بمجرد أن دخل المطعم كاد يقع “في فيلم مودرن تايمز” ، فحذاؤه المهترئ غير معتاد على المشي فوق الأراضي الملساء، عادته هي المشي فوق الأسفلت القاسي أو فوق الأراضي المتعرجة، مهاجر دومًا صوب الحرية وهو يضرب بعصاه الأرض أملاً في تفجر أحد ينابيع الحبز

هذا هو متشرد شابلن صاحب الخطبة الشهيرة عن كثرة ما نعلم وقلة ما نشعر، لكن كيف يتأتى لمتشرد أن يتحدث بالحكمة؟ وكيف يدعي هذا المتسكع أنه قادر على تنبيهنا إلى ما فات مثقفي العالم وساسته؟

وفي جملة واحدة من أين يستمد هذا المتشرد – المفرغ من كل سلطة أو قوة- قوته؟

ينبهنا أوجيه كايو إلى كون المقدس زوج مفهومي مزدوج الدلالة، فالمقدس هو المسحوب من التداول، والبعيد عن التناول، هو محفوظ دون الاقتراب.

والدخول إلى عالمه يستدعي طقوسًا ما، وبالتالي فالمقدس لا يقابل المدنس بل المقدس- المدنس يقابل العادي، فالمدنس كذلك أي غير الطاهر وغير النقي هو أيضًا مسحوب من التداول، وهو كذلك يمتلك قوة – مدمرة هذه المرة- تجعلنا غير قادرين على التعامل معه دون احتراز بطقوس ما.

نستطيع تبين هذا الازدواج في مفهوم القداسة/ الدناسة في التعامل مع شخصية المجنون أو عبيط القرية التي أبقت عليها روايات من كتبوا عن الريف، فالمجنون ممسوس من الجن لكنه أيضًا بركة من الله، إنه نتاج القداسة والدناسة معًا، لذا فهو دومًا موطن تبرك ومنبر حكمة من ناحية، وهو ملازم لعالم الدنس السفلي من ناحية أخرى، فهو ملازم للأطفال ولقصص الجنيات ويدخل أحيانًا عالم النساء وأسرارهن دون خوف منه أو عليه.

وفي نزعة موغلة في الرومانسية يصبح هو النقي الوحيد، فهو وحده خارج العادي، خارج خلافاته ودمويته وصراعاته، من هنا مثلاً اهتم الرومانتيكيون بالمسوخ، وأعادوا لهم هيبتهم بعد أن أضاعها عصر الوضوح والتناسق والعقلانيةز

ومن هنا أيضًا كانت المؤسسة التي استطاعت استيعاب المجانين في العالم الإسلامي هي مؤسسة التصوف كما ذكر محمد بن الطيب، وهذا لكونها خارجة – أو هذا ما تتصوره أو تأمله- عن صراعات المجتمع وعن حصر الاهتمام بالجنون في موقفه من التكليف كما عند الفقهاء.

إذن هل متشرد شابلن مسخ؟ هل هو عبيط القرية؟ هل هو المدنس حيث هو خارج المجتمع الذي اعتبره دوركايم المقدس؟ وإن لم يكن هذا كله فمن أين يستمد قوته؟ من أين يستمد قدرته على البقاء أولاً ثم على تنبيهنا لأخطائنا بعد ذلك؟

ربما لكي نستطيع تحديد سر قوة متشرد شابلن، علينا أن نتركه قليلاً، ونحاول رسم صورة للمتشرد تعتمد على التركيز على علاقة المتشرد بعالمه، ثم نعود لقراءة متشرد شابلن عبرها.

ما التشرد؟
___________

وحديثنا هنا عن المتشرد الأصيل، أي الذي لا ينبع تشرده من هامشيته، بل الذي يثير تشرده ضرورة تهميشه حفاظًا على الاستقرار والثبات.

ثمة قوة كامنة في كل تشرد أصيل، تنبع لا من عدم انتماء المتشرد إلى فئة ما، بل من أصالة عدم انتمائه إلى أي فئة، فالمتشرد هو هذا الذي قطع كل حبائل الاتصال السري بعالمه نحو تلك الفرادة الأصلية غير القابلة للمحو أو الاختزال.

وتلك المسافة التي يبنيها المتشرد تجاه عالمه نابعة من عدم الاكتفاء أو الوثوق فيما تم، وهي مسافة لا تنكر الواقع المبعد ولا تنفي ثقله، لكنها تركز على طفو هذا الواقع فوق فضاء الاحتمالات، إنها رؤية تواجه واقعها باحتمالية عدم وجوده من الأساس، رافضة العيش في ماضٍ حدده سابقون، إنها قمة اليأس من كل شيء حد العدم، وقمة الأمل فيما يحمله العدم من إمكانات.

وهذه المسافة التي يتخذها المتشرد تجاه عالمه، لا يتخذها فوق هذا العالم أو أسفله، إنه يتخذها على حواف هذا العالم، خارج ثنائيات النخبوي والشعبي، واليمين واليسار، والتقليدي والحداثي، إنه العيش فوق حمم انفجار كل الثنائيات، فالمتشرد لا يعلم ولا يلقِن، وهو كذلك لا يتعلم ولا يلقَن. إنه عائم في فضاء من الأسئلة التي لا تستند على صلابة كتف أطلس، بل على أسئلة أخرى بلا قاع.

والمتشرد مهاجر أبدي، يعلم أن ما يقوله بمجرد أن يقوله فقد انضم إلى العالم، لذا عليه أن يقف على مسافة منه، على حوافه، فالمتشرد يرفض عبادة جزء منه، والمتشرد المهاجر رواقي، يكتسب أمانه من ذاته بالذات، لا يمتلك الأشياء بل يتعاطف معها ونزعة الترك مميزة له، ترك كل شيء بحثًا عن لحظة تواصل عميقة مع الكون والناس.

والمتشرد علماني بمعنى أنه لا يؤمن بقدرية ما حدث، أو بأن تاريخ البشر مصاغ بخطة مسبقة أو أن ثمة قائمة من الأفكار قد ألقتها يومًا السماءز

“فما حدث حدث لخيارات بشرية لا لقدر إلهي” – كما يقول إدوارد سعيد- وكذلك الأفكار، والمتشرد متدين بمعنى إنه شديد الإيمان بالمعنى، دينه لا يقوم على الطاعة ولا على التمرد، فهو خارج ثنائية الطاعة/ التمرد وما يبطنها من ذنب ولعن، فدينه قائم على المرح والبهجة والخلق والانطلاق.

والمتشرد لا يحزن لفراق فردوس الرحمن، ولا يملك حنينًا لوحدة مفقودة، بل يؤمن بأن الانفصال أصلي لا يمكن محوه، الوجود ليس وحدة بل انفصال، والطفل أبدًا لا يعود إلى رحم أمه، وماهيتنا أمامنا ملقاة تنتظر من يحققها بيمينه لا من يحاول استمدادها من خلف ظهره.

والتشرد ليس مرحلة تسبق شيئًا، فهي لا تطمح لخلق إطار جديد كالسابقين، بل تطمح لتكريس التشرد كجزء رئيس من كل إطار.

إذا استحضرنا في ذهننا هذه السمات ونحن نراقب متشرد شابلن سنجد أن قوته غير نابعة من كونه مسخًا، أو من كونه مدنسًا أو عبيط قرية، بل من كونه يقف على حدود عالم المقدس المدنس في مقابل العادي، فهو خارج هذا العالم يستعيد تقييم لماذا صار المقدس مقدسًاز

ولماذا تم تدنيس آخرين؟ لماذا قدست القوة والعنف، ولم يقدس الحب؟ لماذا علا العقل على القلب؟ لماذا تقدس المجتمع جد نفي الفرد؟

لماذا دنس الفقر لدرجة جعلت الطبيب في فيلم “ذا كيد” لا يتحاور مع شابلن إلا عبر وسيط، كأنه يخشى انتقال دناسة الفقر إليه؟ لماذا تقدس المصنع والآلة والسجن وتدنست الحرية والتلقائية والمراعي الخضر؟ تلك هي أسئلة شابلن المعبرة عن أصالة تشرده مصدر قوته.

شابلن في الأدب المصري
_______________

بتحليل تيري إيجلتون للفظة المثقف في اللغات الأوروبية توصل لارتباط اللفظة بمعاني القداسة، وهي قداسة استمرت بالفعل في اعتبار المثقف نفسه خارج عن صراعات المجتمع يتحدث بأفكار مطلقة أو فطرية، وربما اللفظة العربية مثقف لا تختلف كثيرًا في استعادتها معاني التشذيب التي تعد استمرار لتخيل المتكلم – مثقف الحضارة الإسلامية- نفسه مفارقًا لصراعات المجتمع مدافعًا عن أفكار مطلقة صادقة.

وهي أفكار يدعى إليها الناس ويربون عليها دون حق لهم في مناقشتها، لكن هذا التصور الذي يتصوره المثقف العربي لنفسه لم يكن يومًا هو التصور الوحيد بين المثقفين، ولم يكن فولتير وديكارت وبيكون وشكسبير وبلزاك هم وحدهم ملهمو المثقف المصري والعربي، بل إننا نجد أن شابلن كان ملهمًا للبعض أيضًا.

فكما يلاحظ محمد الفارس قد كانت شخصية المتشرد ملهمة لجاهين في إبداع عازف البيانولا، الذي يشبه في تشرده وحذائه المرتفع إلى أعلى وعصاه متشرد شابلن – متشرد شابلن يغني أيضًا كما في مودرن تايمز- يبدو أيضًا أن شخصية الفنان الفقير في أغنية فؤاد حداد التي غناها وجيه عزيز، والتي تلوم الشرطي على إيقاظه، تذكر بصراعات شابلن والشرطي المصر على ملاحقته.

وشرطي أفلام شابلن يلاحق المتشرد دون أن يفعل هذا الأخير ما يستحق المعاقبة، حيث ما يستحق المعاقبة هو كونه متشردًا، يتحدى بتشرده شمولية المنظومة التي يمثلها الشرطي، كذلك تحدى الفنان بتشرده منظومة الحقائق المطلقة التي يدافع عنها “المثقف- الشرطي” – لو استعرنا مصطلح علي حرب- هو ما يحفزه على إيقاظ الفنان الدائم، وربط الأغنية بين النوم والحياة من جهة، والاستيقاظ والموت من جهة أخرى، مناسب لكون المثقف- الشرطي لا يريد سوى دمج الفنان في منظومة قواعد جاهزة، أي قتله مقابل إخراجه من الهامش!

 

وهذا الجانب الذي يستحق التتبع في مسيرة الثقافة العربية الحديثة والذي يضحك من محاولات تصوير المثقف نفسه كراعي الحقيقة ومربي الأمة ويحتفي بقيم التشرد الأصيل، غير راجع بالضرورة لكوننا نحيا عصر يخضع فيه المثقف بل والنبي للدراسة بعد ما كان ينظر إليهما ككائنات محلقة فوق المجتمع.

ولكن لكون التشرد نفسه هو سمة رئيسة في النبوة التي تمثل عمود ثقافتنا ويستبطنها داعية التنوير والأسلمة ويتسمد من ترسخها في الأذهان سلطته والقدرة على الإيهام بمطلقية أفكار ما.

فالهجرة وعدم الإخلاد للأرض – المنتهي والمتحقق- وإدانة الثابت والمستقر ووضع عالم (المقدس- المدنس/ العادي) موضع سؤال، التساؤل حول لماذا تقدس هذا وكيف تدنس ذاك، كلها خصائص لازمة للنبي، فالنبي هو المنتهك الأكبر لمقدسات عالم يقف على حوافه.

إنه يحيل مقدساتها من كائنات تثير الرهبة والإجلال لكائنات تثير الضحك، لذا ليس تحطيم إبراهيم للآلهة هو أعلى أفعال الانتهاك، بل أعلاها وضع الفأس على كتف كبيرهم!

لكنا نسينا خوف النبي وشكه وقلقه وحيرته لصالح يقينه وأمانه وموثوقيته، وبعد أن أيقظتنا الثورة من سباتنا العميق وفتحت لنا باب العابرية علينا أن نعيد النظر في الأمر كله.

لا فقط رغبة في التقاط هذا الجانب المهمش من النبوة، بل للتساؤل؛ ألا يمكن أن تكون قوة النبي وتأثيره غير نابعة فحسب من حديثه عن تلقيه وحي خارج عن صراعات المجتمع – أو من كاريزمته بمصطلح فيبر- بل نابعة من كل هذه الصفات التي ذكرناها، أي من تشرده.

وتشرده لا يجعله فوق المجتمع أو أسفله، يمينه أو يساره، مصطفاه أو منبوذه، لكن فقط على مسافة منه تفتح الباب للإمكانات التي يحفل بها العدم!

ومحاولة القفز على هذا المسافة خوفًا من شعور العابرية والقلق لن يجدي سوى إعادة تلك الأنساق الفكرية والسياسة التي لا تحسن سوى القتل والتهميش تحت مسمى الإيقاظ والتنوير وإحياء الدين وإقرار النظام من هنا تكتسب قيم التشرد الأصيل أهميتها، ومن هنا تكتب قيم التشرد الأصيل أهميتها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد