وحتى المنخرط في عوالم البشر الحديث لا أعتقد يومًا أنه كان يريد ذاك الاندماج المفعم المتصف بالمغمغة الكاملة والانخراط الحاد الذي أثر بدوره على ما تبقى من ذات المنخرط القديمة. ولَم يكن يومًا يحسب أن ما دخله من عالمٍ يتصف بالحداثة اللامتناهية سيسحق ما بداخله من بقايا أفكار عظيمة وأهداف وسمات مفيدة قد كانت تُغني من انخراط لولا النفس التي وسوست بأن كل جديدٍ مرحب وكل حديثٍ مستقبَل.

وأن التغيير المباح هو المبتغى، وهو الهدف، وهو مقصد المنخرط، وعلة انخراطه الوجودي ذاك، إذ إن ليس كل ما لديه من مشاعر اندمج كما الأفكار، وما كل ما يحتويه قلبه من مقاصد اختلط كما النفس الجسدية. وهذا يفسر كلمة الوجودي تلك. فالمشاعر هائمة لا ثبات لها، والأحاسيس محلها قلبٌ عاشقٌ إن بدأت، ومستقرها قلبان بقلبٍ واحدٍ إن أينعت، أي أن التغيير الذي هو هدف المنخرط، لا تغيير الشعور والهوى إنما تغيير الفكر والنفس والثورة على كل ما هو قديم بالٍ.

والحق يقال بأن الدوام والمداومة على شيء وفكرٍ تقليدي هو من صفات الجُهال الذين ليس من أمرهم شيءٌ، إلا ذم التحسين والتطوير وقتل التبديل والتحويل الْمُرَاد من قِبل بشرٍ أرادوا إعمار الأرض أكثر مما عمرها أولئك الجهال وما اتخذوا سوى طريق المباح وسيلة للتحسين.

أما ذاك المنخرط الجديد في عوالم البشر المحدثين نفسيًا، عاطفيًا، وفكريًا فإن طريق الخوض لديه طريق طويلٌ شاق ما لم يتخذ الحب سلاحًا له يشق به طريقه ويؤثر به على محيطه القديم والجديد ويدافع به عن تلك المشاعر اللاوجودية اللاثابتة واللامتناهية المخلوقة من التقاء قلبي بمؤثر عاطفي أدى إلى تفاهم ودي.

وأما تلك النفس الموسوسة، فما لها الا ان تدفع بنا نحن معشر البشر إلى كل جديد، سواء وجد الخير فيه أم لم يوجد، وكل الذي لها هي أن تلقي بعقولنا، أرواحنا وقلوبنا حتى إن استطاعت إلى ذلك سبيلًا، وكل ذلك في سبيل تحصيل منفعة لها ومعايشة حالة الانتشاء والسكر المعين لها على اتخاذ قرارات أُخَر بضمِنا إلى صفوف حياتية حديثة أخرى ليس لها، أي تلك الصفوف، من الأمر شيء، إلا قلب موازين التفكير وطرق السعي.

والتغيير مطلوب والحداثة متطلبٌ لا بد منه في عصرنا هذا من زماننا هذا، إلا أن المكروه في الأمرين جلل. فما نفع تغيير النفس ما دام الفكر منغلق على ما يحويه العقل من ترهات وخزعبلات زرعت في عقولنا كما النبتة المغروسة في حقل ما، لا هي صالحة كفاية فتنضج وتخرج زرعًا مختلفًا، ولا هي طالحة أكثر ليتم استئصالها.

وما الفائدة من حداثة العقل وتقدم تفكيره وتطور تفكره ما دامت النفس خانعة ليست حرة. فلا هي قادرة على الإدلاء بكل ما يصول ويجول من حداثة فكر ولا هي قادرة على نزع القيود وكسر الأغلال المحيطة بها.

وأما الخلاصة الجلية المعنية بالنصح الذاتي قبل المجتمعي فهي أن لا تغير من نفسك إذا كانت روحك هامدة لا تقوى على التغيير، ولا تغير من روحك إذا كانت النفس ستبقى على ما وجدت عليه أجدادك من تقاليد حري بها أن تتغير لتخدمك وتخدم روحك، ولا تغير من قلبك.. فالقلب هو مرتع السكينة والتقلب والأهواء والأفكار الشعورية، وهو عضلة إن أصاب بقيتك، أي تغيير ما أصابها أيضا. القلب في نهاية الأمر هو المبتغى وهو الهدف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات