من المعروف أن أي قرار بالشروع في تنفيذ مشروع قومي ما، أو بسن قانون ما، أو باتخاذ إجراء ما على أي مستوى هو قرار يتّخذه الرئيس منفرداً دون عرضه على المؤسسات التي من المفترض أن تكون معنيّة به كمجلس الشعب أو مجلس الشورى ضمن خطة شاملة للحكومة، وحتى دون طَرْحه للنقاش على لجنة من المتخصصين، في غياب تام لأي وسيلة من وسائل المشاركة والرقابة الشعبية والمجتمعيّة، وبعيداً عن رقابة مؤسسات الدولة غير الموجودة أو الفاسدة أو غير الفاعلة.

والأمثلة كثيرة، كمشروع محور قناة السويس والتوجّه للاقتراض من البنك الدولي وتدابير مواجهة الوضع في سيناء والكثير مما يصدر من قوانين وتشريعات يوميّة منذ اغتصاب السلطة في مصر، وبالتالي فإن أي نقاش حول تلك المشروعات والقرارات والقوانين في وسائل الإعلام أو على مواقع التواصل الاجتماعي، هو نقاش حول آرائنا عما حدث بالفعل وما لا يمكن تغييره أو التأثير فيه.

هكذا هي الديكتاتورية والاستبداد، حفنة من القرارات الفرديّة التي تُهدَر الأموال والموارد لتنفيذها، ويدفع الشعب ثمنها مُرغماً أجيالاً طويلة، مع تعمّد صاحب السلطة لإخفاء حقائق الأمور والمعلومات، إيماناً منه بأن مشاركة الشعوب تدخّل صارخ وغير مقبول في صميم عمله كديكتاتور مُنتخب، ما ينتج عنه دوماً حالة من الاستسلام التام من قبل الجماهير، كون الزعيم هو الوحيد المطّلع على ما يجري، والقادر على قيادة الدفّة دون غيره من المفعول بهم، الذين سيلجؤون إليه مراراً وتكراراً مع كل مرّة يريدون فيها الإصلاح عندما تقسو عليهم الحياة، وذلك استناداً للحكمة المصريّة الشهيرة (اللي شبكنا يخلّصنا).

لا يختلف الحال كثيراً بالنسبة لقوى المعارضة المُفترضة (كالأحزاب الحاضرة الغائبة التي كدنا ننساها)، وكذلك بالنسبة لروّاد العمل الثوري (ولك الحق في اختيار أي فصيل واعتباره من روّاد العمل الثوري، فالنتيجة واحدة)، فحرمان هؤلاء من حقهم في تداول المعلومات والحقائق وحقهم في المشاركة، يجرّدهم من امتلاك تصوّراتهم الخاصّة وكوادرهم المُدرّبة، التي من المُفترض أن يقوموا بدفعها للمواطنين كبديل لما هو سائد، فتبقى الأحزاب (كرتونية) لا يزعجها شيء في بحر السياسة أكثر من صدمة تولّيها القيادة في لحظة قد يكتبها الله لها، وتبقى الثورة أسيرة صنم الرفض، ذاك السلاح الذي يسلبها أحياناً القدرة على قبول ما هو صائب ودافع للأمام.

إن استرجاع نموذجيْ الجمعيّة الوطنية للتغيير وجبهة الإنقاذ -مع الفارق في بنية كليهما- يبيّن موطنًا من مواطن الداء فيما يتعلّق بالثغرة المصريّة الأصيلة بين فعل التثوير وفعل التغيير. فكلاهما ساهم في خلق بيئة صالحة لإنبات ثورة، ولكنّهما فشلا في رعايتها لتثمر التغيير المنشود، نتيجة لعدم توافر ما يلزم لذلك في داخلهما. والحقيقة هي أنهما لم يمتلكا يوماً مشروعاً للتغيير إن اعتبرنا التغيير بذرة، بل امتلكا أدوات للتثوير إن اعتبرنا التثوير تربة صالحة للزراعة.

إننا -إن افترضنا في أنفسنا الإخلاص- لا نستطيع الحديث عن الثورة بدون الحديث عن الدولة، فللثانية تقوم الأولى، كما لا نستطيع الحديث عن الدولة بدون صياغة مملّة وتفصيليّة لتصوّراتنا الخاصة فيما يتعلّق بقضايا الوطن المفصليّة وتحديّات نهضته ومعاركه الصفريّة (المشكلات والحلول) على كل الأصعدة، بما فيها قضايا التحوّل الديموقراطي والمشاركة المجتمعيّة كضمان لتجاوز مرحلة الديكتاتوريّات العسكريّة الحاليّة، والديكتاتوريات الأيديولوجية التي تلوح في الأفق كانعكاس لتفكير الكثير منّا، ولا نستطيع فعل أي من ذلك في غياب معلومات حقيقيّة نستطيع من خلالها تقدير حجم المشكلات وتقدير ما يلزمنا من وقت وجهد وإجراءات لحلّها، بالإضافة إلى الدفع بكوادر شابّة لفعل ذلك بُغية إعدادها وتجهيزها بما يلزم من الخبرة في مجالي العمل الميداني والعمل العام.

