شاع خلال المرحلة الماضية استخدام البعض لمصطلح ”الحرب العالمية الثالثة” على الواقع الحالي الذي باتت تعيشه دول مختلفة، شهدت ويلات الحرب ذاتها، التي كانت في الحربين العالميتين الأولى والثانية، من خسائر لم تستثن منها البشر ودمرت الحجر، تاركة خلفها مدنًا فارغة بلا أرواح تبعث فيها الحياة.

ومع ذلك يرى البعض، أن الحرب التي تدور أحداثها في مناطق متعددة من العالم، لتبلغ ذروتها في المنطقة العربية، لا تُقارن بحجم الدمار الذي حل القرن الماضي، في حال تم وضع مقياسين رئيسيين للمقارنة هما الخسائر البشرية أولًا، ثم الاقتصادية والصناعية ثانيًا.

ومهما اختلفت نظرة العالم وتقديرهم، كذلك مقارنتهم بين الماضي والحاضر، فإن الواقع لا يمكن لأحد أن يخطئ في قراءته، حتى يكتشف أن الأزمة التي تعيشها دول متعددة الآن اتخذت طابعًا إنسانياً بحتًا، لابد من التخطيط المتقن  لتجاوز ما خلفه، عبر وضع استراتيجيات عمل واضحة، وتنفيذ تفاصيلها، خلال جدول زمني محدد يصغّر حجم الأزمة ويضمن التعافي السريع منها.

ومن هنا ظهرت منظمات الإغاثة، عقب مناشدة دول عدة للتحرك الجاد، بهدف التخفيف من حجم الكارثة ومنع امتدادها، وقد تمكنت تلك المؤسسات من تقديم مساعدات كبيرة، بأرقام قياسية سجلتها في أماكن مختلفة من أنحاء العالم، يندرج بعضها ضمن قائمة المناطق الأكثر خطورة على مستوى العالم.

ولا يمكن إخفاء التحديات الكبيرة التي تواجهها منظمات الإغاثة، حيث تبرز مسألة نقص التمويل الفعلي لنشاطات تلك المنظمات على رأس القائمة، تليها سلسة المعوقات التي تحد من الوصول الآمن للعاملين، كذلك المتطوعين فيها إلى أماكن النزاع الحاد.

وإلى جانب التحديين السابقين، يمكن إضافة تحدٍ آخر إلى القائمة، يكمن في غياب الأبحاث والدراسات المتخصصة في هذا المجال، والتي من شأن وجودها المساعدة في اكتشاف مواطن الضعف، في عمل منظمات الإغاثة، واقتراح مجموعة حلول تساعد في رسم خارطة عمل جديدة لها. 

وكانت قد دعت منصة أريد المتخصصة في دعم الباحثين العرب الجميع إلى الانضمام إلى ”المؤتمر الدولي الأول للإغاثة العلمية وتطوير برامج المنظمات الإغاثية واستراتيجياتها” كمحاولة في وضح حلول وآليات عملية قابلة للقياس والتطبيق، تُعالج إشكاليات العمل الإغاثي، وتؤكد على الدور البارز للبحث العلمي في دعم هذه الأعمال.

ويناقش المؤتمر الذي يفتح الباب للمشاركة أمام جميع المهتمين بالشأن الإغاثي، خلال 20 و21 من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، محاور عدة، أهمها: آليات العمل الإغاثية الابداعية، وسبل تطبيقها في الأوضاع الراهنة، كذلك التخطيط الأمثل لتطوير برامج المنظمات الإغاثية واستراتيجياتها.

ومع احتدام الصراع في المنطقة العربية، بلغت الحاجة إلى تعزيز جهود تلك المنظمات أشدّها، فمراكز منظمات الإغاثة هذه، باتت تشارك الأهمية ذاتها مع المؤسسات الخدمية المختلفة في أماكن النزاع، حتى إنها تجاوزت في بعض الأحيان من حيث قدرتها على المساعدة أعدادًا كبيرة هم في أمس الحاجة إليها.

وبحسب التقرير الأخير الصادر عن منظمة الأمم المتحدة نهاية يونيو (حزيران) الماضي، فإن عددًا قليلًا فقط من منظمات الإغاثة تمكن من مواصلة عمله وتقديم المساعدة للمتضررين، خاصة في المناطق التي تشهد تصعيدًا عسكريًا وصراعًا مستمرًا. 

وشدّد استيفن أوبراين وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية في التقرير الذي استعرض تفاصيله في جنيف على ضرورة فعل المزيد، قائلًا: “تم تحقيق نجاح حقيقي، ولكن علينا أن نعمل بشكل أفضل في المستقبل لضمان وفائنا بعبارة (البقاء وتقديم المساعدة ) في الوقت الذي أصبحت فيه الأوضاع في العالم أكثر فوضوية وصعوبة في ظل أزمات معقدة وطويلة الأمد، ناجمة عن الصراعات، التحدي الماثل أمامنا يتمثل في ضمان نجاح العمل الإنساني، بالرغم من أن السياق الذي يتم فيه هذا العمل أصبح أكثر صعوبة وأكبر حجمًا.

جهود الأمم المتحدة ونداءاتها المتكررة ليست حديثة العهد، وإنما تعود جذورها إلى أعوام عديدة، وكانت قد نشرت المنظمة عام 2011 تقريرًا حمل عنوان ”البقاء وتقديم المساعدة” قاده يان إيغلان الأمين العام للمجلى النرويجي لللاجئين، شرح فيه إمكانية وجود واستمرارية المنظمات الإنسانية في المناطق الساخنة. 

وبالتوازي مع جهود المنظمات الدولية ودعمها المادي المباشر للمستضعفين في تلك المناطق عملت في ذات الاتجاه على تعزيز ثقافة العمل التطوعي الإنساني حول العالم، وتحديدًا في المنطقة العربية التي غابت عنها قبل سنوات الحرب، وبدت في أجزاء منها خجولة تفتقد إلى التنسيق والتنظيم الممنهج. 

وبالرغم من أهمية عمل المنظمات الإغاثية وضرورتها الحتمية، إلا أنه لا يمكن حجب أهمية إنهاء الصراعات والنزاعات، والاستفادة من الجهود والأموال المنفقة في ذاك القطاع على تنمية الدول وتحسين أوضاعها المعيشية، واعتماد سيناريو السلام الجديد بعيدًا عن سيناريو الحروب القديم. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد