لن يستطيع المرء العيش في ظل أجواء ملوّثة بجراثيم الفساد، ولذلك قلنا إن الانحطاط القيمي علة النكوص للجاهلية، وقد يؤدي بالضرورة إلى الثورة الشبابية (موسى) ضد الطغيان السياسي (فرعون رمسيس الثاني) ولكن لا نستطيع الوصول للثورة القوية المبنية أساسا على الحرية التعاقدية بين مختلف أطراف الثورة؛ سواء كانوا تابعين لنظام قمعي أو شباب الثورة الطامحين للحرية الروحية والسياسية أي لا وساطة دينية ولا وصاية سياسية.

كل هذه المحاولات التي قمنا بها لاستئناف الأمة دورها التاريخي، تذهب هباء إن لم نشر في معرض حديثنا عن أهمية إحداث الثورة الداخلية في كل فرد في المجتمع الإنساني حتى تحقق وجوده كمستعمر للأرض بالقيم الكونية. فالوعي بضرورة القيام بهذه الثورة، إنما هي متأتية من عمق الوعي الانساني الهادف للنقاء والإصلاح.

الناموس الطبيعي الذي يتحكم في تغيير حال المجتمع من حال إلى حال قد تكون أسوأ أو أحسن. ولا يمكن أن يتغيّر قوم إلا حين إدراكهم المعرفي بضرورة التغيير ثم يتبعون المعرفي بتطبيق عملي يثبت صحة إدراكهم، فيسعون بذلك إلى التغيير المادي وهي علاقة الإنسان ككيان فيزيائي وإثبات وجوده ككيان ميتافيزيقي، وهو جوهر ما نص عليه قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ». الرعد 11

تمثل هذه الآية علاقة الإنسان بنفسه، وعلاقته بالسياسة، وعلاقته بالتاريخ، وعلاقته بالمجتمع؛ فالإنسان وكما أكدته الدراسات النفسية المستحدثة أنه هو المسؤول الوحيد عن جميع تصرفاته وأنه لا يمكن أن يتصرف الإنسان من دون الاعتماد على إدراكه للواقع.

أماعن علاقته بالسياسة فيتمثل في الحديث الشريف: «كيف ما كنتم، يولّ عليكم».

أما علاقة الإنسان بالتاريخ فالعلاقة دياليكتية، فأحدهم يؤكد أن التاريخ سيرورة أحداث وقعت في الماضي واتخذت من الانسان وسيلة ولضمان بقائها عبر التاريخ. فالإنسان نتاج العقل المدبر، وذلك حسب هيجل. واتخذ سارتر موقفا نقديا مشيرا بأن الإنسان فاعل في التاريخ. أما الواضح في (الرعد 11) أن الإنسان يتأثر بالتاريخ ويؤثر فيه بصفة متواترة.

نأتي إلى علاقة الإنسان بالمجتمع الذي يعيش فيه، وكما أكّد ابن خلدون في مقدمته على أن الانسان مدني بطبعه يحتاج للآخر لتلبية حاجياته الأساسية، وهو ما يفرض عليه التعامل مع الآخر بقيم عليا تؤدي إلى المجتمع الفاضل الذي طمح إليه معظم الفلاسفة أما في صورة تفشّي الفساد في مجتمع فإن النكوص للجاهلية هي النتيجة الوحيدة.

فإرادة الشعوب إذا مقترنة بالأفراد، فإن كان مطمح الجميع قائم على الفضيلة فإن الإرادة السياسية والاجتماعية لن تؤدي إلا لقيام دولة الحرية والكرامة وقيم العدالة. أما إذا كان أغلبية المجتمع ترى المنكر معروفا بوصف الرسول فلا يمكن لإرادتها إلا أن تكون مفسدة في الأرض.

وعلى هذا الأساس، نظم الشابي أبياته مستندا إلى إرادة الشعب التي تمثل جوهر التكليف بالتعمير والاستخلاف. وقد أعاد صياغة مفهوم القضاء (حكمة الخلق) والقدر (أمر الخلق) لنقله من تحريفه الذي جعله تواكلا إلى حقيقته التي هي توكل مصحوب بالنظر اجتهادا والعمل جهادا وهو ما كرسته صورة العصر.

فيكون بذلك بيت إرادة الحياة:

 «إذا الشعب يوما أراد الحياة ***فلا بد أن يستجيب القدر » هي ذات المفهوم المنصوص عليه في (الرعد 11) وقد أضاف الشابي نتيجتين عمليتين لتحقيق الإرادة؛ نتيجة طبيعية (انجلاء الليل) ونتيجة مادية (كسر القيد) فالقضاء والقدر بما هو مفهوم غامض يعبر عن حكمة الله الغيبية في خلقه يمكن للإنسان الذي هو من مخلوقات الله أن يتحكم في سير التاريخ فهو مخيّر في تصرّفاته وسلوكه.

فيكون جوهر مطالب الشباب الثوريين ضد منظومة الفساد راجعا إلى فهم تاريخي للشورى 38 مناسب للمرحلة التي بلغها الوعي الإسلامي في رؤية آيات الله في الآفاق والأنفس أي في التاريخ بعد أن عانت الأمة من الاستلاب الناتج عن الفتنة والانتباه إلى ما يتهددها من فتنة صغرى تلغي دور المرجعية بصراع التأصيل والتحديث الزائفين.(1)

لعل دور النخبة الفكرية والعلمية الذين يتعاملون مع الواقع بالتنظير والتجريد يكمن في تحديد أولويات حاجات الوطن في المجالات المختلفة، بما يسمح للعامي الذي يتعامل مع الواقع بالملموس والمحسوس أن يدرك أن نخبه في علاقة مترابطة معه وأن تلك النخب لها المرجعية الفكرية والهوياتية نفسها مع عامة الشعب، وأنهم – أعني النخب – يعيشون بمقتضى الفكر السائد قبل الثورة القائم على الفكر الإقصائي. فالنخب أضحت في صراع وجودي «إما فكري أو لا».

مثال ذلك أن النخب الفكرية العربية المعاصرة ولكونها درست في الغرب وانبهرت بالثقافة الغربية أصبحوا ينظرون للثقافة الغربية في بلدانهم مما أدى إلى وجود صراع مرجعي في علاقة بين النخب والعامة، ولذلك نجد في كثير من الأحيان تذمّر عامة الشعب التونسي من نخبه الفكرية والسياسية إلى حد القول بأن هؤلاء لا يمثلون الأغلبية الساحقة بقدر أنهم يمثلون قلة قليلة من الشعب، وأنه من المستحيل الشعور بالانتماء الوجداني والفكري لهؤلاء.

ومن يقول إن الثورة التونسية قامت من دون فكر سابق ينظر للتجربة التونسية فهو مخطئ لسببين؛ الأول أن الثورة قامت على قيم ذات عمق فكري متأصل في الشعب (العدالة الاجتماعية، والكرامة، والحرية) والثاني أن الثورة قد أتت متأخرة عن نخبها بنحو نصف قرن من الزمن، فالحركة الاصلاحية قبيل الاستقلال تعتبر تنظيرا للثورة ومدّها بالأفكار من قبل عديد المفكرين والعلماء أمثال الطاهر الحداد والطاهر بن عاشور وغيرهم الكثير.

وكما أوضحنا أن تغيير النفوس تمثل جوهر إرادة الشعوب المنتفضة ضد القمع والاستعمار الروحي والسياسي، وأن كل ثورة قائمة على القوة التعاقدية مع جميع الأطراف هي السبب والشرط في استئناف الأمة دورها التاريخي واستعادة حضارتها المنكوبة صحوتها ونهضتها في المجالات الحيوية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(1) تعطيل الدستور، من الخلافة إلى الملك العضوض الفصل الخامس لأبي يعرب المرزوقي
عرض التعليقات
تحميل المزيد