إن عدم قدرتنا على استيفاء معايير التغيير والاكتفاء فقط بالتثوير لهو دليل دامغ على عدم استحقاقنا لنقطة واحدة من الدماء التي فاضت في سبيل الحريّة. بل إننا قد نَزِلّ لمستوى أحط من أن يوصف بالتدليس. إن غياب المعلومات يجعل علاقتنا بوطننا كعلاقة المسافر راكب الطائرة بصندوقها الأسود. فإن نحن ارتضينا علاقة كتلك، لزم علينا إتقان دورنا كمسافرين عابرين وحسب، ولندع القيادة لمن يريد أن يعلم ويسعى لذلك، أو ندعها لذلك القائد الذي لا نرتضيه جميعاً حقناً لدمائنا ورحمة بالتاريخ الذي ملّ من تلك الدائرة العبثية.

فتصوّرنا بأن سقوط السيسي، بوضعنا الحالي، يفتح لنا آفاق الحريّة هو تصوّر سفيه. علينا أن نتواضع قليلاً، وأن نقلّص من مستوى أهدافنا (هذا إن اعتبرنا التغيير هدفاً متواضعاً) لعلّنا نجني ما هو أكثر من مجرّد ثورة نستبدل بها رأس الدولة برأس جديد يحمل نفس تصوّرات من سبقوه.

إن أعمار مشروعات كمشروع قناة السويس وأوضاعًا كالوضع في سيناء وإجراءات كقرض البنك الدولي مجتمعة يساوي عمر ثورة يناير بطنطاويها ومُرسيها وسيسيها. فكيف لنا إذن أن نحكم على أحدهم بحكم يختلف عن حكمنا على الآخر؟ الحقيقة أننا بالقليل من الفصل النظري بين طبيعة الحاكم وكيف جاء، وبين الحكم على وجاهة وأولويّة وجدوى مشروع أو اتجاه أو إجراء، سنتمكّن من رصد تلك الهوّة السحيقة بين وعينا بما لا نريد وبين قدرتنا على الاختيار المدروس لما نريد أن نكون. فالفرق شاسع بين رفضنا لمنظومة الحكم ولطريقة اتخاذ القرارات وأسلوب إدارة المشروعات القومية وحمّى تشريع القوانين الظالمة وأحكامها الجزافيّة، وبين رفضنا لمشروع أو لقرار في ذاته من ناحية جدواه الاقتصادية وأولويّته الاجتماعية وبدائله المتاحة، فلعل التنديد بهذا المشروع أو ذاك القرض هو الأداة الخاطئة للتثوير اليوم، إذ قد تكون هي ذاتها مشاريع الغد إن آل لنا الأمر في حكم بلادنا. الحقيقة ببساطة أننا، لا نعلم.

إن كل المبادرات والحركات والجبهات والائتلافات تتحمّل اليوم مسؤوليّة إحداث ذلك التغيير في داخلها كمرحلة سابقة لعمليّة التثوير، أو على الأقل موازية لها، ولكنّها لابد منفصلة عنها، لا تتوقّف بهبّة ثوريّة من هنا أو من هناك.

لقد أصبح اقتصار دور هؤلاء على تثوير الجماهير عملاً مُبتذلًا، إذ تحوّلوا جميعاً إلى أبواق تنعق بالشعارات التي صارت الناجي الأخير من موجة الانقلاب العاتية. إنهم إذا نظروا إلى الشباب المُنتمي إليهم بعيون جديدة لوجدوا في عقولهم ما هو أثمن من أن يُدفع بهم في الشوارع في مظاهرات أو سلاسل بشريّة ترفع شعارات غير فاعلة وإن كانت أصيلة، ولوجدوا فيهم من الطاقات ما يمكن استغلاله في أعمال ميدانيّة ومجتمعيّة تصقل خبراتهم وتسمح لهم بالاحتكاك بالمواطن وبالمؤسسات المدنيّة، وبالتعرّف على مشكلات مجتمعهم الواقعيّة وإبداع حلول لها في إطار سعي تلك المبادرات لخلق البديل على مستوى الرؤى والكوادر.

إن عجز تلك المبادرات والحركات عن إحداث التغيير في داخلها يعكس عجزنا عن إحداث التغيير في بلدنا، ويدفع الأحداث إلى مسار دائري مُنتظم في فلك الثورات المتكررة التي لا تجد بديلاً حقيقيّاً لتنجح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التغيير, ثورة, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد