إن البحث عن التغيير هو إحدى الطرق التي نحاول فيها جاهدين تحقيق نقلة نوعية في تاريخ الوطن العربي والشرق الأوسط، وهذا لن يتحقق لأن التغيير هو عبارة عن صيرورة التاريخ وسيرورته، وتقديم البشرية نتاج تفكيرها وتجاربها، فهو بهذا يحتاج إلى إنضاج الفكرة وبلورتها ووقت لتنفيذها.

في البداية إذا تكلمنا عن التغيير لغويًا كما جاء في المعجم الوسيط، قلنا هو جعل الشيء على غير ما كان عليه. حقيقةً أول ما قرأت التعريف شعرت بنوع من الارتباك، إلا أن الارتباك قد زال عندما قسمت الشيء إلى جوهر، ومظهر، أو إلى بنية تحتية وفوقية. فإذا غيرنا الجوهر تغير المظهر، وإذا تغيرت البنية التحتية تغير الأساس؛ فالتغيير لغويًا يعني أيضًا استبدال شيء محل شيء، أو حال محل حال، ويختلف التغيير عن الإصلاح، ولنا في الإصلاح الذي حدث في كنيسة الروم الكاثوليك؛ فهي قامت بحركة إصلاحية في بعض التعاليم، ولم تقم بتغيير في أصول الدين. إذا عدنا نحو سؤالنا المطروح «التغيير السياسي أولاً أم التغيير الثقافي»؟ فنحتاج إلى تعريف التغيير السياسي، وإلى تعريف التغيير الثقافي، ولن يكون هذا كافيًا بدون التغيير الاجتماعي. البعض قد يقول إن نتاج التغيير السياسي والثقافي هو التغيير التلقائي للمجتمع وإحداث تغيير اجتماعي، ولكن هذا حقيقة لن يحدث.

التغيير السياسي: هو مجمل التحولات التي قد تتعرض لها البنى السياسية في المجتمع، أو طبيعة العمليات والتفاعل بين القوى السياسية وتغيير الأهداف، بما يعنيه كل ذلك من تأثير على مراكز القوة، بحيث يعاد توزيع السلطة والنفوذ في الدولة نفسها أو بين عدة دول.

التغيير الثقافي: هو كل ما يطرأ على الظروف أو العناصر الثقافية، طالما كان هذا التغيير يؤثر على بناء المجتمع وهذا التجديد هو الذي يميز التغيير الثقافي عن التغيرات السطحية أو المحدودة ذات الطبيعة المادية أو الشخصية، التي لا تؤدي إلى إحداث تغيرات بنائية، وهي تغيرات كثيرة متجددة يصعب حصرها، ولا يمكن أن تحضر بالاهتمام نفسه، الذي نوليه لتيارات التغير الرئيسية الكبرى.

التغيير الاجتماعي نقول كما قال الأستاذ أحمد زكي بدوي: «إنه كل تحول يقع في التنظيم الاجتماعي سواء في بنائه، أو وظائفه خلال فترة زمنية معينة، والتغيير الاجتماعي على هذا النحو ينصب على تغيير يقع في التركيب السكاني للمجتمع أو في بنائه الطبقي، أو نظمه الاجتماعية، أو في أنماط العلاقات الاجتماعية أو في القيم والمعايير التي تؤثر على سلوك الأفراد، والتي تحدد مكانتهم وأدوارهم في مختلف التنظيمات الاجتماعية التي ينتمون إليها».

لو لاحظنا، فوفقًا إلى هذه التعريفات يتضح لنا أن صياغة السؤال «التغيير السياسي أولاً أم التغيير الثقافي» لم تكن في محلها، بل إن أبسط كتب التاريخ تخبرنا بهذا الشيء. إن التغيير السياسي يجب أن يكون متزامنًا مع التغيير الثقافي ويتزامن مع التغيير الاجتماعي وبهذه التغييرات يحدث التغيير المنشود. فمثلاً يخبرنا التاريخ أن كارل ماركس انتقل إلى لندن بعد أن ضاقت بلاده ألمانيا من أفكاره ذرعًا، وبدأ ينشر أفكاره بين الشغيلة طبقات البروليتاريا، وفي ذلك الأثناء كان يجمعهم كجماعة، ويكتب هو وصديقه فريدريك أنجلز «البيان الشيوعي»، فقام بتغيير ثقافي عبر نشره أفكاره بين الشغيلة، وقام بتغيير سياسي عندما جمع الشغيلة عندما جمع جهود وحماس، ونضال البروليتاريا في كيان سياسي، وكان يقوم بنشر أفكاره مبسطة في الصحف بصورة سرية، ودقيقة، بل يحدد دور المجتمع ومهامه ضد البرجوازية، فنجح بذلك وقامت الثورة البلشفية بقيادة لينين في روسيا عام 1917م. وفي العصر الحديث أيضًا نجد أنه وقبيل سقوط الاحتلال الفرنسي في تونس، كان الحبيب بورقيبة يجول في شوارع تونس يخبر الناس عن خططه في تحويل تونس إلى أوروبا، وإلى ضرورة إخراج المستعمر الفرنسي، فقد قام بتغيير ثقافي عندما نشر فكره، وأشخاصه الذين جمعهم في كيان سياسي وهم الذين جعلوه رئيسًا لتونس بعدها. وكما يعرف كان بورقيبة ديكتاتوريًا، وكان الشعب التونسي قد تأصلت فيه مبادئ العلمانية البورقيبية، إلا أن حركة النهضة الإسلامية كانت تقوم بنشر فكرها، وغيرت المجتمع وفهمتهم حول مهامهم في الدولة الدينية – وفي الدين يتبين الفرق واضحًا وجليًا بين التغيير الثقافي، والتغيير الاجتماعي – وبذلك حققوا تغييرًا ثقافيًا واجتماعيًا، إلا أنهم لم يهتموا بالجانب السياسي، وبذلك لم يحققوا شيئًا، وانتصر بذلك خليفة بورقيبة بن علي عندما اهتم بكامل الجوانب. وعلى النقيض يخبرنا التاريخ بأهم فشل في محاولة تحقيق نهضة والتي ما زالنا إلى يومنا هذا نتجرع مأساتها وصراعاتها الأيديولوجية، وهي فترة نابليون بونابرت وغزوه مصر. النهضة التي قام بها «محمد علي باشا» كانت سياسية، وكانت ثقافية فهو أسس كيانًا حكوميًا لحكم الشعب المصري، وكان هذا تغييرًا سياسيًا، وأرسل البعثات العلمية، وأقام مراكز الترجمة، إلا أنه لم يهتم بالجانب الاجتماعي. لقد تحرر المصريون فعليًا من قبضة الاستعمار البريطاني بفعل السياسة، والثقافة، وبفعل الطبيعة البشرية التواقة إلى الحرية، إلا أن المجتمع آنذاك كان مشدوهًا معجبًا، مستغربًا من تقدم الآخر وما حققه في ظل رجعية منيت بها الحضارة العربية، بعد هجوم المغول على مكتبة بغداد، وانكفاء العرب وانطفائهم وانطوائهم على جراحاتهم. لقد حقق محمد علي باشا تغييرًا على مستوى السياسة، وعلى مستوى الثقافة، ولكن بعض الكتاب من أمثال: سلامة موسى ولويس عوض اهتم بالجانب الاجتماعي، والجانب الثقافي، والجانب السياسي، فنادوا أن العرب لن يتقدموا حتى يتغربوا، ونقلوا صورة معينة عن الحضارة الغربية، فكانوا يكتبون في الصحف ويخبرون الناس البسطاء بالحياة الغربية، فخرجت الصحف التي تنادي بوقف الكتابة باللغة العربية، واستبدال اللغة اللاتينية بها، فخرجت لنا طائفتان بارزتان:

1- طائفة تتبعت سير سلامة موسى وأمثاله

2- طائفة أخرى رجعت إلى التراث رجوعًا مخيفًا فصاروا متقوقعين داخله، ولم يخرجوا، بل صاروا متشددين معتقدين أنها الطريقة المثلى للعودة إلى المجد التليد.

صراع هاتين الطائفتين آنذاك أنتج لنا عدة أيديولوجيات؛ مثل الإلحاديين، اللادريين، الإسلام المعتدل، الإسلام العلمي، وهذا ما أسميه «صراع الأيديولوجيات». إذن يتضح أن التغيير السياسي يجب أن يكون متزامنًا مع التغييرين الثقافي والاجتماعي، واللذين يجب أن يكونا متزامنين بدورهما مع التغيير السياسي.

هناك أربعة أنماط للتغيير السياسي:

1- التغيير بالمكونات

2- التغيير بالأزمات

3- التغيير المعقد

4- التغيير الثوري

أظن – بالنسبة لي على الأقل – أن التغيير بالمكونات هو التغيير الأكثر أمانًا، والأكثر شمولية، والذي يتأصل ويتجذر لسنين، فنحن عندما ندرس مكونات النظام، مثل: الثقافة، المؤسسات، الجماعات، القيادة، السياسات، نجد أنها جميعًا مترابطة ترابطًا وثيقًا، وجميعها تتعلق بالقيادة. مسألة تداول السلطة مأزق كبير خصوصًا في التداول الذي فرضته ثورة، ولكنه قد يكون منعدم الخطورة في حالة التداول السلس. يقال إن الشباب هم الأكثر معرفة بقضايا عصرهم، فلهذا وجب وضع ما يسمى بـ«حكومة الشباب الموازية»؛ وهي حكومة ذات هيكل تنظيمي كامل يرافق الحكومة الفعلية ويساعدها في كل مهامها، ويتعلم منها كيفية الحكم، والتعامل مع الأزمات… وهكذا.

بعد الانتهاء من الحكم الفعلي للحكومة، يتم التبادل بين حكومة الشباب والحكومة الفعلية، بحيث تصير الحكومة السابقة مجلسًا للشورى، وخلال فترة تعلم حكومة الشباب يتم محاولة للتغيير الثقافي والمجتمعي في البلاد مع التغيير السياسي الذي سوف يحصل أثناء التبادل.

إحدى أكبر الإشكاليات التي تواجهنا هي اعتبارنا الدين ثقافة، اعتبارنا الدين ثقافة يسقط على الدين ما نسقطه على الثقافة، ولكن قبل أن نعرف ما الذي نسقطه على الثقافة نحتاج إلى معرفة، ما الثقافة؟

بحسب معجم المعاني الجامع، فإن الثقافة هي: العلوم والمعارف والفنون التي يطلب الحذق فيها، حسب تعريف الثقافة نجد أنها قائمة على التجارب والملاحظات والاستنتاجات طالما هي علم، ومعرفة، وفن. فهل من الممكن أن نعرض النصوص الدينية للخطوات العلمية؟

مع الدين يكون هناك تعامل آخر غير التعامل مع الثقافة، ولهذا نجدنا نفشل في محاولة شرح أي تجديد أو اي محاولة إصلاحية للدين، لأننا نظهر الدين بمظهر الثقافة القابلة للتغيير، وكأنه نظرية بشرية. لو أتينا إلى موضوع الدين، وهو المحرك الأول للأمم، نجد أننا أمام فئتين من الناس:

1- التي لا تقبل إعادة النظر في نصوص العلماء وتقدسها تقديسًا كبيرًا.

2- التي تعتبر القرآن مثل أي كتاب ويمكن انتقاده.

نتيجة الصراع بين هاتين الفئتين أنتجت لنا القرآنيين، وأنتجت لنا الجماعات الجافة.

وبالخروج من الدين والعودة إلى الثقافة، لأنه من الضروري الفصل بينهما، نقول سؤالنا، إذن كيف نحقق تغييرًا ثقافيًا؟

علينا أن ندرك أن مصادر التغيير الثقافي اثنان:

1- تغيير داخلي: وهو التغيير الذي يستخلصه مفكرو الداخل، ومثقفوه في المجتمعات نتيجة تجارب تاريخية أو تعلم من تجارب الغير.

2- تغيير خارجي: وهي الأفكار والأيديولوجيات القادمة والوافدة لنا من خارج مجتمعاتنا ومن خارج ثقافتنا.

وفي حالتنا نحن العرب الآن، فإننا نعاني من رجعية وردة في وعينا وتفكيرنا، فلا نفكر إلا وفق سلطة الثقافة الغالبة، لهذا نجد أن التغيير الداخلي شبه منعدم، بل مرهون للتغيير الخارجي، وفي هذا الصدد نتذكر قول الأستاذ المفكر جورج طرابيشي حين قال: «إنني أنتمي إلى جيل الرهانات الخاسرة – فجيلنا قد راهن على القومية وعلى الثورة وعلى الاشتراكية وهو يراهن اليوم على الديمقراطية – لا لقيم ذاتية في هذه المفاهيم، بل كمطايا إلى النهوض العربي وإلى تجاوز الفوات الحضاري، الجارح للنرجسية في عصر تقدم الأمم»، ويقول العلامة ابن خلدون: «إن المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أقواله وعوائده».

فإن تشدق معظم مثقفينا، ومفكرينا، بالأفكار الغربية اعتقادًا منهم أنها حل لمعضلتنا، وهم لا يدركون حقيقة أنها محاولة للشفاء من الجرح النرجسي.

يقول المؤرخ إريك هوبزباوم في كتابه عصر الثورة: «ولم نشهد، إلا في العالم الإسلامي، المراحل الأولى لهذه المسيرة حين تبنى المغلوبون الذين تعرضوا للغزو الأوروبي آراء الغرب وأساليبه ليردوا كيده إلى نحره، وذلك ما نراه في بدايات حركات الإصلاح التخريبية داخل الإمبراطورية التركية في الثلاثينات من القرن التاسع عشر»، ويقصد بهذه المسيرة أي توسع القوة التي حولت الاستعمار الأوروبي وتوسعه إلى انكماش.

إن أفضل الطرق التي تساعدنا في إحداث تغيير ثقافي هو قراءة التراث قراءة معتدلة، ولا نسقط الأيديولوجية عليه، لأن الإسقاط الأيديولوجي – كما يقول طرابيشي– ينصب نفسه جراحًا فيبتر أعضاء قد تكون الأكثر حيوية فيه، وأن نقوم بغربلة ثقافة الآخر ونستخرج منها ما يفيد بأقصى ما يمكننا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد