يقول الأديب الراحل توفيق الحكيم في واحد من كتبه إنه لم يملك الإرادة التي تدفعه لكي يصبح أديبًا، إنما هو أديب لأنه لا يستطيع أن يكون غير ذلك. وقام تشبيه هذا الأمر بالنحلة التي خلقت لتنتج عسلًا. تلك النحلة ليست مهتمة بمُستخدم العسل أو المبرر وراء خَلقها لأداء تلك المهمة. هي لم تختر بإرادتها الحرة أن تنتج عسلًا أو تنتج خمرًا مثلًا. فهي خُلقت كي تجد نفسها نحلة وظيفتها الأساسية تكمن وراء السعي الدائم لإنتاج العسل. وهكذا الأديب من وجهة نظر توفيق الحكيم. هو لا يقدر أن يكون غير ذلك حتى لو كان أمر الأدب والانشغال به أمرًا مرهقًا للنفس ويحرم الأديب من الكثير من متع الحياة ولهوها، لكنه حقًا لا يقدر أن يقوم بتبديل تلك الخصلة. فقد خُلق ليجد نفسه أديبًا ليس أكثر، وليس أقل.

وبنظرة فاحصة بعض الشيء في هذا الأمر لربما شعرت في البداية أن وجهة النظر تلك تدفع الإنسان إلى الركون والاستسلام لكل الخصال التي تعيبه وتميزه، فلا يحاول التغيير من نفسه أو حتى تطوير ما نقاط قوته، وتظل علته الأساسية وراء ذلك «أنه لا يستطيع أن يكون غير هذا الذي هو عليه». فهل نحن حقًا عاجزون عن التغيير والتطور؟ هل نحن حقًا مُجبرون ومُسيرون أم أن الله خلقنا أحرارًا مُخيرين؟

فتخيل معي لو كنّا حقًا مجبرين على ما نحن عليه من صفات وشخصيات، فهل من العدل أن يحاسبنا الله بعد ذلك على تصرفات وأفعال لم نكن نملك القدرة على تغييرها أصلًا؟ فما قيمة الحساب والجنة والنار إذا كان الإنسان مجبرًا مُسيرًا لا يملك قرارًا؟! الأمر بالطبع ليس كذلك والله العدل، فلن يحاسبنا بشأن أمور لم نستطع تغييرها. حتى إن توفيق الحكيم نفسه لم يكن يقصد ذلك المعنى مُطلقًا، وأظنه كان سيهتم بتوضيح مقصده أكثر لو كان علم ما يمكن أن يثيره من ريبة ومخاوف.

إننا بالطبع أحرار مُخيرون، وإلا ما كان هناك داعٍ لحساب في الآخرة، وهذا لا يتعارض مع رأي توفيق الحكيم في عدم قدرته على تغيير كونه أديبًا وقلة حيلة النحلة تجاه إنتاج العسل. الأمر كله أن لنا صفاتـًا جوهرية وأخرى ظاهرية.

تلك الصفات الجوهرية هي التي تحدد كيان شخصياتنا، ولها جذور عميقة جدًا ومتأصلة في نفس كل منّا. تلك الجذور نبتت من بذور تم غرسها من يوم أن رأت وجوهنا النور. فهي نتاج مقدمات كثيرة جدًا؛ كالتربية والدين والبيئة المحيطة والعرف والعادات والتقاليد والخبرات المكتسبة منذ الصغر. وتلك الصفات الجوهرية هي التي تمثلنا حقـًا، هي التي جعلت من توفيق الحكيم أديبًا وجعلت من إسماعيل ياسين ممثلًا كوميديًا. تلك الصفات الجوهرية يصعب تغييرها جدًا، ليس فقط لعمق جذورها، بل لتكونها من عدة صفات أخرى، بل إنني أوافق توفيق الحكيم الرأي حين يقول غنه لا يملك تغييرها من الأساس. فتوفيق الحكيم لا يمكن أن يصبح إسماعيل ياسين ولا العكس. وذلك من رحمة الله بنا، وإلا صرنا جميعًا نُسخًا واحدة من شخص واحد. ولم تكن هناك أي فروق بين البشر تستطيع تمييزهم من خلالها.

أما الصفات الظاهرية، فهي الصفات التي يمكن للإنسان تغييرها بالإرادة القوية الحرة التي منحنا الله إياها. تلك الصفات لا تمثل كيان الشخصية ككل، إنما تمثل جانبًا واحدًا ليس أكثر. كالكذب والعصبية والرأفة والعناد والخبث وما إلى ذلك من صفات. فتلك الصفات يستطيع المرء تغييرها كي يصبح شخصًا أفضل، وهي لا تستلزم تغيير كيان الشخصية ككل. ولذلك فالله عادل كل العدل حين يقوم بمحاسبتنا على أفعالنا النابعة من صفات كتلك؛ لأنه كان بإمكاننا تغييرها دون أن نصيب جوهرنا بشيء يؤذيه.

كل ما في الأمر أن لتغيراتنا حدودًا وأن لكل منّا جزءًا لا يتجزأ من كيانه لا يجب علينا التنازل عنه من الأساس وإلا صرنا مسخًا لا ماهية لنا ولا وجود، وهذا ما قصده توفيق الحكيم، فالأديب حقًا لا يستطيع أن يكون سوى أديب. وأنت لا يجب عليك أن تمثل جوهرًا آخر سوى جوهر نفسك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد