يريد الكثير منّا التغيير نحو الأفضل، وفي الكثير من المجالات، سواء في التطوير الشخصي، أو التحصيل العلمي، أو المجال المالي، أو مجال العلاقات مع الآخرين… إلخ، وكل إنسان له طريقته الخاصة، وله فلسفته في الحياة. ولكن السؤال: لماذا يفشل الكثيرون في مهمة التغيير نحو الأفضل؟

الإجابة بسيطة جدًّا ولكنها صادمة؛ الحقيقة أن هؤلاء الناس لا يريدون التغيير أصلًا، قد يبدو هذا ادعاء، وغير واقعي، بأن أحدًا لا يريد لنفسه التحسّن والتغيير نحو الأفضل، ولكن هذه حقيقة، وسأقول لكم السر؛ يكمن السر في الإرادة، إرادة الأشخاص أنفسهم، فهنالك نوعان من الإرادة، إرادة مزيفة، وإرادة حقيقية.

الإرادة المزيفة؛ تعني أمنيات وأحلام، تعني مجرد كلام؛ وبالتالي أصحابها أرادوا نتائج، لكن بدون سعي، وبدون بذل مجهود، فلم يتم لهم الحصول على مرادهم. أما الإرادة الحقيقية؛ تعني أهدافًا وخططًا، تعني أفعالًا؛ وبالتالي أصحابها أرادوا نتائج، فسعوا وبذلوا المجهود، فتم لهم الحصول على مرادهم.

وعندما نسأل أصحاب الإرادة الحقيقية كيف نجحوا في التغيير والتطور والتحسن نحو الأفضل؟ ستكون الإجابة هي السعي، والسعي يعني العمل الجاد، والخطوات العملية، والأهداف والتخطيط، والمحاولات العديدة، والمرور بقصص فشل كثيرة، أكثر بكثير من قصص النجاح؛ وبالتالي حصلوا على خبرات متراكمة، وطبعًا تم لهم كل ذلك بالصبر وعدم اليأس.

وأما أصحاب الإرادة المزيفة يريدون كل شيء، لكن بدون عمل أي شيء، وعندما يجلسون في مجالس يذكر فيها النجاح والناجحون، سيضطربون ويحدثونك عن تجاربهم المتوهّمة، وسعيهم المزيف، ومحاولاتهم العديدة التي أثبتت أن «الحظ» هو كلمة السر للنجاح، والوصول للأهداف، فيقولون لك: لا تتعب نفسك، فكل شيء معروف، ومحتوم منذ البداية، وتراهم قد اقتنعوا بذلك، ولذلك سيظل القعود عن العمل دأبهم إلى آخر عمرهم، فقد أراحوا أبدانهم، ولكن على حساب نفوسهم وعقولهم التي سترهق من الخوف، والتفكير في المستقبل المجهول، وإن أخفوا ذلك.

ولا شك أن أصحاب الإرادة الحقيقية سينعمون بالسعادة والطمأنينة وبنفوس راضية، بينما أصحاب الإرادة المزيفة سيجلبون لأنفسهم كل الأمراض والمشاكل من قلق وتوتر وغيرها، ومن الطبيعي أن تجد أصحاب الإرادة الحقيقية ناجحين وسعداء في حياتهم، بينما أصحاب الإرادة المزيفة فاشلين وتعساء؛ ولذلك ستجدهم ينظرون إلى أصحاب الإرادة الحقيقية الناجحين، بأنهم لا شيء بل فاشلون، لولا الحظ الذي حالفهم.

لكن الحقيقة عكس ذلك تمامًا، فحين تجلس مع الناجحين ستجدهم لا يؤمنون بالحظ نهائيًّا، بل سيخبروك عن كم الصّعاب والتحديات التي واجهوها، وكم ضحّوا بالكثير من أوقاتهم وراحتهم الحاضرة من أجل أهدافهم التي يسعون لها في المستقبل.

لكن هذا كله لا يعني أي شيء لـ«الفاشلين» الذين لا يريدون التغيير نحو الأفضل، بل هم –في الحقيقة– يعملون ضد مصلحة أنفسهم، من حيث لا يعلمون؛ لأنهم يسيئون تقدير قيمة الوقت، والجهود المبذولة، والصبر على النتائج القليلة، مما يؤدي إلى تجلي معضلتهم الكبيرة، وهي تطلب النتائج السريعة والفورية.

هذه المعضلة هي أكبر سبب وحاجز أمام الأشخاص للوصول إلى الأهداف المنشودة، لأنها ستُلجئ أصحابها اضطرارًا إلى البحث عن حلول سريعة، وعبور طرق مختصرة، والتعامل مع الأشياء المختزلة؛ وبالتالي ستكون النتائج حتمًا، مؤقتة وليست دائمة، سطحية وغير عميقة، متكلفة ومتصنعة وغير أصيلة، وبالتالي لن تستمر معهم طويلًا، ولن تكون جزءًا من شخصياتهم.

فإذا سألتني: لكن وما العمل؟ سأجيب بالتالي:

يجب أن تكون الحلول جديّة وجذريّة، صحيح أنها بطيئة النتائج، والتقدم فيها ممل في البداية، وربما تصاب بالسأم، لكنها مضمونة 100%، فلا تضيّع السنوات في التقلب بين مئات الحلول السريعة وبدون نتائج، بينما كان بإمكانك العمل على حل جذريّ واحد يكون فيه التقدم بطيء وممل، ولكنك ستحصل منه على نتيجة حقيقية ودائمة وأصيلة، وبنفس المدة التي أضعتها في تجريب حلول سريعة غير نافعة.

فيجب عليك أن تعود نفسك على الرضا بالنتائج الصغيرة الدائمة؛ لأن الفائدة الحقيقية تكون بالتراكم على مر الأيام، واترك النتائج الكبيرة المؤقتة بلا نفع، وعليك أن تغير هذه العقلية التي تتعامل مع الحلول السريعة، والطرق المختصرة، والأشياء المختزلة، وعليك أن تكون على يقين تام، أنه ليس هنالك شيء في الدنيا سهل أو سريع أو مختصر أو مختزل يوصلك لنتائج عظيمة كما تلك التي في مخيلتك، بل كل الأشياء تحتاج لسعي وجهد وصبر وجد وعمل بالشهور وربما بالسنوات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد