في سنة 1687، كان نيوتن يعتقد أن العالم عبارة عن نظام محكم، وأن كل شيء يمكن أن ندرسه من خلال قوانين الحركة التي وضعها فهو أشبه بآلة، نعرف كيف تعمل، وكيف يمكن أن تتوقف، فلو قلت لنيوتن مثلًا في عام 2025 أين سيكون مكان جسم ما، ولنفترض أنه كوكب المشتري، سيعطيك موقعه بالتحديد.

سنة 1814 أتى عالم آخر اسمه لا بلاس وأتى بالمبدأ المعروف بالحتمية Determinism وقال إن وضع الكون في الحاضر هو نتيجة وضعه في المستقبل، ووضعه في الحاضر سيكون سبب وضع الكون في المستقبل، أي أننا نستطيع أن نعرف المستقبل إذا عرفنا الماضي وفهمنا الحاضر، لا بلاس كان ينتهج نهج نيوتن نفسه، فقد كان يعتقد أن العالم عبارة عن آلة وقد تكلم عن التنبؤ بالمستقبل فقال إننا إذا كنا نستطيع أن نعرف تحركات الأجسام الكبيرة وأين سيكون موضعها في المستقبل فإننا سنستطيع أن نعرف تحركات الأجسام الصغيرة ومنه سنتعرف على سلوك الكائنات وتوجهها المستقبلي.

غير أن هذا الكلام فنده هايزنبرغ، قال: إن مسألة التنبؤ تنطبق على الأجسام الكبيرة مثل الكواكب، لكنه صعب على المستوى الذري، فحتى مدار الإلكترون حول النواة يختلف عن مدار الكوكب حول الشمس، لكن هناك حلًا، أسماه هايزنبرغ بــ quantem state أي أننا نستطيع أن نقول إن الإلكترون سيكون في الموقع الفلاني بنسبة20% وفي الموقع الفلاني بنسبة 25% مثلًا وفي الموقع الفلاني بنسبة 45% وهكذا، أي أن الأمر صعب، بل يمكن القول إنه مستحيل، والسبب أننا حتى نعرف موقع الذرة لا بد أن نضربها بشعاع، ومن خلاله سنعرف موقعها لكن المشكل هو أننا عند ضربها بهذا الشعاع ستغير مكانها ولن نقدر على معرفة الاتجاه الذي ستذهب إليه وهنا المشكل، لكن إن استطعنا أن نعرف مكانها واتجاهها سنستطيع ربما التنبؤ بالمستقبل.

نعود لموضوعنا، لنفترض مثلًا أنه لدينا مساران وقلت لك إن هذين المسارين في الظاهر يبدو أنهما متساويان لكن في الحقيقة هناك فرقًا ضئيلًا جدًا بينهما، هل سيتأثر مسار حركة الجسم بسبب هذا الاختلاف البسيط جدًّا؟

نيوتن قال إنها لن تؤثر بل على العكس فإننا نستطيع أن نعرف حركة أحد الأجسام من خلال معرفة حركة الجسم الآخر.

في سنة 1967، أتى العالم ماكسويل وقال إن الفروق البسيطة في البداية تؤدي إلى فروق في النهاية، لكن هذه الفروق تكون بسيطة وليس له أي تأثير.

بعدها جاء عالم آخر اسمه بوان كاري Poincaré، قال إن الوضع النهائي لأي جسم يعتمد اعتمادًا حساسًا جدًا على وضعه في البداية بدليل أن علماء الأرصاد الجوية يجدون صعوبة كبيرة في التنبؤ بالطقس لأن أي تغير ولو كان طفيفًا في البداية سيقود إلى تغير كبير في النهاية، وهنا ظهرت نظرية الفوضىchaos theory .

نظرية الفوضى تقول إن الحساسية المفرطة للقياسات في الأوضاع الابتدائية تؤثر بصورة كبيرة على النتائج في الأوضاع النهائية، وأن إهمال الفواصل الكبيرة في الأرقام مثلًا أو أية متغيرات تبدو بسيطة، ستفاجئنا بنتائج غريبة في النهاية.

والفوضى التي نحن لا نلقي لها بالًا أصبح لها نظام، وهذا ما تحاول نظرية الفوضى تفسيره ودراسته.

العلماء في البداية رفضوا هذه النظرية ولم يأخذوا بها، وهذا لأنهم كانوا يعتقدون أنهم أسياد العالم من خلال قوانينهم التي خيل لهم أنهم يفهمون العالم ويسيرونه عبرها.

في سنة 1961

أتى إدوارد نورتون لورنتز وهو عالم رياضيات وأرصاد جوية، قام بتجهيز مجموعة كبيرة من المعلومات حول الطقس «درجة الحرارة، الرطوبة، الارتفاع على مستوى سطح البحر…» وأدخلها في حاسوب، كل هذا من أجل أن يتنبأ بالطقس، وبعد انتظار مدة طويلة أعطته بيانـًا كما في شكل، وبعدها أراد أن يعيد التجربة فقرر أن يدخل البيانات لكن هذه المرة من نصف البيان ولا يبدأ من الأول وهذا حتى يربح وقتًا، كانت النتائج في البداية متطابقة مع التجربة الأولى إلى أن وصلت إلى منطقة معينة بدأ البيان بالانحراف وأصبح لا يشبه البيان الأول، في البداية تعجب واعتقد أن هناك خطأ في الحاسوب، لكنه اكتشف أنه عندما أدخل ارتكب خطأ في إدخال البيانات وأخذ ثلاثة أرقام بعد الفاصل فقط وأهمل 0.000127، واعتقد أن هذا الرقم الصغير لن يكون له أي أثر ولكن عندما قام بالتجربة من جديد اكتشف أن تلك الفواصل الصغيرة لها تأثير كبير في النهاية.

وعلى هذا الكلام وبالتحديد سنة 1972 ظهر ما يعرف بتأثير الفراشةbutterfly affect والتي تقول إنه إذا حركت فراشة جناحيها في البرازيل فإنها قد تسبب إعصارًا في تكساس، أي أن تلك الرفرفة البسيطة لجناح فراشة واحدة قد تكون سبب في إعصار، ولو أخدنا بالاعتبار أن هناك أكثر من مليون فراشة، فإن رفرفتهم قد تكون من أسباب حدوث إعصار.

ومنه فإن التغيرات البسيطة في أي شيء سيكون لها تأثير كبير في النهاية، تأثير الفراشة لا تستعمل فقط في الفيزياء فهي تستعمل في العديد من مجالات الحياة، فمثلًا علم الاقتصاد يأخذ بالاعتبار نظرية الفراشة، فأي تغير بسيط في أي شيء قد يكون سببًا في ارتفاع الأسهم وزيادة الأسعار أو العكس.

وأيضًا في حياتك اليومية فتأثير الفراشة له أثر كبير، تخيل مثلًا أنك كل يوم تقوم بالمطالعة نص ساعة فقط أو 15 دقيقة فقط، ربما تعتقد أنك لا تفعل شيئًا، ولكن مع الوقت ستجد أن تلك الربع ساعة لها تأثير كبير على حياتك، ولو كنت تريد أن تكتسب عادة حسنة أو تتخلص من عادة سيئة استعمل تأثير الفراشة، فلا شيء يأتي بين ليلة وضحاها، كن متدرجًا كل يوم تخلص من شيء أو اكتسب شيئًا، قد يبدو الأمر بسيطـًا لكن تأكد أنه مع الاستمرار ستفاجئ بكمية التغير الذي حققته. لتعرف أكثر تأثير الفراشة أقرأ هذه المقولة:


أي أن ضياع مملكة كان سببه ضياع مسمار حدوة الحصان، لهذا لا تستخف بالأعمال التي تقوم بها حتى وإن بدت لك أنها صغيرة وأنها لا تساوي شيئًا.

  • للمزيد انظر: هنا وهنا 
  • وثائقي يتحدث عن نظرية الفوضى
  • انظر كتاب نظرية الفوضى علم اللامتوقع – جيمس غليك

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الفوضى
عرض التعليقات