تختلف النظم المتبعة في التدريس بين مؤسسة وأخرى على حسب المنهج التربوي الذي تتبعه، وتؤثر كذلك على ثقافة البلد المعين، وهذا ما يعطي انطباعًا وصورة واضحة حول التعليم ودرجة كفاءته، ومستوى منافسة هذه النظم للنظم التعليمية العالمية.

فمجال التربية والثقافة في المؤسسات التعليمية هو موضوع واسع طولًا وعرضًا، ولا يقل قدره عن أي موضوع آخر في المجتمع، فباهتمامه ورعايته حياة المجتمع وازدهاره ونمو قدراته العلمية والتربوية في مختلف فصائل هذا المجتمع، وإعطائه الأهمية القصوى من الضروريات، والتي لايمكن الاستغناء عنها.

هناك ثقافة تربوية شائعة في غالبية مجتمعاتنا، والتي تمس واقع الطلاب، وكيفية تعاملهم داخل المؤسسات التعلمية في جميع مراحلها المتسلسلة ابتداءً من مدرسة تعلم القرآن الكريم، وانتهاءً بالمراحل العليا الجامعية؛ فهي مبنية على ممارسات وأحكام تعتمد على الامتحانات والنتائج دون الرجوع إلى آليات أخرى تبنى على قياس وتقييم معرفة الطالب.

فهذه الثقافة تتعامل مع الطالب كآلة حاسوبية يخزن الكثير من المعلومات ويسجل الملاحظات، ثم يسترجعها في الوقت الذي أتت الحاجة الماسة إليه ويحتاجها المستخدم المعلم كأوقات الاختبارات أو الامتحانات، فهو إن لم يستوف تنفيذ هذه الأوامر، ولم يتمكن من قراءة، أو كتابة تلك التسجيلات الكتابية، فهو معطل مثل آلة حاسوبية لم تتمكن من آداء ومعالجة العمليات المعقدة.

وأهم عنصر معروف في هذه الثقافة هي أوراق الإمتحانات، وهي التي تحدد معرفة الطالب وثقافته الكاملة، فكل من يكتب ويملأ أسطر هذه الأوراق ويكتب الكلمات والعبارات كما كانت في أسطر كتاب الدرس؛ يعتبر من الفائزين والناجحين وذوي الكفاءات.

وأما البقية، والذين لم يجيبوا الأسئلة بصورة كاملة، وضعفت ذاكرتهم، ولم تستحضرها أذهانهم، وحازوا درجات ونقاط أقل من البقية فهم الساقطون أو قليلو المعرفة؛ ومراتبهم التعلمية منخفضة وربما ينعتهم أهلهم وأصحابهم بأنهم جاهلون أحيانًا وتكون معيبة الدهر لا تغيب عنهم.

إذًا تلك أحكام تلقيها المؤسسات التعلمية وتوزعها على طلابها على حد سواء، فهي مجرد أحكام واهية لا تستند إلى مرجعية تربوية صحيحة؛ لأنه لايمكن أن يتم الاقتصار على مجرد أوراق امتحانات فقط في تحديد شخصية إنسان كامل بعلمه وثقافته ومعرفته الواسعة وطويلة الأمد، فالطالب في نظرهم إما ناجح أو فاشل استنادًا لنقاط الامتحان. فهذه نظرة لا تعطي الصورة الحقيقية عن طبيعة الإنسان ومستواه العلمي.

وهذا النموذج الذي أخذنا صورة مختصرة عنه، شائع في أغلب المؤسسات والأنظمة التعلمية في عالمنا اليوم، فهو نظام تقليدي يتسبب في إبعاد الكفاءات، والفئات المبدعة في المجتمعات، وتكثر أعداد الحفاظ والإنسان الآلي الذي يحفظ الدروس ويقرؤها مثل الأدعية والترانيم.

فهناك دول تجاوزت هذه الثقافة التربوية التقليدية، وبدأت تطبق مفاهيم جديدة وأكثر واقعية وملائمة في شخصية الإنسان وإبداعاته وظروفه الفردية. فمثلًا الدنمارك تعتبر من أحسن دول العالم في مجال التربية والتعليم؛ فهي قطعت شوطًا كبيرًا في كيفية تطوير نظم المناهج والثقافة التربوية لدى المؤسسات التعلمية.

فهم لم يحسنوا فكرة أوراق الامتحانات فقط؛ بل أضافوا طرقًا مبتكرة لاستخراج مكامن الطلاب منذ نعومة أظفارهم من سن الروضة، فبرامج الحدائق والفصول المفتوحة في الهواء الطلق والطبيعة كانت من أبرز محطات الدنمارك لتحسين مجالها التعليمية.

وكذلك تحويل الفصول إلى بيئة تلائم وتناغم شخصيات الطلاب وأعمارهم؛ وتدريبهم على النقاش وإبداء الآراء واتخاذ القرارات، وما إلى ذلك .. فهو تطور وخطوات نحو الأمام وتستحق الاقتداء بها والأخذ منها.

وأخيرًا أرى الظلم أو التقصير في حق الطلاب، ما دامت المدارس والجامعات تتبنى منهج التحكيم على الطلاب بين دفتي أوراق لا ترقى إلى مستوى التفرقة الصحيحة بين متعلم وغيره، فالقضية أبعد من ذلك. فمثلًا هناك فرصة نجاح شخص ضعيف المعرفة والفهم، وربما يتأخر المتعلم والفاهم في الامتحانات.. فمازال الطريق نحو تغيير هذه المفاهيم طويلًا، ولكن تجربته والتحول من الطريقة القديمة يفيد أكثر مما يضر، بل هو فائدة مجتمعية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد