دور وسائل التواصل الاجتماعي في امتلاك الجمهور قوة غير مسبوقة للتأثير السياسي

اكتسب تداول الشائعات بصورة عامة، والشائعات السياسية العدائية، مكانة بارزة في النقاشات العامة ضمن الديمقراطيات المتقدمة والأنظمة الأقل تطورًا على حد سواء؛ لذا فان الحاجة إلى تقييم شامل للمتلازمة النفسية التي تثير الدوافع لتبادل الشائعات السياسية العدائية بين مواطني المجتمعات الديمقراطية أصبح ضرورة ملحة.

إن فكرة مشاركة الإشاعة لمساعدة أحد الممثلين السياسيين في المنافسة في الانتخابات، أو زيادة رصيد المقبولية لدى المجتمع، أدت إلى زيادة الاستقطاب ضد الجهات الفاعلة الرئيسية الأخرى، كما أن الخوف أصبح متزايدًا من أن تقاسم الأفراد للتوجهات الراديكالية المشتركة قد يرتبط بدوافع «فوضوية» لتشويه «المناخ» الديمقراطي المتنامي إلى الحد الذي قد يشكل حراكًا جماعيًّا ماديًّا على الأرض.

إن ظهور وسائل التواصل الاجتماعي مكن الجمهور من امتلاك قوة غير مسبوقة لصياغة المعلومات الجديدة وتبادلها فيما بينهم. لسوء الحظ، فيما يتعلق بالسياسة، مهد هذا التحول المعلوماتي الطريق للتداول المكثف للأخبار عن طريق منصات المرشحين السياسيين أو المجموعات وخصومهم؛ مع انخفاض مستوى الأدلة والمصداقية للمادة المتداولة.

تتضمن الصبغة العامة للمادة المتداولة على مجموعة كبيرة ومتنوعة من أنواع الأخبار الموجهة، بما في ذلك نظريات المؤامرة والأخبار المزيفة، كذلك المناقشات حول الفضائح السياسية والحملات السلبية، رغم اختلافها تمامًا عن الآليات الصحفية والإعلامية، هذه الأنواع المختلفة من الأخبار تشترك في ميزتين أساسيتين تبعًا للمنظور النفسي للمستقبل، من قبيل أنها تحرض على العداء تجاه الهدف، وكذلك عدم أهمية لقيمة المعلومة إذا ما كانت صحيحة أو يصعب التحقق منها. وفقًا لذلك، فإننا نشير هنا إلى مجمل هذه الأخبار «شائعات سياسية معادية».

جرى ربط تداول الشائعات السياسية العدائية بالنتائج السياسية على نطاق واسع في السنوات الأخيرة، مثل الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016، واستفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى ارتباطها على النطاق الضيق ببعض الحوادث مثل اندلاع الاحتجاجات، وإخراج تحقيقات الشرطة عن مسارها، والتسلط الإلكتروني للمعارضين السياسيين.

توضح البيانات الحديثة أن الأخبار الكاذبة ذات القيمة السلبية تجري مشاركتها بشكل «أسرع وأعمق وأوسع من الحقيقية» على منصات التواصل الاجتماعي، ينطبق الحال كذلك بالنسبة للأخبار الكاذبة ذات الصبغة السياسية.

علاوة على ذلك، في حين أن المنصات الكاذبة تلعب الدور الأساسي في نشر أصل الأخبار الزائفة، فإن الفضل في النشر المتسارع للأخبار المزيفة هم «البشر »، وليس تلك المنصات.

عالميًّا ما نزال نعرف القليل بشكل عام عن علم النفس الذي يدفع حتى مواطني الديمقراطيات المتقدمة للمشاركة في شائعات سياسية معادية. الأهمية تقع في المقام الأول على تحديد أهم الدوافع النفسية المساهمة في انتشار الإشاعة، وتفضيل بعضها على بعض من قبيل القيمة والعاطفة.

في المقابل، جوانب أخرى مثل أثر التعرض للشائعات عبر الإنترنت، ومستوى الإيمان بالشائعات وغيرها من التأثيرات، لفهم هذه الظاهرة تمامًا، يجب أن نفهم أولًا سبب مشاركة الإشاعات في المقام الأول.

وهكذا، فإن سماع شائعة في عدة مناسبات سابقة هو مؤشر رئيسي لمقدار إيمان الأفراد بها؛ سواء أكان ذلك في سياق النزاعات العرقية خارج العالم الغربي، أو في سياق الإيمان بالقصص المزيفة المتعلقة بالأخبار داخل العالم الأكثر تحضرًا.

على الرغم من اتساع الاهتمام بالموجة الحالية من الشائعات في الديمقراطيات المتقدمة، فإن علم النفس المختص بالشائعات مفهوم جديد نسبيًّا في العلوم النفسية والأنثروبولوجية والبيولوجية.

بينما تعزز عدة دوافع نفسية انتشار الشائعات بشكل عام، تشير الدلائل إلى وحدة الدوافع لمشاركة الشائعات ضمن الصراعات بين المجموعات؛ إذ يعد الصراع بين المجموعات واحدًا من أكثر الأنشطة البشرية تعاونًا، والدرجة النسبية للتنسيق هي عملية تنافسية أساسية تظهر مهارات المجموعة الأفضل في التنسيق.

وفقًا لذلك، يعضد الصراع بين المجموعات من دوافع التماسك داخل المجموعة، وقد أظهرت العديد من الشواهد الواقعية كيف أن الصراع بين المجموعات يزيد التعاون والفعالية.

تعد مشاركة الشائعات جزءًا من أدوات تحفيز المجموعات، وهي أداة أساسية لتوليد الاهتمام المشترك المطلوب حول القواسم المشتركة في المجموعات. إذ من خلال مشاركة شائعات معادية، يهدف المشاركون إلى توجيه انتباه الجمهور وتوحيد عملهم لغرض التعبئة ضد المجموعة المستهدفة، والإشارة إلى استعدادهم للانخراط في تصعيد الصراع (أي المساعدة في أي تحرك جماعي).

في هذا المنظور، يكون المشارك أقل اهتمامًا بقيمة حقيقة الشائعات. بدلًا من ذلك، فإن الشائعات المعادية هي أقرب إلى صرخة حشد، وضعت بشكل غير مباشر لنشر فظائع المجموعة المستهدفة. واحدة من أبرز الشواهد لهذه الديناميات النفسية تأتي من دراسات حالات مفصلة عن اندلاع أعمال شغب عرقية عنيفة، مثل تلك الموجودة في رواندا ومنطقة البلقان. بث التهديدات المخفية وإظهار الاعتداءات المرتكبة بشكل سري، مثلت الجانب الأبرز في شائعات ما قبل الشغب. ثم يأتي دور الشائعات في حالة الشغب؛ لأنها مرضية ومفيدة للمنخرطين وقادتهم. من غير المرجح أن تحتوي الشائعات على معلومات دقيقة. إذ تسود الشائعات لأنه مطلوب منها تنظيم بعض الأدوار في العملية.

توفر الدراسات في كل من العلوم السياسية وعلم النفس، دليلًا على أن الهويات السياسية للمواطنين في الديمقراطيات المتقدمة تنبثق من العمليات النفسية الجماعية العامة، ومن ثم، فإن هذه الآليات النفسية نفسها هي التي تتعامل مع الهويات العرقية والنوعية.

علاوة على ذلك، فإن الشائعات السياسية التي تُنشر في سياق النظم السياسة الديمقراطية المتقدمة تشترك في تشابه ملحوظ مع الشائعات التي تُنشر للتعبئة ضد المجموعات الأخرى في البلدان الأقل تحضرًا، على سبيل المثال، أعمال الشغب العرقية تؤكد قوة المجموعة، وتقييمًا منخفضًا للمجموعة المستهدفة، وكذلك الاستعداد للمواجهة.

هذا التشابه في المظهر يدل على التشابه في الأصل النفسي، إذ تجري مشاركة الأخبار المزيفة ونظريات المؤامرة وغيرها من الأشكال الحديثة للشائعات السياسية، ليس بسبب قيمتها الحقيقية؛ ولكن لأن الموجه ينظر إليها كأدوات لتسهيل التعبئة ضد مجموعة معينة أو تجاه هدف مقصود.

ومع ذلك، في حين أن هذا الافتراض النظري هو تطبيق مباشر للأفكار حول تبادل الإشاعات عبر العلوم السلوكية، فإنه يترك الباب مفتوحًا لمعايير أساسية لفهم وضع الديمقراطيات المتقدمة، من خلال الإجابة عن التساؤلات الأهم التي تمثل: من هم المشاركون للشائعات السياسية العدائية ومن هم المحفزون للتوجيه بالضد من؟

إن ظهور وسائل التواصل الاجتماعي وتداول الشائعات السياسية قد حدث في أعقاب تطورين اجتماعيين – سياسيين واسعي النطاق.

الأول نتج من تزايد الاستقطاب السياسي عبر الديمقراطيات الغربية. إذ عمل على تغذية الصراع أيضًا على المستوى العام. إذ أصبحت هناك مشاعر عدائية متزايدة تجاه الأشخاص الذين يدعمون حزبًا سياسيًّا مختلفًا، وقد لاحظ الباحثون تطور الحزبية السلبية حيث السياسة تساهم بتحديد الهوية للفرد في المقام الأول بسبب العداء تجاه حزب سياسي معارض.

الثاني، نتج من تزايد المنافسة بين النخب داخل الحزب السياسي الواحد، مع الاستياء الناشئ من النظم السياسية القائمة. استطلاعات الرأي في الديمقراطيات المتقدمة، لا تشير فقط إلى زيادة عدم الرضا عن أساليب الديمقراطية، ولكن أيضًا عن وجود شعور عام بـ«الهزيمة» في مجتمع اليوم. هذه المشاعر بدأت مع تفاقم عدد من المؤشرات الموضوعية المتعلقة بالرفاهية، بما في ذلك قلة فرص العمل والركود بمستوى الأجور، وزيادة عدم المساواة، وارتفاع حالات الاعتداء على الحريات، وأحداث العنف السياسي.

إن للواقع النفسي للجماعات البشرية دور رئيسي في مشاركة الشائعات؛ إذ إن الافتراض بأن مشاركة الشائعات السياسية المعادية تعكس الدوافع لمساعدة منافس سياسي ضد الجهات الفاعلة الأخرى، أو أي أحد من النخبة لا يمثل مجمل الصورة؛ إذ إن مشاركة الشائعات لا تحدث لأن الناس غير متأكدين مما هو حقيقي وما هو خاطئ؛ إذ إن اليأس والسخط الذي اعترى الناس لدرجة جعلهم لا يهتمون بالحقيقة وميالين لاستخدام أي جزء من المعلومات المضطربة.

كما أن افتراض أن السلوك العدائي عبر الإنترنت يعكس ببساطة الدافع إلى «المتعة» بعيد كل البعد كذلك عن الواقع، كما بالإمكان إثبات أن مشاركة الشائعات المعادية هو (أيضًا) فعل واضح الهدف من قبل بعض الأفراد في اتجاه حشد الجمهور للسعي وراء الفوضى.

يوجد العديد من الراديكاليين الساخطين في كل المجتمعات. عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أتاح الفرصة لهؤلاء الأفراد المتطرفين أن يجدوا بسهولة أشخاصًا مشابهين لهم في التفكير، ويمكنهم مشاركة وجهات نظرهم بسهولة أكبر. علاوة على ذلك، تواجه مجتمعات اليوم تطورات اجتماعية سياسية مختلفة، تعد دافعًا لتنمية الرغبة للجماعات الفوضوية للمشاركة بشكل أكبر مقارنة بعدة عقود سابقة.

وبالتالي، فإن تزايد عدم المساواة، وارتفاع مستوى عدم الرضا عن الديمقراطية ونوعية الحياة، يصب باتجاه العوامل الرئيسية المحركة للحاجة إلى الفوضى. الاستياء الشديد المعبر عنه في «الحاجة إلى الفوضى» هو رأي الأقلية، ولكنه رأي الأقلية الذي حصل على قدر لا يصدق من الدعم.

وبالتالي، إذا كنا نريد أن نعرف لماذا اكتسبت الشائعات السياسية العدائية مكانة بارزة في النقاش العام، فإن الجواب يكمن بأن هناك أقلية كبيرة من الأفراد يشعرون بالاستياء لدرجة أنهم على استعداد للتعبئة ضد النظام السياسي الحالي لمعرفة ما إذا كان ما ينجم عن الفوضى تجاهه سوف يولد شيئًا أفضل لهم.

التحكم في العديد من الأخطاء المحتملة المرتبطة بكل من التصرفات السياسية، والاحتياجات النفسية، وسمات الشخصية الخبيثة، وكذلك المتصيدين المتطرفين، والاستجابات الضعيفة للأنظمة، جعلت ارتباطات الدوافع الفوضوية الخاصة بالمشاركة بدلًا من الاعتقاد والتصديق، وبالتالي، فإن المعتقدات بشائعات معادية لا يمكن أن تربك تمامًا العلاقة بين الدوافع الفوضوية وتقاسم الدوافع.

دراسة أنواع الأفكار والسلوكيات التي يحفزها الناس للترفيه عندما يجلسون بمفردهم (وحيدين) أمام الحاسوب، أو يجيبون عن الاستطلاعات، أو يتصفحون منصات التواصل الاجتماعي أصبح ضرورة ملحة لكل مجتمع على حدة؛ ففي عصر الأخبار المزيفة والشائعات السياسية المعادية، قد ينتهك السلوك الذي ينتهجه الفرد للنظام، بل قد يهزم النظام. يكفي بعض الأفكار الفوضوية التي تؤدي إلى بضع النقرات لإعادة تغريدها أو مشاركتها.

عندما تعزز أصداء عمليات مماثلة عبر أفراد متعددين بعضهم البعض، يمكن أن تصل إلى سلسلة من الشائعات السياسية المعادية. الأحداث الحالية، تقدم أول دليل على الأثر النفسي للفرد والجماعات لبناء الرأي العام للمجتمع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد