الدراسة الموسومة بـ«البعد المخفي» «the hidden dimension» لمؤلفها «إدوارد هال» نشرت قبل أكثر من خمسين سنة، ويهتم بها أشخاص من خلفيات معرفية مختلفة لتنوعها وتداخلها في المجالات المعرفية المتنوعة.

الدراسة تبحث في أسلوب تعامل الإنسان مع الفضاء المحيط به، وكيف تؤثر حواسه المتعددة في إدراك هذا الفضاء، وإن بعد الشخص عن الشخص الآخر وطريقة النظر إليه، ومسافة اللمس بينهما، واختلاف ثقافة كل منهما، تؤثر في تصرف الاثنين معًا في مسائل الحياة اليومية.

يبتدئ الكتاب بطرح فكرة أن المؤثر الأول والأهم في الإنسان هو المؤثر البيولوجي؛ لذا يسترسل الكتاب في ذكر دراسات متنوعة عن الحيوانات ضمن بيئاتها، فيشرح كيف تتصرف الجرذان عند زيادة تعدادها السكاني مع ضيق المساحة، وكيف أنه، ورغم توفر الطعام، فإن ضيق المسافة بحد ذاته كان سببًا كافيًا لحدوث اضطرابات بيولوجية «انخفاض مستويات الحمل مثلًا» وتفشي الأمراض بينها، إضافة إلى اضطرابات في التصرفات «بعض الفئران بدأت تعض أذيال فئران أخرى بهستيرية».

أُجريت تجارب أخرى على حيوانات عدة، كالسرطانات والأسماك والغزلان، بظروف مشابهة، ويوضح الكاتب أن حواس الحيوانات تعطيها إمكانية لإدراك الفضاء المحيط بصفته بعدًا مهمًّا يؤثر في تصرفها مع الأفراد الآخرين، فالحيوانات ذات البصر القوي لها حيز أوسع، وأخرى تعتمد على الشم أو اللمس كانت أكثر تقاربًا مع بني جنسها؛ تحيط الحيوانات نفسها بمسافات عدة، منها مسافة الهرب «عند دخول عدو ضمنها يهرب الحيوان» والمسافة الحرجة الأصغر «عند دخول عدو ضمنها يهجم الحيوان»، ومسافة شخصية وأخرى اجتماعية «للتعامل مع الأفراد ضمن نفس النوع»، إضافة لكون الكثير من الحيوانات حيزية، أي لها مساحة تحميها، كالأسود مثلًا.

إن ضيق المساحات والحيز المحيط، وزيادة التعداد السكاني، أدى في كثير من الأحيان إلى اضطرابات عجيبة «الموت الجماعي في أحد أنواع الغزلان» رغم توفر الطعام بشكل كافٍ.

ينتقل الكاتب بعدها للإنسان، ولكونه كائنًا بيولوجيًّا لا يختلف عن الحيوانات، فإن الكثير من العوامل مشابهة عنده، فأقوى الحواس لدى الإنسان هي البصر، وهو يعتمد عليها كثيرًا في تحديد مكانه ضمن الحيز المحيط، تليها حاسة الشم، ثم اللمس الذي لا يتجاوز حده طول الذراع؛ وأن الإنسان لديه أيضًا أربع مستويات من المسافات، المسافة الحميمية «أقل من 40 سنتيمترًا، وهي مخصصة للمقترنين، ويرى فيها المرء تفاصيل الوجه بقرب قد يؤدي إلى تشوه في الرؤية، فيرى الأنف وبؤبؤ العينين أكبر مما يفترض، ويحس بحرارة جسم الفرد المقابل»، والمسافة الشخصية «بين 40 و90 سنتيمترًا، للمقربين فقط، يمكن للمرء فيها رؤية حركة العين وعضلات الوجه بوضوح، مع إمكانية اللمس»، والمسافة الاجتماعية «من 1 إلى 3.5 متر، ويتركها الشخص للعمل، لا توجد فيها إمكانية اللمس، مستوى الصوت فيها طبيعي»، والمسافة العامة «من 4 إلى 7 متر، وهذه يتركها الشخص للغرباء تمامًا أو يتركها المشاهير بينهم وبين الآخرين، يحتاج فيها إلى رفع الصوت لإسماع المقابل، وبعض تفاصيل الوجه تكون غير واضحة».

في القسم الثاني من الدراسة، يوضح الكاتب أثر الثقافة على إدراك الشخص لهذا البعد «البيولوجي- الاجتماعي»، فيذكر مثلًا أن الألمان يحبون الخصوصية بشكل كبير، فترى أن غرفهم تكون مغلقة الأبواب بصورة عامة، في حين أن الأمريكي إذا رأى الباب مغلقًا فإنه يفهم أنك لا تريد الحديث معه؛ وأن الألمان يحترمون الانضباط بحدود الفضاء ومحتوياته كما هي، فمثلًا تحريك الكرسي لوضع آخر في اجتماع رسمي قد لا يُفسر بشكل لائق، وإنما على الجالس أن يحترم التنظيم الموجود؛ كما أن الألماني إذا كان يستطيع رؤيتك فأنت ضمن حيزه الخاص، ففي حالة وجود اتصال بصري «وإن كنت خارج الغرفة مثلًا» فعليك أن تحيِّيه وإلا فأنت فظٌّ، أما الأمريكي فيحق له ألا يكلمك ما دام خارج حدود الفضاء الفيزيائي «عند باب الغرفة دون الدخول إليها مثلًا».

يذكر الكاتب أيضًا أن الإنكليز أقل اختلاطًا بجيرانهم من الأمريكيين، وأن الفرنسيين أكثر اجتماعية من الجميع، لذا فإن شوارع باريس أكثر متعة وبهجة من شوارع لندن، إضافة إلى اختلافات في طريقة النظر ومستوى الصوت؛ يذكر الكاتب أيضًا أن اليابانيين أكثر مرونة في فهم الفضاء، وأن قواطع الجدران عندهم متحركة وخفيفة، تغير شكل الغرفة وحجمها بسهولة، ولا يبالي اليابانيون أن يناموا جميعًا في غرفة واحدة على الأرض، بعكس الغربيين الذين لديهم تخصص واضح في الفضاءات.

يتحدث الكاتب عن العرب أيضًا، فهو يذكر أن المدن العربية صاخبة جدًّا ومزدحمة، بعكس المنازل العربية الهادئة والكبيرة نسبيًّا، وأن العرب يتصورون الرجل الأمريكي فظًّا وقحًا يدفع الناس دفعًا، في حين أن الأمريكيين يعتبرون كثرة التلامس بين العرب وقاحة وتدافعًا أيضًا، ويذكر أن الحدود الفاصلة بين الناس مختفية تقريبًا، وأن على المرء أن يدافع عن حيزه الشخصي، وإلا استولى عليه شخص آخر؛ ويوضح أن العرب اجتماعيون جدًّا، ولا يحبون الوحدة، ومنازلهم مصممة لتجمع أفراد العائلة في مكان واحد بدل تفريقهم في غرف متعددة، ومن الأمثلة التي تشير لذلك ورود عبارات في اللغة العربية مثل «جنة بلا بشر مثل جهنم».

ملاحظة أخرى يوردها الكاتب أن البيوت العربية أوسع من الأمريكية «للطبقة المتوسطة نفسها» ذلك أن العرب لا يحبون الفضاءات الصغيرة، وأن الحيز الشخصي للعربي، مرة أخرى، مبهم وغير واضح، فالعرب يشبهون الفضاء الضيق بالقبر؛ وبالعكس من ذلك، فإن العرب عدوانيون للشخص الغريب، وتنقلب هذه الحرية في التعامل إلى العكس مع شخص غير معروف؛ فرغم إن المجتمعات العربية مختلطة الأديان والثقافات، فإنك إن لم تكن من نفس الدين، أو المذهب، أو القبيلة، فأنت غريب، ولا تعد بعيدًا عن شخص متطفل وعدو محتمل.

كما أن مستوى التشارك عالٍ جدًّا عند العرب، فمثلاً من الطبيعي جدًّا أن يتناقش بائع وشارٍ في المعاملة على سعر شيء ما، ويدخل رجل ثالث في النقاش فقط لأنه واقف بالقرب منهما، وهو أمر غريب جدًّا في المجتمعات الغربية، أو مثلًا إذا تشاجر شخصان، فمن الواجب على جميع الموجودين أن يفكوا الشجار؛ بمعنى أن الأفراد العرب يتدخلون في شؤون بعضهم البعض دون أن يُعد ذلك قلة أدب أو فظاظة منهم.

وفي الحقيقة، فإن الكاتب يذهب بعيدًا في بعض تحليلاته، فيذكر أن عدم وجود حدود صارمة بين الناس تجعل العرب متساهلين في مسألة التدافع و«قرص النساء ولمسهن» في وسائط النقل العام، ولا أعلم أن المجتمعات العربية تتسامح في مسألة لمس النساء، فالعرب سريعو الاستفزاز عند هذه المسألة «باعتبارها مجتمعات مسلمة بالأغلبية»؛ وملاحظة غريبة أخرى يوردها الكاتب أن العرب يضعون الخدم في غرف صغيرة في منازلهم، وتحوي هذه الغرف على فتحات، ليتمكن صاحب المنزل من مراقبة الخادم دائمًا، وهذه الملاحظة لا يمكن تفسيرها بأي من النماذج السابقة التي ذكرها المؤلف، سواء أكانت العدوانية مع الغرباء أو التودد العالي مع الأصدقاء.

كما يذكر المؤلف أن الحدود بين الأفراد مبهمة لدرجة أن القاموس العربي لا يضم ترجمة لكلمة «Privacy»، وكلمة الخصوصية في الحقيقة تؤدي المعنى بشكل جيد، أو أن سبب تساهل العرب مع التدافع والاستيلاء على الحيز الشخصي للفرد الآخر، هو بسبب ضغط الصحراء وازدحام المدن، ومرة أخرى نجد التحليل غير واقعي، فالمدن الصينية والهندية واليابانية أكثر ازدحامًا ولا تضغط مدنها الصحاري.

ربما يكون سبب ميل الكاتب لهذه التحليلات هو المنهج المتبع في الدراسة، فالكاتب عندما حلل أثر التزاحم على الحيوانات، اعتمد دراسات علمية تمت تحت ظروف مراقبة ومسيطر عليها، لكنه عندما وصل إلى دراسة أثر الثقافات في إدراك الإنسان للفضاء المحيط، اعتمد كثيرًا على معرفته الشخصية ولقاءات مع أفراد من تلك الثقافات، وتجد كثيرًا عبارات مثل «تفاجأت، شعرتُ بغضب، أحسستُ بالراحة»، فالدراسة تعتمد كثيرًا على ما يفهم الكاتب من ثقافات هؤلاء الأفراد، والعينات التي التقى بها خلال أسفاره وحياته.

ورغم أن هذا ليس خطأً بالمبدأ، إذ إن المراقبة والتفسير آلية من آليات البحث العلمي، فإنه يضيق عينة البحث بشكل كبير، فهل يكفي الالتقاء بعشرة أو عشرين ألمانيًّا من عشرات الملايين، لاعتبار الألمان ثقافة لا تحب تغيير مكان الكرسي؟

فلا أظن الباحث فرق بين عرب اليمن وعرب مصر، أو عرب المدن وعرب القرى، فالتفاوت بين المدن والقرى في البلاد العربية غير قليل، كما أن البلاد هذه تضم ثقافات أخرى غير عربية، لكنها مرتبطة مع المكان بالتاريخ والدين، دون الثقافة واللغة، وهو تأثير لا يمكن إغفاله.

إن مجال الـ«Proxemics»، علم التقرُّب، والذي يدرس الفضاء الذي يحتاجه الإنسان والكائن الحي حوله ليشعر بالراحة، يستخدمه الباحث لتفسير سلوك الكائنات الحية، لكن عندما يأتي الأمر لتفسير أثر الثقافة على فهم الإنسان للفضاء وسلوكه ضمنه، لا يقدم الباحث نموذجًا واضحًا، بل يعتمد على لقاءاته وتجاربه الشخصية مع أهل الثقافات.

تبقى الدراسة من أهم ما كتب في هذا المجال، وبعد خمسين سنة من نشر الطبعة الأولى، ما يزال الكتاب قيمًا ومهمًّا لكل قارئ، من ناحية سهولة لغته وبساطة الأسلوب، وتنوع المجالات التي يتعامل معها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد