كنت أقرأ للرافعي مقالة بعنوان «نقد الشعر وفلسفته» ضمن كتابه «وحي القلم»، وإذا به يقول:

«فإن النقد الأدبي في أيامنا هذه – وخاصة نقد الشعر – أصبح أكثره ما لا قيمة له، وساء التصرف به، ووقع الخلط فيه، وتناوله أكثر أهله بعلم ناقص، وطبع ضعيف، وذوق فاسد، وطمع فيه من لا يحصل مذهبًا صحيحًا، ولا يتجه لرأي جيد، حتى جاء كلامهم وإن في اللغو والتخليط ما هو خير منه وأخف محملًا، فإنك من هذين في حقيقة مكشوفة تعرفها تخليطًا ولغوًا، ولكنك من نقد أولئك في أدب مزور ودعوى فارغة وزوائد من الفضول والتعسف يتزيدون بها للنفخ والصولة وإيهام الناس أن الكاتب لا يرى أحدًا إلا هو تحت قدرته… على أن جهد عمله إذا فتشته واعتبرت عليه ما يخلط فيه، أنه يكتب حيث يريد النقد أن يحقق، ويملأ فراغًا من الورق حيث يقتضيه البحث أن يملأ فراغًا من المعرفة»[1].

وتعجبت كثيرًا، هل كان الرافعي يتحدث عن حالة فعلية، أم أنه تحامل على نقاد عصره، إذ كيف سيكون قوله لو رأى مدعي النقد في عصرنا!

إنني لأستعير ألفاظه لكي أتكلم عنهم، وعن فوضى النقد التي تعم الساحة الأدبية الآن، وكأن النقد الأدبي صار شغلًا لكل عاطل لا يستطيع أن يحمل فأسًا يحتطب به أو يزرع، لكن لسانه قادر على حمل معاول من الكلمات اللاذعة، والآراء المحبطة، التي يطلقها سهامًا تصيب الكُتّاب والمبدعين والناشئين منهم خاصة، فإذا به يقيم لهم المحاكم، ويعقد عليهم المشانق، ويسلخ بأشد من الجازر مع بهيمته.

وهو هو – أو غيره – ينفخ بالونات المجد، وينبري بزخرف القول يلمع ويشذب الجيف والنتنى من الكتابات الهابطة التي لا تراعي فنًّا ولا ترتقي موضوعًا، تزلفًا نحو شهرة أو تملقًا لظهور، أو رغبة في هدية أو قربى من هذه وتلك، ومجاملة لهذا أو ذاك.

وفوق هذا وذاك – وتحته وبين يديه وعن جانبيه وفي سمائه وأرضه – ليُثبتَ وجوده، أنا أعترض، إذًا أنا موجود.. هذا الوجود الذي لا يتحقق إلا بتشويه الآخرين والحط من إبداعهم أو التقليل من محاولاتهم الإبداع  في أقل الأحوال حتى لا نرتقي بمن ليس أهلًا لذلك.. فأنا لا أنفي أيضًا أن هناك مدعي إبداع، وناقصي مواهب، بل أصيبت الساحة الأدبية بالتضخم والترهل والاهتراء في الكتابة والتأليف. هذا أُقر به، لكنه ليس موضوعي الآن، فهناك فوضى في التأليف كما أن هناك فوضى في النقد.

إن صفحات الإنترنت تَعِجّ وتَنْبَعِجُ وتكتظ وتَتَّخِم (وغيرها من مصطلحات الانتفاخ) بالكثير من المقالات المسماة بالنقدية، وصالونات الأدب – مع قلتها – تُقدِّم لنا تحديثًا مستمرًّا يفوق تحديثات (متجر «جوجل») بأسماء وسمات نُقّاد ما سمعنا عنهم في زُبُرِ الأَوَّلين! فتجد ناقدًا ملء السمع والبصر ليس لأنه خريج في كلية الآداب، أو دارس للمناهج النقدية القديمة أو الحديثة أو حتى مطلع على آداب العرب والعالم، لا.. هو ناقد لأنه هشم جماجم المبدعين ووقف عليها متعاليًا فصفق له الجماهير: «هايل هتلر».

البعض يجعل النقد الأدبي ما هو إلا سلاطة اللسان وبذاءة القلم، والسُّخُر من الكُتّاب، والتحطيم والهدم لما يُكتب، ويظن أنه يصنع هالة تقديس لنفسه، أو يُلقي بالرعب في نفوس دور النشر فيُقبِلون على إرضائه، أو يتودد إليه الكُتّاب خشية خصومته، وإن كان استثناء الشيطان يَفر من طريق عُمر، فإن الناس ينفرون جميهم إن علموا بشبح شيطان ما، و«إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ»[2] هذا الذي أدى إلى مقولة «مونتسكيو»: النقاد يشبهون جنرالات فاشلين عجزوا عن الاستيلاء على بلد فلوثوا مياهه[3].

إننا اليوم أمام ظاهرة أشد من التي واجهها الرافعي قديمًا وهو يتكلم عن أعلام النقد في عصره الذين نستقي اليوم من مناهجهم، أما ما أرصده اليوم ويلمسه الكثير غيري فهو ادعاء كاذب، وتصدر أجوف، وتقازم في صورة ريادة.

يُشَبِّه الكاتب الكبير توفيق الحكيم الأدب بأنه ذو يدين، فيمناه الإبداع الذي يُنتج ويبتكر، ويُسراه النقد الذي يَنظم ويُفسّر، فالنقد نشاط فكري مهم يحتاج إليه كل عمل أدبي، ليكشف أسراره ويوضحه ويُبيّن قيمته ويعلق عليه ويوضحه.

ليس الهدف من النقد، إظهار المعايب، أو توجيه المدائح، كما نرى الآن، بل هي عملية معقدة من بين مختلف النظرات، لا يتحكم فيها الذوق الفني فحسب، بل يتدخل فيها المعطى العلمي بالتحليل والدراسة مُضفرًا بالشعور التربوي بالتوجيه والتقويم.

لذلك فأجمعُ تعريفٍ وأوفى تحديدٍ لوظائف النقد الأدبي هو ما قرره أحد تلاميذ العقاد قائلًا:

«وظيفة النقد الأدبي وغايته تتلخص في:

  1. تقويم العمل الأدبي من الناحية الفنية.
  2. وبيان قيمته الموضوعية.
  3. وقِيَمه التعبيرية والشعورية.
  4. وتعيين مكانه في خط سير الأدب.
  5. وتحديد ما أضافه إلى التراث الأدبي في لغته.
  6. وفي العالم الأدبي كله.
  7. وقياس مدى تأثره بالمحيط.
  8. وتأثيره فيه.
  9. وتصوير سمات صاحبه وخصائصه الشعورية والتعبيرية.
  10. وكشف العوامل النفسية التي اشتركت في تكوينه والعوامل الخارجية كذلك»[4].

تِلكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ أظن سيتراجع بعدها الكثير ممن تصدروا ساحة النقد، ممن لا يعرفون إلا السرد والحوار والوصف أو الوزن والقافية، أو النحو والبلاغة ويضعون ذلك مقياسًا للإبداع والمبدعين!

ولا أقلل من أهمية هذه المقاييس، لكن ليس وحدها تصنع أدبًا، ذلك أن كثيرًا من بدائع الفن الخالدة يَخرج على تلك الأصول، فتراه أحيانًا لا يخلو من نقص في البلاغة، أو ركاكة في العبارة، أو أخطاء في النحو، أو وقوع في اللغو.. ولكن إلى جانب تلك المآخذ تجد فيه براعة أي براعة؟ ثم هنالك عمل فني آخر انطبقت عليه الأصول تمام الانطباق، كل شيء فيه صحيح، سليم، متين، فلا لحن ولا غلط ولكنا نُحس – مع ذلك – أن لا شيء فيه يُحركنا أو يهز نفوسنا.

فليس للنقد الأدبي ذلك الجهاز الحساس الذي يعرف منجم الذهب من منجم النحاس، وما من شيء كثر فيه الخلاف مثل النقد، وقواعده ومذاهبه، ومع ذلك نجد أن قياس هؤلاء لتلك الأصول مبني على الذائقة الشخصية لا القواعد الفنية!

وبناءً عليه سأرصد بعض الظواهر التي أدت إلى تلك الفوضى، ملخصها في تلك النقاط:

1- الخلط بين الرأي والنقد

أغلب ما يُتداول على أنه خطابًا نقديًّا، خصوصًا في صفحات الإنترنت، لا يتجاوز مستوى الرأي، الذي هو حق للجميع، يشاركه فيه كل من قرأ النص، سواء ممن له خبرة في المجال ودراسته، أو لا، وغالبًا الرأي يكون انطباعيًّا ذاتيًّا ليس له معيار يحكمه، ربما يوجهه الهوى والذوق لا الحياد والمنطق، اللذين يُعدان أساسًا للميزان النقدي، بوظائفه السابقة.

الناقد يجب أن يحكم على الأثر الأدبي أو الفني بناءً على قيمته الذاتية، لا بما يمليه عليه مزاجه الخاص، فالذي لا يستسيغ نوعًا من الشعر، أو لونًا من النثر، أو فرعًا من القصص، أو ضربًا من الأدب، لا يصح له أن يُقدِم على نقده، وعليه أن يتنحى ويرد نفسه عن الحكم، شأن القاضي الذي كون في القضية رأيًا قبل البحث أو اتصلت ظروفها بعلمه قبل النظر.

2- عدم التفرقة بين الكاتب الناشئ والكاتب المتمرس

يقول توفيق الحكيم: على النقد الفني أن يفرق دائمًا بين فنان في أعماله الأولى، يتلمس خطاه نحو شخصيته، وفنان عُرف له طريق واتجاه. فقضية النقد للمبتدئ تتلخص في: «كيف صنع هذا؟». وقضية النقد للناضج هي: «لماذا صنع هذا؟».

الأول لم نعرف له شخصية بعد، فعلينا أن نُعينه على معرفة طريقه إليها، فنناقشه؛ كيف أنتج ذلك الأثر؟ ما هي حياته؟ وما أدواته؟ وأي خطا يتأثر؟ وفي أي طريق يسير؟ وبأسلوب مَن تشبع؟ ولأفكار من تشيع؟

أما الثاني، وقد عرفنا شخصيته ووجهته، فواجبنا أن نبحث: لماذا أخرج هذا الأثر الأخير، ليحقق به أي جانب من جوانب شخصيته التي نعرف عنها الكثير؟ لماذا صنع هذا؟ أترى الغرض منه تأكيد فكرة من أفكاره السابقة؟ أو الرجوع عن بعض هذه الأفكار؟ أو الانحراف إلى اتجاه جديد لا نعرفه له؟ أو الخضوع لإحساس بعينه يلاحقه في كل أثر من آثاره؟ فالنقد للأديب الجديد مُوَجِّه، وللأديب القديم مُفسِّر.. ينبغي للنقد الفني أن يوجه الجديد إلى شخصيته التي لم تظهر، وأن يفسر للقديم شخصيته التي ظهرت[5].

3- الوصاية على الأدب

كثير ممن يكتبون في النقد الأدبي يكتبون من منطلق الدفاع والحمية للأدب والوصاية عليه فإذا بهم يتعصبون ويتحجرون ويعادون ويخاصمون من أجل مذاهبهم ورؤاهم، والحقيقة أن الأدب لا يحتاج إلى وصاية، ولا ينبغي التحامي له وكأنه دين، بل هو رقعة واسعة تتسع لمختَلف التيارات، وشتى المذاهب، وهو جهد بشري يقبل الخلل والنقص، ولن يبلغ حد الكمال، وإن كانت قواعده حاكمة فهي ليست متحكمة، وهي قابلة للمغايرة والمبادلة، والتمسك والتخلي، والتبني، والمواجهة، والعلاقة بين الناقد والكاتب والمكتوب لا بد أن تتحلى بالمرونة، وكما يقيس الناقد مدى التزام المبدع بالقاعدة، عليه أن يكتشف من إبداعه قاعدة جديدة يقيس عليها، هكذا الأدب يتمدد ويتجدد مع كل إبداعٍ جديد، ويتسع النقد له ويُقَعِّد ويُنَظِّر ظواهره، والكُتَّاب كالأطفال لا يلتزمون بقواعد اللعبة؛ هم في سعيٍ دائمٍ لكسرها، أو الاحتيال عليها، وربما ابتكار قواعدَ مختلَقَة تخلُق بدورها ألعابًا جديدة.

وليس معنى ذلك أن نتخلى عن الأصول والقواعد وأن لا نتبنى آراءً نرتضيها، لكن المقصد ألا نتحجر عليها ونحجر على غيرنا.. كذلك ننصح بالصواب الذي نراه.. لكن لا نحطم الإبداع إن خالفنا!

4- عدم الإلمام بتاريخ الأدب ونظرياته ومدارسه

ولعل هذا هو سبب فرض الوصاية والجمود، فالبعض ينقد الأثر الفني كما لو كان قد وُجد ملقى على الأرض، لقيطًا لا يُعرف له أب ينتمي إليه، غير مدركٍ أن الأدبَ أسرةٌ متحدة، وسلسلة طويلة تتسلم كل حلقة من الأخرى، ثم تسلم التي بعدها.. ومهمة النقد هي أن يربط هذه الحلقات بعضها ببعض؛ ليجعل منها هذه السلسلة الذهبية التي يزدان بها صدر الفن.

لذلك يقول توفيق الحكيم: ظهور الناقد العظيم ليس بالأمر السهل، فللناقد صفات يجب أن تتوفر فيه، أهمها: أن يكون كفقيه القانون بحرًا عميق الاطلاع في الأدب الذي يدرسه، والآداب الأخرى القائمة، ماضيها وحاضرها، حتى يتيسر له التقدير للقيم والموازنة بين الأنواع، والتشريع للمذاهب. وأن يكون واسع الأفق، ليفهم كل الأغراض، قوي المعدة، ليهضم كل الألوان[6].

5- افتقاد روح التشجيع

لقد صار النقد مسالخ ومجازر، وافتقد السمتين الرئيستين وهي التنظيم والتفسير، فالشبان الأدباء يفتقدون تلك اليد الحنون التي تربِت على أكتافهم وتشد على أيديهم، فلا ناقد يرشدهم، أو أديب يشجعهم، إننا لم نعرف (يوسف إدريس) إلا بكتابة (طه حسين) عنه، وتنبؤ (سيد قطب) بمستقبل (نجيب محفوظ) شحذ الأنفس له، وثناء (محمد عبده) على (الرافعي) جعل النفوس تشرئب له، كل منهم – وغيرهم الكثير – كان يحبو ويستند إلى هؤلاء. وهو حق واجب علينا، كما يقول طه حسين: «وللجيل الناشئ على الجيل الذي سبقه شيء من الحق، فليفكر شيوخ الأدباء في ذلك وليحتملوا تبعاتهم، وليعلموا أنهم لا يُرضُون الأدب بما يكتبون فحسب، وإنما يرضونه حين يكتبون وحين يمكِّنون الشباب من أن يكتبوا ويقرأهم الناس ويَخلُفوهم على مكانتهم بعد وقت يقصر أو يطول»[7].

فالتشجيع التشجيع، والرفق الرفق، فما الذي سيستفيده الأدب إن فرّ هولاء الشبان أو نفروا فماتت قريحتهم وخمدت جذوتهم؟ وما الذي سيخسره الناقد إن طبطب على ذلك الناشئ برفق وهو يتلمس مواضع ضعفه ويشير إلى مواطن خلله، فما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه!

وليس معنى كلامي أن ننافقه أو نجامله على حساب الأدب، لكن قد يَفصِل في ذلك الأسلوب، والنقد في حد ذاته ثقيل على النفس البشرية، كما الدواء للأطفال، يحتاج إلى بعض الحيل والتطعيم من أجل أن يستقيه ويشفى.

6- ابتذال الخطاب النقدي

وهذه ثالثة الأثافي! فكل من هبّ ودبّ يكتب في النقد الأدبي، والأولى في الخطاب النقدي أن يتناوله أساتذة الأدب ودارسوه وذوو الخبرة والحِذق، هذا على مستوى مَن يكتب، أما على مستوى نشر المكتوب فلا ينبغي أن يتداول الخطاب النقدي بين العامة ومبتدئي القراء، إن أسوأ ما يكون هو نشر النقد على صفحات التواصل الاجتماعي، وإبرازه لكل عابر، مما يبني الحواجز ويعزز من الانطبعات ويقيم المعارك بين الرواد، فينبري هذا يدافع عن كاتبه المنتَقد، ويحتشد آخرون لمساندة الناقد، أو يعزف آخر لثقته في الناقد ولا يقرأ للكاتب المنقود ويأخذ منه موقفًا، فالانطباعات الأولى تدوم كما في علم الاجتماع، طبعًا لا أتكلم عن درجة التحذير التي يحتم فيها الضمير أن يكون الخطاب عامًّا، حتى نرفع عن كواهلنا عبء المسئولية، لكني أتكلم عن الانطبعات والآراء والتقويمات التي لن تفيد القارئ السطحي وتضر بالكاتب في جمهوره ومستقبله.

الخطاب النقدي ـ شئنا أم أبينا – خطاب نخبوي، يخاطب بالدرجة الأولى الكُتَّاب والمهتمين بالدرس الأدبي، ولا ينزل إلى مرتبة القارئ الاعتيادي، وكلنا ونحن نبحث في دراساتنا الأكاديمية لم يجد كل المكتبات تطبع النقد الأدبي، بل تميز البعض بذلك، وحتى لو نشرت كل المكتبات نقدًا، فإن الخيار بيد القارئ إن شاء قرأ وإن لم يشأ لم يقرأ.. أما في الإنترنت ومواقع التواصل يظهر له ويجذبه ويستحوذ عليه، بجميع وسائل التشويق والتسويق.

إنني أربأ أن يستهلك الخطاب النقدي هذا الاستهلاك المبتذل، وأن يكون مثل الخمرِ ضرره أكثر من نفعه. فارتقوا به يرحمكم الله واكتفوا في تداوله على شريحة الكتّاب والمبدعين.. ثم ليطلبه القارئ مختارًا برغبته إن أراد.

7- مشاركة الكاتب دور الناقد

ولعل هذا رأيي ولا أجزم بصوابه، لكني أحبذ ألا يصطف الكاتب المبدع مصافَّ النُّقاد؛ لأن هذا سيقلل من حيادية النقد وموضوعيته، وسيعظم من الجانب الشخصي لديه، فهو خصم وحَكم في الوقت نفسه، لأنه -لا محال- منافسٌ في الساحة الأدبية، هو روائي كما الآخر روائي، وشاعر كما الآخر شاعر، وإن صوَّب سهمًا واحدًا لزملائه فقد عرض جسده لآلاف السهام! لكن باستطاعته أن يكتفي برأيه ويعلنه إن أراد، فالرأي – كما قلنا – حق للجميع، يُبديه الكاتب كما يبديه القارئ.

إنني وأنا أكتب يتمثل أمامي شيخ النقاد محمد مندور، هذا الرجل الذي اكتفى بدوره ناقدًا ولم ينشغل بغير ذلك، ولا يحتج البعض بجيل الرواد من أمثال العقاد وطه حسين والمازني والرافعي، فإنهم كانوا يؤسسون للأدب ونقده معًا، ويرفدون من كل لون ونوع من أجل تتمخض ولادة الأدب المصري، أما الآن وقد تم الفصل، وتمايزت الألوان، وتعددت الأضرب، وتنوعت الاتجهات، وصار الاختصاص أساس القبول، فمن الأولى ألا يختلط هذا بذاك، وقد يُشارك الناقد الكاتب ويكتب أعمالًا إبداعية، لكني لا أحب أن يشارك الكاتب الناقد فيحكم على الآخرين ويقومهم.

هذا ما اتسع له المقام بالذكر، لضيق الوقت وحدود الصفحات، وإلا فالظاهرة تحتاج إلى كثيرِ رصد وإسهابِ قول واستجلابِ المزيد من الترشيد، والتكاتف من أجل مكافحة تلك الفوضى. وعلى الله قصد السبيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد