يحتاج كلٌ منا للرد المناسب في الموقف المناسب، وهي موهبة شئنا أم أبينا فإننا نحتاجها، وإن لم نمتلكها بالفطرة فإن تعلمها يحسِّن من قدراتنا، وينقلنا درجة أرقى في التعامل مع شتى المواقف، وكما قيل: إذا ازدحم الجواب خفي الصواب، والمكثار حاطب ليل؛ فمن هذا ندرك أن الإحسان في الإجابة يقتضي الرد الموجز والمؤثر في ذات الوقت، وهذا ضربٌ من البلاغة.

وإن كنا عرضنا سلفًا لمجموعة من المواقف والردود البديعة؛ فإننا اليوم على موعد مع رحلتين في رياض الأجوبة المستحسنة والمسكتة، ونطير إلى الأندلس ومنها إلى بغداد، وهي رحلة ماتعة نقتطف من ثمار أبطالها ما نستعين به على التعامل مع الناس من حولنا في كل وقتٍ وحين.

كان أبو العلاء صاعد عالما باللغة والآداب والأخبار، حاضر البديهة سريع الجواب، أصله من الموصل وعاش ردحًا من عمره في بغداد؛ فلما ضيَّق الدهر عليه الخناق انتقل إلى الأندلس، والتحق بمجلس المنصور أبي عامر الحاكم الداهية الشجاع؛ فأدناه منه لما لمس فيه من حسن المعاشرة والفكاهة والعلم وقوة الذهن وجودة الخاطر.

الجزء الأول: الإحسان في الإجابة.. من أمارات النجابة (1) 

ولا تخلو هذه المجالس من الموتورين، ومن يكيدون لبعضهم البعض دون هوادة، وتعرض أبو العلاء لهذا البلاء، لكن سرعة بديهته أنقذته من المواقف الحرجة. كان أبو العلاء صاعد قد ألف كتاب الفصوص على نسق كتاب النوادر لأبي علي القالي، ودفع الكتاب لبعض غلمانه ليعبر به نهر قرطبة؛ فاختل توازن الغلام وسقط والكتاب في النهر. انتهز خصوم أبي العلاء هذا الموقف، ووظفوه ليخدم مأربهم في النيل منه؛ فقال أبو عبد الله محمد بن يحيى المعروف بابن العريف شعرًا في مجلس المنصور:

قد غاص في البحر كتاب الفصوص وهكذا كلُّ ثقيلٍ يغوص

فضحك المنصور والحاضرون، ولم يهتز أبو العلاء أو يرهب الموقف بل قال على البديهة:

عاد إلى معدنه إنما توجد في قعر البحار الفصوص

وهذا الجواب الخاطف بمثابة هجمة مرتدة قوية، واستطاع أبو العلاء أن يرد كيد ابن العريف وغيره، ولا يضطلع كل أحد بهذا الرد العجيب.

اقرأ أيضًا وحر الصدور 

ونعود أدراجنا من القرن الخامس الهجري إلى القرن الثالث، ومن الأندلس إلى بغداد حاضرة الخلافة العباسية، والمشهد قريب في أجوائه مختلف في أبطاله وزمانه ومكانه؛ فالبطل في مشهد بغداد حبيب بن أوس المعروف بأبي تمام الشاعر (188- 231هـ)، والمكان بلاط الخليفة المعتصم، وحدث أن امتدح أبو تمام الأمير أحمد بن الخليفة المعتصم في قصيدة مطلعها:

ما في وقوفك ساعةً من باسِ تقضي ذِمام الأربع الأدراس

إلى أن قال في أحمد:

إقدامُ عمروٍ في سماحةِ حاتمٍ في حلم أحنف في ذكاءِ إياس

فالتهب صدر أبي يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي (185 – 256هـ)؛ فقال لأبي تمام حانقًا وأراد الطعن عليه: «إن الأمير فوق ما وصفت، ولم تُزد على أن شبهته بأجلافِ العرب؛ فمن هؤلاء الذين ذكرتهم؟ وما قدرهم؟» هذه وصلة تطبيل من الكندي، ونرى أشباهها كل ساعة على الفضائيات، وهذا ما يقوي اعتقاد البعض أن التطبيل عملة رائجة، وسلاح يسهِّل بلوغ الأماني، ولا يمله أو يأنف منه الباب العالي.

خيم الصمت على المجلس، وأشرقت أسارير وجه الكندي وأضمر الطرب وتظاهر بالغضب، وأيقن في قرارة نفسه أنه نال من أبي تمام، لكن هيهات أن يظفر بحاجته وهو ينافس من لا يُشق له غبار؛ فأطرق أبو تمام قليلًا ثم رفع رأسه وأطلق لسانه فقال على ذات الوزن والقافية:

لا تنكروا ضربي له من دون مثلًا شرودًا في الندى والباس
فالله قد ضربَ الأقلَ لنورِه مثلًا من المشكاة والنبراسِ

يتسع كادر المشهد ليظهر الخليفة وقد أدهشه الرد البليغ، وإعجاب الخليفة يسري سريان الإنفلونزا في وجوه الحاضرين، ويظلم وجه الكندي وبعض متابعيه، وينتصر أبو تمام لنفسه بسرعة بديهته، ويكافئه المعتصم بولاية الموصل. قصف أبو تمام جبهة الكندي لسرعة البديهة وحضور الذهن، وأنت يمكنك أن تطور هذه المهارة إن شئت، ولما أخذ القوم الرقعة التي كتب فيها أبو تمام قصيدته، لم يجدوا البيتين الأخيرين فيها؛ فقال الكندي لمن حوله: «إن هذا الفتى لا يعيش طويلًا؛ لأنه ينحت من قلبه»، ولربما كان الكندي صادقًا في فراسته؛ فقد توفي أبو تمام وهو ابن ثلاثٍ وأربعين سنة.

في هذا الصدد.. أثر الردود المفحمة في حياتك 

ينفي ابن خلكان في وفيات الأعيان هذه القصة من الأساس، ويقول: «هذه القصة لا صحة لها أصلًا!»، وقد وردت القصة برواية أخرى في كتاب الموشح للمرزباني، كما ذكرها الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية، وفي كتاب الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي، وغيرها من المصادر الموثوقة. وليس يضيرنا إن كانت القصة غير حقيقية؛ فالذي نرمي إليه هو سرعة الجواب وحضور البديهة، وقد رأيناهما في القصة بما يخدم المرء في تعاملاته.

إذا أعجبتك خصالُ امرئٍ فكنها يكن لك ما يعجبك
فليس على الجودِ والمكرماتِ إذا جئتها حاجبٌ يحجبك

للاطلاع: هل تمتلك قوة الردود المفحمة؟ 

المرء لا يؤكل لحمه ولا يلبس جلده؛ لذا عليه أن يكون حسن التعامل مع الناس، والإحسان في الإجابة والتعامل والردود تصنع فروقًا شاسعة بين الناس؛ فأحسن الناس جوابًا أقربهم للنفوس وإن كان معدمًا، ومن حسن الطالع أن تعلُّم الكياسة في الحديث إلى الناس متاح لمن طلبه، وإذا اجتهدت في طلب هذا الباب وكان عادتك؛ فإنه سيصبح يومًا ما طبعك الذي تُعرف به، وكما قال أبو العلاء المعري:

الطبعُ شيءٌ قديمٌ لا يُحَسُ به وعادةُ المرءِ تُدعى طبعُهُ الثاني

وسنواصل الحديث عن هذا الجانب المهم في حياتنا إن شاء ربنا وقدر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد