يقول الإمام محمد الغزالي رحمه الله: «ليس من الضروري أن تكون عميلًا لكي تخدم عدوك، يكفيك أن تكون غبيًا»، إن المجتمعات التي لا تتعاطى مع المعرفة وتنبذها وتنبذ أهلها، وتساهم في نشر الجهل وتقديسه، مجتمعات سيكون مصيرها الأفول والغلبة على أمرها، تلك سنن كونية لا مناط للهروب منها ، فالجهل – مثل جميع الأمراض العقلية – يحقق رابطة متينة بين الفئات المصابة به بغض النظر عن اختلافاتها الاجتماعية ويرصها جميعًا صفًا واحدًا مع الأعداء وراء الحصون والجُدُر.

وفي هذا يقول الكاتب ياسر حارب: «العيب أن نعتقد أن حزام الأمان دليل خوف، وأن نعتقد أيضًا بأننا إنَّ وقفنا في الطابور فإن ذلك يعني أننا أصحاب شخصيات ضعيفة لا تستطيع أن تقتحم صفوف المراجعين، وتهجم على الموظف لتحقق النصر وتنهي المعاملة، إن مخالفة القوانين جهل واتباعها معرفة والمأساة الحقيقية هي أن نقتنع بأن الجهل قوة، وأن المعرفة ضعف، والمأساة أيضًا تكمن عندما نقتنع بأن مخالفة القوانين رجولة واتباعها هوان… فنعود بذلك إلى أكثر من ألف وخمسمائة عام إلى الوراء»، فالمعرفة هي سندان الأمان لكل أمة، وإنها عدوة الاستبداد والظلم، فلطالما هابتها الاستدمارات في كل بقاع المعمورة، ونجد أن أول مـــا يسعى إليه المستدمر إذا ما دخل بلـــــــدا ما هو ضرب وسلخ ثقافته وهويته وكل ما له علاقة بالجانب الفكري والتوعوي، كان النازي هتــلر يدرك ذلك وقد صرح بها ذات يومٍ إلى أحد حاشيته فقال لــــه: «من حسن حظِّ هذه الحكومة أنَّ شعبها لا يفكـــــر».

الجهل هو شاقورٌ تنتزع به القيم في المجتمع فيسود بين أفراده اللاثقة والجرائم والآفات التي لا تبقي ولا تذر، هو ما يخلق التمادي والتماطل في صنع وطنٍ جميل، هو الاستبداد عينه، وقد كان المتنبي يقول لأحدهم وإشارات الكلام عند أولي النُّهى أفهامُ: «أراك الجهلُ أنَّك في نعيم»، لطالما كانت المعرفة هي ما يقض مضاجع الظلمة والجبابرة، الشعوب التي تدري حقوقها وواجباتها وتفهم ما لها وما عليها وتحقق الأسباب، هي التي من حقها أن تسود العالم وأن تعيش الحياة العزيزة كما تشتهيها دون خنوع ومذلة.

عندما تجعل المجتمعات حب الحياة جريمة موجبة للعقاب، عندما يكتشف الفرد أن إخوانه المواطنين يجعلون حياته جحيمًا لا يطاق باسم المصلحة العامة، عندما يُقاس الصواب والخطأ بعدد الأتباع وليس بمنطق الحق، عندما تصير الحياة بدلة جاهزة عليك أن تلبسها وحدها أو تعتبر مواطنًا يرتكب مخالفة العري، إذ ذاك ينزلق حب الحياة البريء إلى فخ الأنانية ويكتشف المواطن أن عليه أن يخرج من جلده أو يقاتل أعداءه في الخفاء، ذلك يحدث في بلدنا، إنه من علامات الجهل المميزة أن يعتبر المرء كل شيء يختلف عنه بدعة خرقاء، لأعيدَ وأكرِّر الجهل شاقور يستعد بكلِّ ما أوتيَ من قوة أن يهدَّ بيوتًا علاها العز والشَّرف، مستعد أن يقتلع السندان يتلوه السندان ليجعله يترنح ويترنح حتى يتهاوى على ساكنيه وهو وحدهم وفقط من سيعرفون ألم هذا السقوط عليهم، فهمهـــا لورين هاميلتون: «من المفترض أن يخاف الناس من المجهول، ولكن الجهل يصبح نعمة عندما تكون المعرفة مخيفة»، والجهلُ أصل كل شر.

إن المعرفة لطالما كانت هي من ترفع راية المجتمعات بدون رؤية شعاراتها سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة، ذات مساحة جغرافية واسعة مع موارد فوق وتحت الأرض أم دولة معدومة فقيرة، بعد الانفجار الذي حدث في هيروشيما وناكازاكي بأيام جلس أطفال صغار مع مدرسهم بين براثن ذاك الدمار والإشعاعات النووية التي تنبعث ها هنا وها هناك من أجل التحصيل، صورة تزعزع الكيان، وتعلم أنّ دولة اليابان لم تصل لأن تكون غولا يخافه العالم إلا بسلاح وضعته في يدها ألا وهو المعرفة وتقديسها،فبارك اللهم على اليابان! وأنتم السابقون.. ونأمل أن نكون بكم من اللاحقين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد