1- في نقد النقد

نتحدث الآن عن كتاب «حانة الفوضى» للروائي المصري مصطفى منير، الصادرة عن دار بردية 2017.

لقد صرنا في عصر لم يعد يحتمل النقد، فلم تعد الشريحة الأكبر من القراء مهتمين بهذا الطور الكتابي، وكثيرًا ما نجد القارئ ينبذ ويبتعد عن مقدمات الكتب والمسرحيات الناقدة، وهذا ما كون هوة بين القارئ والناقد الأكاديمي، انتهت أن جعلت الناقد الأكاديمي منبوذًا غير مقروء إلا من الطلبة الذين يبحثون عن حشو لأطروحاتهم، أو لقلة في غاية الصغر من المثقفين، وهذا ما جعل إنتاج الناقد الأكاديمي في غاية القلة، حتى إن الناقد بكتابته تلك في سبيل الانقراض لولا الطلبة.

كان من النتائج التي ترتبت على هذا، تفسخ النقد، وظهور ما يسمى بالنقد الصحفي، وهو الذي حمل لواء النقد لفترة، حتى تفسخ بدورة وصار القارئ العادي يحل محل الناقد، ويقرأ له ويصل للجمهور أكثر من الناقد، لقد وصل بنا العصر إلى أن بعض القراء استطاعوا تغيير ذائقة الشرائح الكبرى من القراء، في حين لم يعد للنقاد الأكاديميين قراء أصلاً.

ولكن السؤال، هل يسمى ما يكتبه هؤلاء القراء نقدًا؟

قبل أن أجيب، دعني أسأل سؤالاً بلا إجابة، وهو: ما جدوى الفن؟ في رأيي إن الفن له جدوى في غاية الأهمية؛ فكما يقول الإمام الغزالي:

«من لم يحرّكه الربيعُ وأزهاره، والعودُ وأوتاره، فهو فاسدُ المزاج ليس له علاج»

إننا في عالم مادي مفرط في البرجماتية، مجمد غير عملي، ويحتاج هذا العالم إلى بعض المجملات والمحسنات، التي تعيننا على الاستمرار في العالم، والبقاء فيه، إن الميتافيزيقا تؤدي هذا الدور الفن والأخلاق والدين.

لهذا فجدوى الفن تحسين صورة عالمنا، وجعلنا أكثر سعادة لإشباع الرغبة الروحية المفقودة واستمتاعًا، والرواية فن وإبداع. إن النقد الأكاديمي يضع القواعد المادية المنطقية البحتة على الفن؛ ليظهر قولبات متعددة تسري على الإبداع، وهذا يجعل بدورة الإبداع مسخًا يحاول أن يمشي على القواعد المادية، مما يفقد الفن دوره، وهذه الإشكالية تحدث حين تنتشر ثقافة النقد الملزم، وهي بالطبع أكذوبة لا تسري على جميع طرق النقد، فقد يبدع الناقد نصًا موازيًا للنص الأدبي، إذا كان ناقدًا بنيويًا قائمًا على دراسة النص، بحيث يحلل شخصية الكاتب سيكولوجيًا، وهذا يجعله انطباعيًا بالمناسبة؛ لأن هذا النص في النهاية يعبر عن الناقد وعن ثقافته وعوال نفسية بعينها، أو يبدع نصًا بدون أي روابط أو قواعد عن النص الكتابي رابطًا بينهما إذا كان ما بعد حداثي.

وفي المثالين قام الناقد بإبداع نقده، وتوقف هذا على مستوى ثقافته وقراءته وحياته، في الأول ببعض القواعد التي توارثها من النقاد، وفي الثاني بحرية مطلقة، وهو بالضبط ما يفعله القارئ العادي باختلاف معدل الجودة؛ لذا أي قارئ يكتب نقدًا يصل إلى الناس هو في مسمى ناقد.

في نقد التصنيف الأدبي

كلمات مثل «يجب أن، لازم، إن هذه النقطة أساسية.. إلخ» غير مطلوبة في الإبداع وتعبر عن الربط المادي للإبداع، والذي يزيل منه الصفة التقديسية.

عل الكاتب أن يبدع روايته، ينظر أو لا ينظر للنقد، إنه حر، وعلى الناقد أن يبدع نقده، ينظر أو لا ينظر للقواعد فهو أيضًا حر.

ما جدوى التصنيف الأدبي؟ إنه يسهل علينا اختيار الفن المناسب لذوقيتنا، ويسهل على الكاتب عملية الإبداع؛ حيث يمده ببعض القواعد الاختيارية بالطبع، تجعله يصل بسرعة وسهولة لمقصدة الأدبي، ولكن لها فائدة أخرى، وتظهر في هذ التعريف للجنس الأدبي :

يعد الجنس مفهومًا اصطلاحيًا أدبيًا ونقديًا وثقافيًا، يهدف إلى تصنيف الإبداعات الأدبية حسب مجموعة من المعايير والمقولات التنميطية، كالمضمون، والأسلوب، والسجل،… وغالبًا ما يتمظهر بشكل جلي في عتبة التجنيس أو التعيين التي تتربع في وسط صفحة الغلاف الخارجي أو الداخلي من الكتاب، وهي بمثابة عقد بين المبدع والمتلقي. ومن ثم، يهتدي القارئ إلى التعامل مع العمل على هدي ذلك التجنيس الذي أقره المبدع، فيعتبره عملاً واقعيًا أو عملاً تخييليًا. وترتبط عملية التجنيس بالقارئ الذي يعتمد على أفق انتظاره التخييلي في التعامل مع النص الأدبي، ويعني هذا أن المتلقي يستند إلى مجموعة من الاتفاقات التجنيسية التي يمتلكها، والتي من خلالها يقرأ ذلك النص تحليلاً وتقويمًا. وبتعبير آخر، يمتلك القارئ معرفة خلفية تجنيسية، يستكشف بها النص تشريحًا وتأويلاً. وبالتالي، فالجنس هو بمثابة عقد نصي أو اتفاق خطابي بين المرسل والمرسل إليه، أو بين الكاتب المبدع والمتلقي المفترض.

وعلى هذا فإن التصنيف مطلوب في الأدب، والإبداع، والتجريب لا يمنع من التصنيف؛ فهو إضافة للنوع الأدبي، أو حذف لقيمة من قيم النوع الأدبي، وفي هذا وذاك يعمل الكاتب على صنف أدبي؛ لذلك يكون النص قابلاً لتصنيف الناشر أو الناقد، ويوضع تصنيف على الكتاب، إلا إذا كان الكاتب يهيكل لفن أدبي جديد، وفي هذه الحالة تختلف اللعبة، فالكاتب لا يكتب التصنيف الأساسي كالرواية أو القصة؛ لأنه لا يوجد تصنيف أساسي، بل يكتب شيئًا آخر، شيئًا يحتمل مسمى آخر، لا يمكن أبدًا إطلاق كلمة رواية عليه ولا يمكن اطلاق كلمة قصة عليه، مثلما فعل الكاتب السوري حنا مينا في «النجوم تحاكم القمر» وخلف لنا مسرواية «نص لا يمكن تصنيفه كمسرحية ولا رواية»، وقام بكتابة هذا التصنيف في أول صفحة من الكتاب.

في إثبات التصنيف

كيف نصنف حانة الفوضى؟

على اعتبار أنها مجموعة قصصية: هذه المجموعة مترابطة أكثر من اللازم؛ حيث تعد القصص تكملة بعضها لبعض، ولا نرى أي استخدام لترابط المجموعات القصصية المعروف، أو أي تقنية ترابط، بل لم تكن في القصص أصلاً حبكات، وجميعها متشابهة في السياق، ثم ما الذي أدخل الخواطر في القصة، إنها مجموعة قصصية سيئة للغاية.

على اعتبار أنها نصوص: لقد صنف الناشر المجموعة على أنها نصوص في آخر الكتاب، لا أرى أنها كذلك، لا توجد نصوص مترابطة بهذا الشكل، إن بها بعض النصوص، ولكن يوجد رابط قصصي قوي بينها، وهو ما لا يجعلنا نؤمن أن هذا الكلام نصوص.

على اعتبار أنها مسرحية: لا يوجد مشهد ولا ستار، ولا اسم البطل ثم نقطتين هذه ليست مسرحية.

على اعتبار أنها رواية: إن هذه الرواية جاءت متكاملة الأركان، إلا ركن واحد جاء مهترئًا، وهو الحبكة؛ حيث كانت مبهمة أكثر من اللازم، ولكن النص كان قصيرًا جدًا، لذلك فاعتباره رواية لا يصح، رغم أن الرواية جاءت واخترعت لتكون القماشة التي تحتمل كل أنواع الفنون، فهي تليق بالنص، والنصوص التي بداخل الحكاية لا تتعارض معها، فقد كتب دوستوفسكي الفقراء من الرسائل، ووضع أيمن العتوم في ذائقة الموت 100 رسالة بداخل الرواية، ووضع صنع الله ابراهيم مسرحية كاملة داخل روايته شرف، ومع هذا فلا يمكن أن نعتبر هذا النص رواية، بسبب أن بعض النقاد قالوا إن النصوص القصيرة يطلق عليها اسم نوفلا. وعلى هذا يعتبر النص نوفلا.

نقد الأسلوب الكتابي باعتبارها رواية قصيرة

أولاً القصة: تدور القصة حول كاتب حديث يدخل إلى حانة بوسط البلد؛ ليقابل عددًا من الرموز الأدبية مثل غسان كنفاني وأمل دنقل ويحي الطاهر، يعرض عليهم خواطره الأدبية فيردوه له، يخرج من الحانة ليجد كفافي الطيب الذي يرفض كتابته برفق، ثم يقابل رضوى عاشور في المكتبة فترفض خواطره هي أيضًا، ثم يقع في حافلة تمتلئ بالكتاب الذين يرفضون أدبه أيضًا.

لقد أتت النقاط الملفتة كعيوب أو حسنات

1- إن الأدباء الواردة أسماؤهم في النص يضع الكاتب أقوالاً وعبارات لهم بالفعل، ثم يكمل الحوار بلغته هو، لقد أخرجت قصص الطاهر وغسان ودنقل، إن اللغة تحتاج لترميم هنا، إن الحوار للجميع هو حوار مصطفى، هذا ليس الطاهر، وهذا ليس يحيى، إنهم دمى تحركهم، وهنا يفقد النص جزءًا من رونقه.

2- اللغة جميلة، ولكن المشكلة أن الكاتب لم يفصل بين اللغة الحوارية ولغة الراوي، ولغة الخواطر، إنهم نابعون من الشخصية نفسها، أتفهم ذلك، وهي الراوي للكل، أعرف ذلك، ولكن ما من شخص يتكلم كما يكتب.

3- الحبكة ليست مفهومة، تنتهي القصة بحرية الكاتب، لقد ترك حانة والحلم، أحس كأن الحبكة سريعة، أو لا حبكة للعمل أصلاً، وهذا لا يروق لي بالفعل، ولكن لنحمد الرب.

4- الفقر، الجوع، رفاق الدرب، الحب، الكتب، إنها مفردات الكاتب، لقد نسج الكاتب عالمة الصوفي عليها وأعطته تلك المفردات ثقلاً، لقد نسج خواطر في غاية الروعة، إنه موهوب في كتابة اللغة الرنانة وموهوب في التكثيف، أظن أننا أمام كاتب قصة مثالي، يستطيع كتابة نصوص قصصية إذا طور من هذه القدرة بعض الشيء، قد توازي نصوص الطاهر.

5- النص ما هو إلا رحلة لقدر ساخر، تسحب الكاتب إلى البؤس، إنها إما أكثر رواية تعتمد على إنكار الذات رأيتها، وإما أنها رواية تتحدث عن مدى كبر الأصنام الأدبية وعلوها واستعلائها، أيًا كان، فالخواطر المكتوبة جيدة جدًا ليصبح من الظلم ما نعتت به.

6- في النهاية إنها نوفلا جيدة، فقط تحتاج إلى حبكة وترابط لغوي وتصبح لوحة فن عظيمة.

في نقض النص

لننزع معطف الناقد، وغليون المحقق، ونظارة المثقف، ووجهي هذا، ونرتدي قناع القاتل المتسلسل للروايات، ونستحضر نفسي الثانية، فهذا كلامها لتبيان وإظهار النقيض من هذا النص، بقراءة مختلفة تعتمد على الهجوم، وهي انطباعية أيضًا.

1- هذا النص غير كامل، هو روائي، فالمعني الابتدائي لكلمة رواية هي مروية، أي قصة كبيرة، وهذا النص يحمل قصة؛ لذلك يمكن وصف بالرواية بأريحية، وهي رواية غير مكتملة بلغة سيئة للشخوص، رغم أن المفردات الاختلافية للشخوص كتبت بشكل جيد.

2- لقد قام النص على لغة متوسطة شعرية أدبية، إن اللغة مبهمة بنسبة ما؛ بسبب امتلاء النص بالتشبيهات، والكنايات بدون إيضاح السبب، وهو ما يجعل النص غير واضح، فاللغة الشعرية كتبت بطريقة تسلب النص الانسيابية المطلوبة، رغم أنها لغة متماسكة متصالحة مع ذاتها.

3- لقد لعب النص على عدة عوامل صوفية روحية، وعدة جمل رنانة تثير القارئ، وهو ما سيكسب هذا النص القصير قبولاً زائدًا عند القارئ؛ فيكاد النص يقترب من كونه خلاصة دواوين شعر، مما تثير أحنى سبيل للتحول الروحي.

4- هذا النص إما أنه يفيد إنكار الذات الكامل؛ حيث يعتبر الكاتب نفسه فقيرًا أدبيًا أمام بعض الكتاب الكلاسيكيين، فالنص مبجل ومصنم لهؤلاء الكتاب، وإما أن النص ساخر يرينا درجة الكبر والعنجهية عند هذا الجيل.

5- إن النص جاء مباشرًا بدون ترانيم فلسفية وشموع فكرية كبرى مضيئة، لقد لعب الكاتب القصة بعوامله المتحفظة وبشذراته الرنانة، التي لا تحتمل التأويل الفلسفي إلا بشكل نادر.

6- إن محاولة ذكر أن النص لا يصنف، رغم أنه مصنف في ذاته بوجود التقنيات الروائية، أراها محاولة للهروب من النقد، فإذا قلنا إن النص لا يصنف لن تسير عليه نظرية نقدية أكاديمية، وهو ما سيجعل الناقد الأكاديمي عاجزًا أمام النص ونقاد الشنطة، كما يسميهم علاء الأسواني، الذين ينحتون كل أطروحاتهم من نصوص معينة، وهذا غير منطقي، فإن النقد فن يحتمل الإبداع، وقد جاءت أطروحتي في هذا الأمر تثبت أن كل نص له طريقة في نقده.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد