قال العالم الرياضيات الشهير برتراند راسل ذات مرة: «إن قوانين الرياضيات هي صحيحة ليس في عالمنا فقط، بل في كل العوالم الممكنة». ما كان يقصده هو إن القوانين الرياضيات الأساسية تكون عامة وشاملة وثابتة في كل الأزمنة والأمكنة ومهما تغيرت الظروف. هذه القوانين (بنظره) هي جزء متضمن من الكون، لا تستطيع أن تجردها وتتوقع بقاء العالم.

وهي الركيزة الأساسية في خلق نظام داخل العالم بدلاً من العشوائية والفوضى. وهي التي تخلق أنماطًا في الطبيعة. لذا حتى لو اخترت أي عالم تريد من العوالم الممكنة، وعش أينما أردت وفي أي زمن شئت، سوف ترى وجود تلك القوانين ثابتة نفسها (سوف ترى مثلاً إن 1+1=2 أينما ذهبت وأي شيء جمعت). لكن ماذا لو كان هناك عالم تنهار فيه تلك المسلمات وتتحول الرياضيات إلى علم كاذب.

الفرق بين النظام العشوائي والنظام الفوضوي

الرياضيات هي مرادفة للنظام، وهي نقيض العشوائية التي تعرف: كتناوبات مضطربة ما بين مختلف الأنماط في مختلف الأزمنة والأمكنة، وهذه تناوبات تجعلها غير قابلة للتنبؤ بمستقبلها.

والعشوائية تعني عدم اتخاذ شيء ما نمط معين ثابت داخله (كشكل معين أو اتباع نظام معين في داخله). تنبع العشوائية من الشيء نفسه وليس من الظروف الموضوعة فيه ولا من الأشياء الأخرى المتأثرة عليه. يمكنك التفكير في العشوائية كوجود خلل ما داخل كائن حي، يتحول من خلال ذاك الخلل إلى جميع أشكال الكائنات بصورة عشوائية من دون سبب معروف.

أقرب مثال إلى العشوائية هي الضوضاء البيضاء التي كانت تظهر في تلفازات القديمة عند عدم استلام الإشارة. لأنك لم تكن تعلم كيف ستظهر نقطة معينة منها (بيضاء أم سوداء) أو متى ستظهر، فإن جميع المتغيرات الوجودية فيها كانت عشوائية.

اما الفوضى فهي تناوبات في نمط تصرف شيء ما، وهي ليست نابعة من الشيء نفسه ولكن من البيئة الموضوعة فيها والعوامل التي تجعلها تخرج من نمط ما إلى نمط آخر. ومثال على الفوضى هو الطقس الذي يكون فوضويًا في تشكيلاته وتصرفاته واتجاهاته، حيث إننا لا نستطيع التنبؤ بها بشكل دقيق لفترة زمنية طويلة، بالرغم من أنه يتبع قوانين الفيزياء والطبيعة وبالرغم من أن الجزيئات التي تساهم في تكوينه ثابتة، إلا أن التدخلات وتشابكات بين العديد من العوامل التي تؤثر على نظام الطقس يجعله فوضويًا.

وكذلك الأمر لحركة جزيئات الغاز، حيث لا يمكننا التنبؤ بمسار ذرة غاز واحدة بيقين، لأن هناك عديد من المؤثرات التي يمكن أن تتلاعب بمسارها. الفوضى هي تغيرات غير منتظمة تحدث خارج الشيء وليس في داخله. يرجى الانتباه على أن العشوائية داخل الشيء تنتج حتمًا فوضى في تصرفاته، ولكن وجود فوضى في تصرفات الشيء لا تعني وجود عشوائية في داخله.

قوانين الرياضيات وعلاقتها بالنظام المنتظم

جميع القوانين الرياضياتية تصف نمطًا متكررًا في الطبيعة، وتعتمد عمل تلك القوانين على توقع بقاء النمط ثابتًا في المستقبل دون تغيره إلى نمط آخر بشكل فوضوي وعشوائي. مثلاً، نحن نتوقع أن 1+1=2 ان تبقى ثابتة في المستقبل، فإذا تغير المجموع إلى 3 يومًا ما، لن نقدر بعدها أن نعتمد على قاعدة الجمع المسلمة.

الرياضيات تحتاج إلى النظام بقدر ما هي تصنع النظام، نظام ذات نمط محدد، نظام تتكرر تصرفاته زمنيًا، وتكثر وجوده مكانيًا. أي عشوائية في النظام تؤدي إلى سقوط الرياضيات كعلم.

لو افترضنا وجود عالم عشوائي من العوالم الممكنة، حيث لا مجال فيه لأي شيء أن يُنظم ويأخذ نمطًا معينًا، لا وجوديًا (أي عدم وجود أشياء منتظمة أو التي تتبع قانون معين) ولا زمنيًا (تتغير نمطها من زمن إلى آخر بشكل عشوائي) ولا مكانيًا (لا تأخذ نمطًا معينًا في نقطة معينة من الفضاء)، لرأينا عجز الرياضيات تمامًا عن وصف ذلك الكون، وسقوط حتى أبسط قواعدها من الجمع والطرح والضرب.

هذه واحدة من عيوب الرياضيات المثالية؛ إذ أنها تملك كامنًا لفهم جميع أنماط المنتظمة في كوننا المنتظم، وتبنيها تعطي صاحبها الأفضلية في توقع أحداث تلك الأشياء، لكنها تخذلنا عند دراستنا للعشوائية، وتعمي بصرها النفاذ في توقع المستقبل أمام العوالم العشوائية.

الرياضيات تعتمد على الأنماط،، فهي تخمن بأن تلك الانماط سوف تتكرر وتبقى ثابتة. ونستطيع بهذا التخمن أن نبسط الأنماط إلى قوانين ونماذج ومبادئ التي تجيد توقع هذه الأنماط أو تمثلها. أما عند عدمية الأنماط في الطبيعة، تعني ذلك أن الرياضيات قد أصبحت بلا فائدة، وإن كبار علماء الرياضيات مثل برتراند راسل قد يكونون مخطئين أحيانًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد