اعتاد المسلمون منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم على حب الخير، ولاسيما الصدقات كأحد أهم العبادت التي لها مكانة وأجر عظيم في الإسلام، فانطلق الرعيل الأول ملبيًا دعوة الله ورسوله بالإنفاق في سبيل الله، فهذا يُجهز جيشًا، وآخر يتصدق بقافلة كاملة، وثالث يُنفق كل ماله لله، فشهد ميدان العمل الخيري تُقدمًا ملحوظًا حتى وصل الحال أن الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز لم يجد فقيرًا يحتاج لاموال الصدقات، وتعكس هذه الحالة من الرخاء والاستقرار واختفاء طبقة الفقراء إلى أهمية معنى فقه الأولويات في أموال الصدقات عند الصحابة والتابعين.

وعلى هذا المنوال صار الناس يفقهون معنى الصدقة وأين تُؤدى، حتى ظهور الدولة الأموية وإنفتاح المسلمون على غيرهم وتأثرهم بالحضارات الأخرى فبدأت فكرة الاهتمام بالمساجد وبناء قصور السلاطين وغيرها من التشييد المعماري وعندئذ بدأت الوصلة تنحرف شيئًا فشيئًا، ومع إنحراف البوصلة زاد عدد الفقراء والمحتاجين للمال على الرغم من توافره، إلا أن الأموال كانت تذهب في غير موضعها، وصار الاهتمام ببناء المساجد من أعظم الأولويات عند الناس.

تمهيد تاريخي لابد منه لنعرف كيف تم تغيير مفهوم الصدقة الحقيقي حتى وصل الأمر إلى ما نراه الآن؛ إذ لا يخفى على عاقل أن هناك خلل في معنى فقه الأولويات في تصريف الصدقة وأين تذهب، فتحتل بناء المساجد المكانة الأولى في تصريف أموال الصدقات؛ ذلك لأن الناس يُقيمون الأمور بعواطفهم، ويظنون أن بناء بيت من بيوت الله مع كثرة الفقراء والمرضى ومع حالة التعسر المالي للشباب على الزواج لهو أعظم أجرًا وأفضل قربة من الله، هذا الخلل أدى إلى حدوث انقلاب في كيان المجتمع فصار الفقير الذي لا يجد قوت يومه يُشاهد الملايين تُنفق من أجل الجامع كبير البناء، عظيم التشييد، وهو لا يجد ما يسد جوعه.

وربما يظن البعض أن المقال لا يشجع على بناء المساجد، بل يحاربها، ولكن الحقيقة أن إطعام الفقير وعلاج المريض ومساعدة شاب يريد العفاف لهو أفضل من بناء الف مسجد إن لم يكن هناك حاجه حقيقة لبناء هذا المسجد، بل الفاجعة أن ترى خطيبًا يحُث المُصليين على التبرع من أجل تغيير سجًاد المسجد الذى مازل يتمتع برونقه وجماله وتغيير إنارة المسجد ومازلت تعمل وتجديد ألوان المسجد، أي فقه هذا؟ أليس الفقراء والأرامل والأيتام والغارمين والمرضي هم أولى بهذ الأموال؟ ما قيمة تغيير سجاد مسجد ما أو تحديث إنارته وبجوار المسجد فقير يتألم من الجوع أو مريض يأن من الألم ولا يجد قيمة علاجه.

إننا بحاجه إلى إعادة النظرة في مفهوم الصدقة. يجب على المُتصدق أن يُبصر بعين قلبه أولًا لمن يتصدق وما الجدوى الحقيقة التى تعود على المسلمين من هذا الصدقة، ومن نافلة القول أن الأمر لم يقتصر على لفت النظر إلى الأولويات، ولكن الجانب الأكثر مصيبة هو من يلعب على وتر الصدقة وأجرها ومكانتها في الدين، ومن ثم استثارة عواطف الناس، ثم يتم توجيه أموال الصدقات في غير موضعها. أنا لا أتفهم كيف تعمل مؤسسة خيريه عملاقة على حث الناس على الصدقات لها من خلال إعلان تليفزيوني يتكلف الملايين، ثم تجد من تلك المؤسسة وغيرها تعنتًا وجمودًا مع المرضى والمحتاجين، يا سادة لابد أن تفهموا جيدًا أى الجهات أحق بالتبرع لها.

لابد أن يتحمل العلماء والمفكرون مسؤلية تبصير الناس بجدوى الصدقة ومكانتها مع التنبيه على حُسن تصريف أموال الصدقات حتى يحدث هناك توارن مجتمعي، فلا يبقى هناك فقير، والآلاف المساجد تُشيد بالملايين، فيعيش الناس في استقرار ورخاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد