بالك بأن ترفع التحدي وتحاول تطوير تقنيات تجعلها لا تنقاد وراء الدول التي تمتلك تلك التقنيات التي تجعلها تتحكم في العالم وسيره، وتساوم الأضعف لتظل الأقوى.

على دول العالم الثالث أن تعمل على رسم آلية تسمح لها بأن تتخلص من التبعية مجالًا مجالًا، فالاستقلال الاقتصادي وجب أن يكون أول ما على هذه الدول أن تحققه عن طريق تشجيع التصنيع المحلي وتكوين الكفاءات ودعم الشباب بتوفير فرص عمل بعد تكوينهم، كما أنه على النخبة أن تتحرك لتفك الرابطة الثقافية كقائد ومنقاد بين دول العالم الأول ودول العالم الثالث، فالإستقلال الإقتصادي والثقافي سيجعل شعوب هذه الدول تصنع تقنياتها دون اللجوء لسؤال تلك الأخيرة وبدون رقابتها وتصنيع العلوم، وتطبيق المناهج بما يتأقلم والبيئة التي سيطبق فيها سيسمح لهذه الدول بالتعامل مع مشكلاتها والعراقيل التنموية بشكل أفضل، وتصنيع هذه التقنيات ضمن ما سميناه بالاستقلال التكنولوجي التقني وحتى العلمي سيجعل هذه الدول دولا مستقلة، لا تحتاج يد عون من تلك الدول الأقوى لتقف، ذلك أنها لا تحتاجها فهي تصنع ما تأكل وتلبس وتسعى لتنمية وتطوير مجتمعاتها وبنائها وتتحصل على المعلومات والمعرفة بجهودها وتعمل على خلق تقنيات تساعدها على مواجهة تغيرات العالم وتكسبها مكانة في المجتمع الدولي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد