أيًا كان الدافع للارتباط وبناء الحياة الزوجية فإن الاستقرار هو الهدف الأول والغاية الأسمى من الزواج، والمقصود بالاستقرار هنا لا يقتصر على الاستقرار العاطفي الوجداني فحسب كما يعتقد الأغلبية ولا يقصد به الاستقرار العائلي المعيشي ففي ذلك نظرة سطحية لموضوع الزواج، بل يؤخذ مصطلح الاستقرار إذا ما اقترن بالزواج معنى أعمق من ذلك بالكثير.. فالزواج للاستقرار يشمل مناحي حياة الإنسان ككائن بشري والتي ترتكز على خمس جوانب الاستقرار الروحي والفكري والبدني والاجتماعي والانفعالي.

فنحن نتزوج رغبة في الاستقرار الروحي والفكري «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً» ونتزوج للاستقرار البدني «يا أيها الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغضُّ للبصر، وأحصن للفَرْج» ونتزوج للاستقرار الاجتماعي «وانكحوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ» ونتزوج رغبة في الاستقرار الانفعالي «قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً». وإن تحققت هذه الجوانب كلها أو بعضها في العلاقات الزوجية، إلا أنه كثيرًا ما تدخل الحياة الزوجية في فترة ركود ورتابة تكبر مساحتها شيئًا فشيئًا، فتصبح الحياة الزوجين مجرد واجبات متبادلة فرضتها بنود العقد الموقع بين الزوجين، وتصبح أدوار الزوجين مجرد أدوار روتينية رسختها عادة التكرار والتعايش تحت سقف واحد. فيدور كل من الزوجين في فلكه الخاص ولا تتوفر مؤشرات التلاقي أو التقاطع إلا بشكل نادر جدًا، وإن حدثت فإنها لا يستغرق إلا بضع دقائق.

لا أحد من طرفي العلاقة يبحث عن أسباب ما آلت إليه حال العلاقة، والمتضرر الأكبر فيهما يسعى وحده للبحث عن حلول لينجُو بمركب العلاقة من السقوط في منعرج الانفصال. إن السبب الرئيس والأول لسقوط العلاقة الزوجية في دائرة البرود والرتابة هو انتهاء الرصيد العاطفي لطرفي العلاقة أو لأحدهما فلو تم التركيز على شحن هذا الرصيد من جديد لانتعشت العلاقة الزوجية واستعادت بريقها. فما المقصود بالرصيد العاطفي وكيف يتم شحنه من جديد؟

الرصيد العاطفي هو ذلك الكم من المشاعر التي يرسلها طرف إلى طرف أخر في شكل ذبذبات عاطفية على أن يعطي الطرف الآخر مؤشَرا لاستقبالها، شانها شان شريحة الهاتف المحمول التي تحتاج للتعبئة كلما نفذ رصيها، فشريحة بلا رصيد فارغة المحتوى لا يمكنها الاتصال. تلك هي المشاعر الإنسانية إن فقدت الرصيد الكافي للتواصل أصبحت فارغة المحتوى. تؤول الحياة الزوجية للركود والبرود العاطفي حين ينتهي الرصيد المستَقبل من الطرف الآخر أو حين تتعطل التغذية الراجعة فلا تجد الرسالة المرسلة من أحد الأطرف إلى الطرف الآخر رجع صدى.

كيف يمكن أن نشحن الرصيد من جديد؟

أثبتت الدراسات الاجتماعية والنفسية أن شحن الرصيد العاطفي يتحقق من خلال خطوات عملية فعالة فما هي هذه الخطوات؟

1- الخروج من الدائرة: والدائرة المقصودة هنا هي دائرة العادات اليومية التي ننصاع لها مستسلمين بحكم العادة، بمعنى محاولة إتيان ما هو غير مألوف – من حين لأخر – كالتغير في العادات اليومية البسيطة، مكان الأكل، مكان النوم، طريقة اللباس، تغيير بعض الأدوات والحاجيات المنزلية المعهودة وإلى غير ذلك من العادات المنزلية المشتركة التي قد تبدو بسيطة في مظهرها، لكنها عميقة في مدلولها. فلما لا تغيير الزوجة بعض من أواني وأطباق المطبخ ولم لا يقدم فطور الصباح في المكان الأكثر تهوية. كل ذلك من شأنه أن يدفع بدماء جديد للمخ ونبض جديد يحقق رصيد إضافي لمشاعر الزوجين كما أن لتغيير أفرشة وستائر البيت الدور البالغ في تجديد النفسية وتغيير الملاح وإشراقه الوجه والسريرة؛ مما يحقق شحن الرصيد العاطفي بوحدات شعورية جديدة.

2- الذكريات المشتركة: نفض الغبار على الذكريات المشتركة للأيام الأولى من العلاقة كلما تسلل البرود إليها من شانه أن يبعث في العلاقة دماء جديدة فلا بأس من فتح كتاب الذكريات من صور وهدايا وتوقف عندها واسترجاع لحظاتها المبهجة.

3- الأصدقاء المشتركون: استقرار العلاقة الزوجية واستمرارها لا يكون هدف الزوجين فقط، بل يشاركهما فيه بعض الأقارب والأصدقاء وعليه حين يتخلل هذه العلاقة بعض الاضطراب لا بأس أن يكون الأقارب والأصدقاء مرفأً نركن إليه لاستعادة توازن العلاقة من خلال الزيارات المتبادلة والحوارات المشتركة.

4- الهواية المشتركة: نحن عادة نتزوج أضدادنا ويقال إن العلاقات الأكثر نجاحا تلك التي يكون طرفاها متعاكسين في الطباع، ذلك أننا نبحث في الطرف الأخر عما ينقصنا لنكتمل، وما يمتن العلاقة الزوجية أن يشترك الزوجان في ذات الهواية، وأن يحاول أحدهما مشاركة الآخر هوايته فمشاركة ذات الهواية يوطد العلاقات ويشحن الرصيد العاطفي.

5- السفر: لا يحتاج الأمر أن نعدد فوائد السفر وهي كثيرة، وليس هذا المجال لعدها الآن لكن فكرة السفر كحل للخروج من برود العلاقة الزوجية هي الفكرة الأكثر فعالية وهنا يجب أن تأخذ فكرة السفر من زاويتها البسيطة القابلة لتحقق وبأقل التكاليف الممكنة، كسفر نهاية الأسبوع أو السفر لفترة قصيرة مرة كل شهرين، إن ذلك بعث روحًا جديدة في الحياة الزوجية والسفر كشاحن لرصيد العاطفي تظهر آثاره سريعًا على الطرفي لتواجدهما معًا في أماكن مختلفة، يعني ذكريات جديدة، صور جديدة، وأصدقاء جدد.

إذًا شحن الرصيد العاطفي هو التجديد والتجدد، تصرفات بسيطة وتغييرات طفيفة في سلوكياتنا اليومية رصيد عاطفي إضافي من شانه أن يضفي على الحياة الزوجية مزيدًا من البهجة المتبادلة ويوفر جوًا أكثر استقرارًا للزوجين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد