في القرن العشرين بدأت ملامح ثورة صناعية وعلمية, أطاحت بكل ما هو موروث, فتم هدم نظريات وبناء حقائق مكانها تُرجمت اختراعاتٍ على الأرض.

لا يخفى على أحد ثورة عالم التقنية والاتصالات, حيث أصبح الإنسان باستخدام جهازه الجوال يدير معظم أعماله.

في عالم الاقتصاد والإدارة كان هناك ثورة على طرق ونظرياتٍ أصبحت اليوم في عداد الماضي.

في القرن الأخير ما تمّ اختراعه يوازي ما قامت عليه البشرية, فاختراع الطائرات والسيارات والمحركات والإلكترونيات والتقنيات جعلت العالم كأنه قرية صغيرة.

قال لي صاحبي ونحن على مقاعد الدراسة: لم يترك الغرب لنا شيئًا, فقد اخترعوا كل شيء!

قلت له ذكّرتني بمقولة “تشارلز إتش” المفوض الأمريكي لبراءات الاختراع: “كل شيء يمكن اختراعه قد تمَّ اختراعه بالفعل”!

بعد هذه المقولة كانت هناك اختراعات بشعر رأس إتش .

عقولنا كانت صغيرة, ولمّا كبُرنا، أقول الآن لصديقي: لم يخترع العالم شيئًا بعد! فالطريق ما زال بأوله وكما قال الله وقوله الفصل: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا).
يا صديقي إن الله سخّر لنا الكون لنكتشف أسراره, وعلى قدر إرادتنا وقدراتنا يفيضُ الله علينا من علمه, لنكتشف هذه الأسرار, أمّا العاجزون فشماعتهم مقولة “إتش”.

يقول الله تعالى (ومِن كل شيءٍ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون), فخلق الله العمل من زوجين هما الإرادة والقدرة, والإرادة تصنع قدرة, والقدرة تصنع إرادة .

على الإنسان أن يتدبر سر خلقه في قوله تعالى: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور).
وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى (ليبلوكم أيكم أحسن عملا), هو أخلصه وأصوبه, قالوا يا أبا علي: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إذا كان العمل خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا; والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة.

في عالم سمته الفاعلية أصبحت الأمم تتقدم بإتقان العمل (الإحسان), حيث تم وضع آليات وشروط لجودة وسرعة العمل, فعلى صعيد الأمم أصبح التنافس على الإنتاجية من خلال الأسعار والجودة كما يذكر مايكل بورتر في كتب الإستراتيجية, وعلى صعيد الشركات أيضًا كانت إدارة الجودة حافزًا لفهم أذواق المستهلكين ودراسة الأسواق وتقسيمها حسب الشريحة المستهدفة والسوق المستهدف وغيرها من إستراتيجيات تنافسية.

لا ننسى ونحن نعالج موضوع العمل أن نشير إلى أن إخلاص العمل وصوابه يقابل ما يُطلب ممن يقوم به أن يكون مخلصًا وكفئًا, فكان الاهتمام بالعنصر البشري وتدريبه وتطويره ابتداءً للوصول إلى الصواب والدقة في العمل.

إن سوق العمل العربي يعاني من بطالة, وبطالة مقنعة كان من أهم أسبابها: 1- غياب مشاريع التنمية. 2- عدم الاستقرار السياسي. 3- فشل نظم التعليم وعدم التنسيق مع سوق العمل. 4- عدم كفاءة العنصر العربي نتيجة عدم تدريبه وتطويره من خلال برامج مخططة. 5- عدم وجود مشاريع حكومية تقوم الحكومة بدمج الشباب بها, وغيرها من أسباب .
لا نشكك أن الأمة العربية لديها نيّة وإرادة (الإخلاص) في تغيير هذا الواقع المهترئ ولديها القدرة (الموارد والكفاءة والإدارة), وهذا لا يختلف عليه اثنان ولكنها إرادات وقدرات منقوصة, فماذا يعني ذلك؟

إن عدم تواؤم وانسجام الحكومات مع شعوبها في العالم العربي وغياب الرؤية لمشاريع حقيقية يجعل هذه الإرادة منقوصة, فالشعب يريد شيئا والحكومات تريد شيئًا آخر, ثم إن القدرات لا تعني فقط القدرات المادية وإنما القدرات الفكرية والتي تعاني منها الأمة العربية وهذا يمكن ملاحظته من خلال مدخلات الفكر (الأبحاث, المنهجية العلمية, طرق التعليم, ضعف القراءة, قلة براءات الاختراع).

عند الحديث عن هذا الزوج (القدرة والإرادة) الذي ينتج العمل الصالح لا بد من الحديث عن موضوع هام وهو الثقة التي تدفع بالإرادة والقدرة إلى الأمام, الثقة بين الحكومات وشعوبها, بين القيادات وتابعيها في المؤسسات الخاصة والعامة، والتي باعتقادي في عالمنا العربي فإن المصداقية والثقة تكاد تكون في حدودها الدنيا مقارنة مع الغرب.

من ثم يجب الإشارة إلى أن هذا الزوج بدأ بالوصول إلى مرحلة الطلاق, حيث إن الإرادة (الإخلاص) لن تستمر بين طرفين (الشعب والحكومة, أو القيادة والمرؤوسين) إذا كان هناك خيانة بين الأطراف وانعدمت الثقة والمصداقية بينهما بسبب النتائج المتردية لحكومات وقيادات الدول العربية.

ثم إن القدرات المادية بدأت تستنزف لغياب طرق استثمارها إضافة إلى عدم الاستقرار السياسي المتطلب الرئيسي للتنمية, والوطن العربي زاخر بالمواد الخام التي تذهب مجانا للغرب ليتم استيرادها بعد ذلك بعشرات أضعاف السعر الذي تم بيعها به.
إن قيام كثير من الثورات العربية كان من أهم أسبابها العامل الاقتصادي والظلم والاستبداد, وعندما يضرب الله مثلا برجلين أحدهما كلّ والآخر عدلٌ يتبين وكأن هذين المصطلحين يقابلان بعضهما البعض كما يبين في ذلك د. جودت سعيد, وكأن هذين المصطلحين يقابلان الفاعلية واللافاعلية, فتامل قول الله تعالى (وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كلّ على مولاه أينما يوجهه لا يأتِ بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم).

فكأن هذه الآية تميط اللثام عن آلية الفاعلية وآلية إقامة العدل في الأرض, وهذان موضوعا هذا المقال, فأمّة أصبحت لا تقدر على أن تأكل مما تزرع أو تلبس مما تنسج أو تعيش كالطحالب على منتجات الغرب فهي بهذا التعبير القرآني “كلّ” أينما توجه أفرادها لا يأتوا بخير, ثم إن المقابل هو “العدل” الذي بالعمل والفاعلية ومشاريع التنمية المستدامة والعلم يرتقي بالبشر ويحفظ المقاصد الخمسة التي جاء بها الدين, وإن كانت فاعلية الغرب ليست هي المطلوبة لإقامة العدل المطلق

والغرب وهو يشهد الفاعلية يقترب من العدل أكثر من أمة الإسلام التي غابت عنها الفاعلية وأصبحت “كلّاً ” مع ما تحمله من منهج كان كفيلا لو حمل معه الفاعلية أن يحمل العدل المطلق للبشرية جمعاء.

فكما يشير مالك بن نبي إن الغرب تبنّى الفاعلية مقابل الأصالة التي تبنّاها المسلمون فكانت لهم الغلبة بقيام العدل على أمّة الإسلام, وهذا يشير إلى أن النتائج لا بد لها من أسباب دنيوية يجب نهجها قبل أن تتدخل العناية الإلهية, ولا بد أن نشير إلى أن فاعلية الغرب تقيم عدلا لشعوبهم مقابل الظلم لشعوب الآخرين، فيما يقيمه الإسلام للبشرية جمعاء دون ظلم لأحد وهذا هو الفارق.
ونحن نحتفل بعيد العمل والعمّال, علينا أن نستذكر بأن إتقان العمل والأمانة فيه وأداءه بإحسان هو الذي يرفع الإنسان ويبوئه أعلى المناصب في الدنيا, أّمّا في الآخرة فلنستمع إلى قول الحق سبحانه:
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا).
فحتى ننعم بالعدل فلا بدّ من الإيمان والعمل الصالح الذي به يتحقق العدل ويُرفع التخلّف والظلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد