في البداية لا بأس أن نشرح ماذا نقصد بالعمل التطوعي المنتج والمستهلك. أما المستهلك فهو كل عمل خير سواء كان مالًا أو جهدًا يُبذل في حاجة لا يرجى منها إعادة إنتاج أي شيء آخر -عدا المصلحة التي وضع خصيصًا لأجلها- ومثال ذلك كأن تعطي مالًا لأجل إجراء عملية جراحية لمريض، أو أن تدفع أجرًا شهريًّا لعائلة معوزة، فصرف هذا المال أو بذل ذلكم الجهد ينتهي بمجرد القيام به مقابل الخدمة.

ونقصد بالعمل الخيري المنتج هو كل مال أو جهد يسخر لحاجة يرجى منها أن تنتج شيئًا متجددًا ولا ينتهي بانتهاء العملية التطوعية، ومثال ذلك شراء جهاز إنتاجي لعائلة معوزة قصد إعالتهم بما ينتج الجهاز، أو استحداث وقف (عمارة، سيارة إسعاف، مشاريع منتجة،…إلخ) ففي هذه الحالة العمل التطوعي يعتبر متجددًا وغير منته.

فالأموال التي تصرف للمساهمة في تمويل عمليات جراحية داخل الوطن أو في الخارج لذوي الدخل الضعيف والفقراء شيء جميل، وأجمل منه أن تعطى لرعاية طلبة وتكوينهم في الطب أو غيرها من المجالات أو إنشاء مستشفيات، فتلكم هي المشاريع الاستراتيجية وإن شئت قلت عملًا خيريًّا استراتيجيًّا منتجًا.

إن العمل التطوعي المنتج هو عمل ذو مخرجات متجددة وباقية بقاء الوقف أو الجهاز أو الطبيب; أما العمل الخيري المستهلك فمخرجاته غير متجددة، نذكر هنا أن أرباح الوقف في تركيا سنة 2016 بلغت 220 مليون دولار.

لعل من أهم أشكال العمل الخيري المتجدد هو نظام الأوقاف، ذلك أن استحداثها واستثمارها شيء مهم وضروري، إذ يندرج دورها في رعاية الأطفال والطلبة وتمويلها «الدائم والمتجدد» للمشاريع الخيرية، فهي مشاريع ذات بعد استراتيجي لا ينتهي خراجها أبدًا، إلا أن المتأمل في بعض البلدان العربية في المغرب العربي لا يكاد يجد أوقافًا كباقي دول المشرق (إلا ما ندر) وذلكم نتيجة قصور فكري وتنظيري أنتج هذه الحالة، حيث لا تكاد تجد المتحمسين لمثل هذه المشاريع، عكس المشاريع الخيرية قصيرة المدى سريعة النتيجة رغم كونها محدودة التأثير وغير مستدامة وتدخل ضمن العمل الخيري المستهلك غير المتجدد.

إن العمل الخيري المستهلك هو حل آن عكس العمل الخيري المنتج الذي يعتبر حلًا مستدامًا, والعمل الخيري المستهلك هو ملء فراغ، أما العمل الخيري المتجدد فهو إنتاج تقنية ووسائل وبرامج وأدوات وأوقاف لملء فراغات عدة.

لا بأس أن نذكر هنا أن بعض الأعمال التي ينظر لها على أنها خيرية تطوعية متجددة مثل المنح الدراسية التي تعطى للنوابغ من طرف السفارات الأجنبية للدراسة في كبرى الجامعات، هي تدخل كذلك ضمن إطار ما يسمى القوة الناعمة (soft power)، تلكم العملية التطوعية هي من قبيل العمل الخيري المتجدد وله آثار ونتائج بعيدة المدى، إضافة إلى أنه استثمار لكسب الولاء حين يصبح هؤلاء الطلبة إطارات مسؤولين في المستقبل.

خلاصة القول يتضمنها المثل القائل «بدل أن تعطيني سمكة علمني كيف اصطادها» فقد بات من الضروري الاتجاه تدريجيا من العمل الخيري الاستهلاكي إلى العمل الخيري المنتج لما له من فائدة على المدى المتوسط قد تغطي جميع الاحتياجات الاستهلاكية الآنية ويكون له تأثير مستدام وهذا الانتقال التدريجي يحتاج في البداية تغيرًا على مستوى أفكار المجتمع ومتطوعيه وفاعلي الخير كي نستطيع تجسيد هذا الانتقال بشكل سلس وملحوظ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد