دين الله ألعوبة بيد كثير من المشايخ تُقَص أحكامه على مقاس الحاكم.

درج فقهاء المسلمين على استعمال عبارة لا يُنكر تغير الأحكام (أو الفتوى) بتغير الأزمان، وجعلوا منها قاعدة فقهية وأفردوا لها فصولًا في مؤلفاتهم تحدد معناها وحدود تطبيقها والمجالات التي تشملها، كَـ«فَصْل فِي تَغْيِيرِ الْفَتْوَى وَاخْتِلَافِهَا بِحَسَبِ تَغَيُّرِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ وَالْأَحْوَالِ وَالنِّيَّاتِ وَالْعَوَائِدِ» لابن قيم الجوزية في كتابه «إعلام الموقعين عن رب العالمين»، وكفصل «الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْعُرْفِ الْقَوْلِيِّ يُقْضَى بِهِ عَلَى الْأَلْفَاظِ وَيُخَصِّصُهَا وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْعُرْفِ الْفِعْلِيِّ لَا يُقْضَى بِهِ عَلَى الْأَلْفَاظِ وَلَا يُخَصِّصُهَا» لشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي في كتابه «أنوار البروق في أنواع الفروق».

من دَرَس شروحات الفقهاء الأوائل لهذه القاعدة الفقهية يدرك أنهم لم يقصدوا أبدًا تغيير حكم الله وإلغاء شريعته لتغير الزمان، ولم يقصدوا قط الأحكام القطعية (ولو كان كذلك لكان كفرًا بواحًا ولما سكت عنهم المسلمون، علماء وعوام)، وإنما تقتصر القاعدة على مسائل محددة:

أوَّلها، المسائل التي ربط فيها الشرع تحديد نوع الحكم ومناطه بما تعارف عليه الناس في بلد ما. فعلى سبيل المثال لا الحصر، لما سألت هِنْد بِنت عُتْبَة الرسول صلى الله عليه وسلم عن حكم الله في أخدها مالًا من زوجها دون علمه للنفقة على نفسها وابنهما، حيث قالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ. أجابها الرسول: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ (صحيح البخاري)؛ فمقدار المال الذي تحتاجه الزوجة لتغطية النفقة على حاجياتها وحاجيات أبنائها ونوع الحاجيات التي تُدرج تحت الأساسيات ويجب تخصيص نفقة لها، تختلف قطعا من بلد لبلد ومن زمان لزمان، وتختلف بين القرية والمدينة… إن. أي تختلف حسب ما تعارف عليه الناس في ذلك البلد والزمن. فمثلًا في زماننا الحالي أصبح في كثير من البلدان من الضروريات توفير خط هاتف وشبكة عنكبوتية وكهرباء ومكيف هواء الخ لبيت الزوجية. كما أن البلد الذي لم تتوافر فيه بعدُ تغطية للشبكة العنكبوتية أو البلد الذي يكون الطقس فيه معتدلًا طوال السنة، لا يكون واجبًا على الزوج توفير شبكة عنكبوتية أو مكيف هواء في البيت. ومصاريف العيش التي تحتاجها أسرة في أمريكا مرتفعة عن المصاريف التي تحتاجها في مصر مثلًا، ومن ثم فالمبلغ الذي سيقضي به القاضي لنفقة الزوجة وأبنائها في أمريكا سيختلف قطعًا عن الذي سيقضي به للأسرة التي تعيش في مصر، وقس على ذلك أمورًا كثيرة من هذا النوع الذي يُرجع تقدير حكمه للعُرف (خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ).

ثانيًا، إسقاط حكم شرعي على حادثة أو فعل أو شخص يتعلق بتوافرها على الشروط الموجبة له (أي للحكم الشرعي)، وهو ما يسميه الفقهاء بِـ«تحقيق المناط». فمثلًا السرقة حرام وحُكم فاعلها القطع وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا. (سورة المائدة)، لكن فصَّلت الأدلة الشرعية من السُّنة متى يتحقق وصف السرقة الذي يوجب القطع شرعًا، منها ألا تقل قيمة المسروقات عن ربع دينار (الدينار يساوي 4.25 غراما من الذهب الخالص)، وأن يأخذ السارق مالًا أو بضاعة من مالكها خفية، وأن لا تكون شبهة حقِّ للسارق في المال المسروق، لقول الرسول: لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلَا مُنْتَهِبٍ وَلَا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ. (سنن الترمذي)، فالمختلس والمنتهب والمختلس توقع عليهم عقوبات تعزيرية وليس القطع. والذي سرق لجوع لا يُقطع.. وكذلك تسقط مثلًا العقوبة عمن شرب خمرًا؛ لأنه لم يجد غيره ليسد عطشه وينجي نفسه من الموت. فاسم القاعدة: لا يُنكر تغير الأحكام (أو الفتوى) بتغير الأزمان مربك هنا ومضلل، فالحكم الشرعي هنا لم يتغير للزمان ولا للمكان، ولكن طُبِّق حسب تحقق المناط.

ثالثًا، قد تتغير الفتوى لعالمٍ بعدما ازداد عِلمه وأدرك ما خَفِي عنه من قبل من أحاديث نبوية أو دلالات آيات قرآنية أو تفاصيل حقيقة وقائع وأشياء، ومن ثم مناط حكمها، فأصبح واجبًا عليه شرعًا أن يلغي فتواه السابقة ويتبنى الفتوى الأحدث المستندة لأدلة شرعية أقوى. فاسم القاعدة الفقهية مضلل هنا أيضًا، فالحكم الشرعي لم يتغير للزمان ولا للمكان، ولكن علم الفقيه والمجتهد هو الذي تغير؛ إذ توسع وأحاط بما لم يكن يعلمه من قبل.

الفقهاء الأوائل الذين اختاروا ذلك العنوان (تغير الأحكام بتغير الأزمان..) لهذه القاعدة الفقهية، رغم التحفظ على هذا الاختيار، لا أظن أنه خطر ببالهم أنه سيأتي عصر يُساء فيه استعماله (أي عنوان القاعدة) لتسويغ إلغاء أحكام الله وشريعته ونظام الحكم الذي فرضه بحجة تغير الزمان، كما هو الحال في عصرنا الحالي. فهؤلاء المُبدِّلون لشرع الله كمن اجتزأ قول الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ) ليسوغ عدم وجوب الصلاة على المسلم.

قاعدة العصر الفقهية: تغير الأحْكام بتغير الحُكَّام

وفي عصرنا الهابط هذا، الذي طغى فيه الجهل والنفاق والتملق والانتهازية، نعيش انتشار ظاهرة أغرب وأشد جرمًا وأعظم إثما وأكبر نفاقًا، ألا وهي ظاهرة تغير الأحْكام بتغير الحُكَّام. فبالنسبة لكثير من المسلمين، وعلى رأسهم علماء ومشايخ وأحزاب وجماعات إسلامية، الحُكْم على أشياء وأفعال وسياسات بأنها حرام أو حلال، ليس مستندا لقول الله والرسول، وإنما تتغير حسب موقفهم من الحاكم: هل يُوالونه ويحبونه ويمجدونه أو يكرهونه ويعادونه؛ هل يعيشون تحت سلطته ويخافونه أو أمِنوا بطشه؛ هل يطمعون في عطائه وحمايته أو هم في غِنى عنه.

فتجد نفس الشيخ أو العالم الذي يستنكر بشدة سياسات وقوانين حُكَّامٍ في بلدان إسلامية، يصمت صمت الميت عن عين السياسات والقوانين في بلدان أخرى إذا كان الذي قام بها حاكم ممن يحب أو ممن يطمع في عطائه وحمايته أو يخاف بطشه، أو حتى يبرر تلك السياسات ويستسيغها.

وخذ بعض الأمثلة الحية على قاعدة تغير الأحْكام بتغير الحُكَّام

الحكم الشرعي بخصوص سياسات الترفيه تختلف حسب شخص الحاكم

كان مشايخ السعودية، برضا ملوك آل سعود، يُحَرِّمون لعقود سياقة المرأة للسيارة ويحرمون الغناء والموسيقى والسينما والرقص والتبرج والاختلاط بين الرجال والنساء ويأتون بالأدلة المفصلة على الحرمة، فلما جاء محمد بن سلمان للحكم وأعلن تغيرا جذريا في سياسة الدولة والتي من أهمها اتباع سياسية الانفتاح على الحضارة الغربية بإنشاء هيئة عامة للترفيه التي سارعت لتنظيم مهرجانات رقص وغناء ورياضة، استضافت فيها مشاهير المحترفين في هذه المجالات، بعضهم ظهر بملابس تظهر العورات بشكل فاضح، وحضر تلك المهرجانات جماهير مختلطة من النساء والرجال، خرج كثير من مشايخ السعودية ليفتوا فجأة بجواز سياقة المرأة للسيارة، وبأن الغناء والموسيقى والسينما ليس حرامًا… إلخ.. فجأة تبخرت كل الفتاوى والأدلة الشرعية على حرمة كل تلك الأفعال، والتي لقَّنوها لمئات ملايين المسلمين عبر العالم.. فجأة أصبح الحرام حلالًا؛ لأن محمد بن سلمان أراده كذلك.

أقام مشايخُ الدنيا ولم يقعدوها على حفلات الغناء والرقص التي بدأت تُقام في السعودية، لكن نفس المشايخ يصمتون عن حفلاتٍ أشد مجونًا وفحشًا وتُقام بِكَمٍّ أكبر ووثيرة أسرع في تركيا مثلًا، ويبررون القوانين التركية التي تبيح الخمور ودور الدعارة والشذوذ الجنسي والسياحة الجنسية.

الديمقراطية والقوانين الوضعية حلال على حاكم وحرام على آخر

الديمقراطية والقوانين والدساتير الوضعية التي تجعل التشريع للبشر لا لله، كان يعتبرها كثير من المشايخ من الكبائر المخرجة من ملة الإسلام، لكن بعد انتفاضة مصر لسنة 2011 خرج جزء كبير من أولئك المشايخ ليبيحوا فجأة جواز مشاركة الأحزاب الإسلامية في انتخابات النظام العلماني الديمقراطي في مصر وفي البرلمانات التشريعية التي تسنُّ القوانين حسب رأي أغلبية النواب، وليس حسب قول الله والرسول، وباركوا اعتلاء محمد مرسي (عضو قيادي في جماعة الإخوان المسلمين) منصب الرئاسة على رأس هرم الدولة العلمانية، وأفتوا بوجوب التصويت بنعم في الاستفتاء الشعبي على دستور الإخوان لسنة 2012م، رغم أن الدستور كان يحمل بين طياته الكفر البواح حسب المعايير الشرعية التي كان يفتي على أساسها نفس المشايخ قبل الانتفاضة الشعبية في مصر.

كان غالبية المشايخ يحرمون الربا واقتراض الدولة ديونًا ربوية من البنك الدولي ويعتبرونه من الكبائر، لكن لما أصبح محمد مرسي (فك الله أسره) رئيسًا لمصر، برروا اقتراضه ديونًا ربوية من البنك الدولي واعتبروها اضطرارًا يبيحه الشرع.

الخروج على الحاكم حرام إلا إذا كان الحاكم إخوانيًا

طالما نظَّر مشايخُ (على رأسهم مشايخ التيار المدخلي) عدم جواز الخروج على الحاكم، لكن لما انقلب عبد الفتاح السيسي على رئيسه المنتخب مرسي بارك كثير منهم الانقلاب وسوَّغه.

مسألة الاعتراف بإسرائيل والتعامل معها

قضية إسرائيل كانت من القضايا العقائدية لجماعة الإخوان المسلمون، إذ كانت تحرم (أي الجماعة) التعامل مع إسرائيل منعًا قطعيًا وتجرم الاعتراف بها، وتعتبر اتفاقية كامب ديفيد لسنة 1978 خيانة عظمى، وكفرَّ بعض مشايخ الإخوان الحكام الذين اعترفوا بإسرائيل وينسقون معها أمنيًا وعسكريًا. لكن لما أصبح مرسي رئيسًا لمصر واعتمد سفيرًا لدى إسرائيل وابتعثه برسالة حميمية لشيمون بيريز وأقرَّ اتفاقية كامب ديفيد، وهدم مرسي الأنفاق من الجانب المصري التي كانت تمد أهل غزة بما يحتاجونه للحياة أمام الحصار المُطبق عليهم، صمت أولئك المشايخ صمت الأموات ولم يعقبوا على عين السياسات التي كانوا يستنكرونها بشدة على حسني مبارك، ومنهم من برر فعل مرسي حتى.

أقام مشايخُ الدنيا ولم يقعدوها لما خرج للعلن أن الدولة السعودية، وعلى رأسها محمد بن سلمان، لها علاقات سرية غير رسمية مع إسرائيل، لكن نفس المشايخ لا يتكلمون ببنت شفة عن علاقات تركيا (تحت حكم رجب طيب أردوغان) العلنية الرسمية الوطيدة مع إسرائيل على جميع المستويات (عسكرية، أمنية، مخابراتية، تجارية… إلخ)، فعلى سبيل المثال لا الحصر اعتقلت تركيا سنة 2015 امرأة فلسطينية، إيمان كنجو (الحاصلة على دكتوراه في الشريعة الإسلامية)، على الحدود التركية السورية وسلَّمتها لإسرائيل (ويُرَجَّح أن اعتقال تركيا للسيدة كنجو كان بأمر إسرائيلي التي كانت تتعقب تحركاتها ونسقت مع المخابرات التركية متابعة تحركاتها عند وصولها لتركيا). وتركيا تنظم رحلات سياحية لمواطنيها وإلى إسرائيل، كما تنظم إسرائيل رحلات سياحية لمواطنيها الى تركيا. وتركيا لها سفارة في تل أبيب وقنصلية في القدس، ولإسرائيل سفارة في أنقرة وقنصلية في إسطنبول.

التحالف مع روسيا وإيران

استنكر مشايخُ الزيارات والرسائل التي تبادلتها حركة حماس في غزة مع روسيا وإيران بحجة أن هذين الدولتين تقاتلان أهل السُّنة في الشام، رغم أن علاقات حماس وإيران تكاد تنحصر في دعم الأخيرة لحماس في مقاومتها ضد إسرائيل. لكن نفس المشايخ لا يذكرون ببنت شفة تحالف تركيا مع إيران وروسيا ضد أهل السُّنة في الشام، ودور تركيا في تسليم حلب لنظام بشار الأسد سنة 2016، وما تلاها من اتفاقات أستانة وسوتشي التي تعهدت فيها تركيا لروسيا وإيران بإرغام الثوار على تسليم المناطق التي حرروها دون كبير مقاومة لتجنيب الاحتلالين الروسي والإيراني تبعات حرب يطول مداها وترتفع تكلفتها وخسائرها العسكرية والمادية على المحتلين.

بين جمال خاشقجي ومحمد عبد الحفيظ

أقام المشايخ المؤيدين لتركيا الدنيا ولم يقعدوها على جريمة قتل جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول في الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) 2018، وحَمَّلوا محمد بن سلمان (الحاكم والملك الفعلي في السعودية) المسؤولية المباشرة على جريمة القتل، لكن لما سَلَّمت تركيا مؤخرًا الشاب المصري محمد عبد الحفيظ لمصر، الذي حكمت عليه محاكم السيسي غيابيًا بالإعدام بتهمة قتل النائب العام المصري هشام بركات سنة 2015، وأصبحت بالتالي تركيا مشاركًا فعليًا وعمليًا في الجرائم البشعة التي ستقع على محمد عبد الحفيظ في معاقل السيسي من تعذيب وحشي إلى القتل خنقًا على حبل المشنقة، صمت غالبية أولئك المشايخ صَمْتَ الأموات، ومن تكلم منهم برَّأ على كل حال ذمة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، واعتبر جريمة تسليم الشاب المصري تصرفا انفراديا لبعض الموظفين بمطار أتاتورك في إسطنبول. ومنهم من حَمَّلَ محمد عبد الحفيظ نفسه مسؤولية تسلميه لمصر، إذ – حسب تبريرات بعض المشايخ – كان يحمل الشاب تذكرة سفر للقاهرة وكان قادما من الصومال، إلخ… ومنهم من حمَّل السعودية وجماعة فتح الله جولن المحظورة في تركيا مسؤولية تسليم محمد عبد الحفيظ لمصر.

نفس المشايخ الذين لم يقبلوا بتصريحات محمد بن سلمان بأن موظفين سعوديين هم من اغتالوا خاشقجي دون علمه، ولم يشفع عندهم حتى قضاء محاكم محمد بن سلمان بالإعدام على بعض المتورطين في عملية قتل خاشقجي، خرجوا ليسَوِّقُوا بشدة أن أردوغان وحكومته لم يكونوا على علم بتسليم محمد عبد الحفيظ لمصر، وأن من الأدلة على ذلك أن الحكومة التركية حوَّلت بضعة موظفين بمطار أتاتورك للتحقيق. نفس المشايخ الذين يستنكرون بشدة على نظام السيسي وإعلامه تحميل الإخوان المسلمين المعارضين لحكم السيسي المسؤولية عن كل جريمة سياسية أو إرهابية تقع في مصر، هم أنفسهم من يسارعون اليوم طواعية وبدون أدلة لتحميل جماعة جولن المعارضة لحكم أردوغان مسؤولية جرائم سياسية أو إرهابية تقع في تركيا.

القواعد العسكرية الغربية في البلدان الإسلامية

الموقف الشرعي من القواعد العسكرية لأمريكا والناتو في البلدان الإسلامية يختلف حسب ولاء الشيخ وميوله، فإن كانت تلك القواعد العسكرية الغربية في دول يوالي حكامها، فوجودها من سياسة الاضطرار، لتحمي مثلًا كرسي أولئك الحكام أو لتحمي البلاد من أي اعتداء خارجي، أو لأن الحكام لما وصلوا لمنصب الحكم كانت تلك القواعد العسكرية الغربية متواجدة في البلد الإسلامي وأصبحت بالتالي أمرًا واقعًا مفروضًا يستحيل تغييره، أو على الأقل يصمت الشيخ عن تلك القواعد العسكرية ولا ينتقدها. أما إن كانت تلك القواعد في دول لا يدين الشيخ لها بالولاء ويبغض حكامها، فتصبح تلك القواعد العسكرية صليبية وتَمَرْكزها في البلد المسلم خيانة عظمى وموالاة لجيوش الكفار ضد المسلمين، وتواطؤ مع الكفار لقتل المسلمين وقصف بلدانهم.

خاتمة

دين الله أصبح ألعوبة بيد كثير من المشايخ والعلماء، يقصون نصوص القرآن والسُّنة حسب مقاس الحاكم الجديد الذي يعظمونه ويطيعونه ويهابونه، الحلال والحرام عندهم ما أحله الحاكم أو حرمه، كل شيخ يضع حاكمه المفضل (أيًّا كان الحاكم وأيا كان الشيخ) منزلةً فوق منزلة الرسول، منزلة تشبه منزلة الإله (تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ). (سورة الشعراء). حتى الرسول كان الصحابة يراجعونه في أمور عدة، فيقولون له أهذا أمرٌ من الله أم من رأيك الشخصي، فإن لم يكن أمرًا من الله راجعوه فيه، وكان غالبًا ما ينزل عند رأي الصحابة. أما مشايخ وعلماء عصرنا الحالي فحاكمهم المفضل منزه عن الخطأ، ولا يجوز مراجعته ولا انتقاده في أي شيء. حاكمهم المفضل دائمًا على حق، لا يأمرونه أبدًا بمعروف ولا ينهونه أبدًا عن منكر مهما كان المنكر بيِّنًا وعظيمًا، وإن وقع فِعْلٌ باطلٌ أو إجرامي لا يستطيعون إنكار حدوثه ولا تحسينه، فالفعل قطعًا وقع دون عِلْمِ حاكمهم، بل هو من صنيعة مندسين ودول متآمرة يريدون سُوءًا بالحاكم. أفعال الحاكِمِ المفضل لدى الشيخ كلها مباركة وسليمة وعبقرية وحكيمة وتنم عن حنكة ودهاء سياسيين وشُعاع إيماني.. أما أفعال الحاكم الذي يبغضه الشيخ فكلها باطلة وغبية وارتجالية وخدمة للغرب وتآمر وخيانة وكفر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات