وأهلت علينا الأيام المباركة بضيائها وبركتها، ومع هلتها هجم علينا الحشد الميدياوي المريع لما سوف يعرض من دراما، وسيت كوم، وبرامج و… إلخ. كما دأبنا وألفنا، وكأن شهر رمضان يراه هؤلاء فقط من هذه الزاوية: موسم لم الغلَّة، ولكن هذا ليس موضوعنا.

مع هذا الحشد يهجم علينا حشد من نوع آخر.. حشد الإعلانات لكل شيء وأي شيء، ولكننا سوف نركز على نوع معين من الإعلانات، إعلانات ما يسمى بـالمؤسسات الخيرية.

المؤسسات الخيرية هو مصطلح رنان لطيف يطلق على – أية مؤسسة – تقوم بعمل خيري يهدف إلى خدمة المجتمع من خلال استهداف فئة معينة منه أو عدة فئات.

فهناك مثلًا المؤسسات التي تخدم مرضى السرطان – عافانا الله وإياكم – سواء كان خاصًا بالأطفال أو السيدات أو بشكل عام. وهناك مؤسسات خيرية تقوم بجمع التبرعات من أجل توزيعها على الفقراء، سواء كانت في شكل نقدي أو عيني، مثل تحسين الخدمات والمرافق في قرى بعينها، أو إعطاء الفقراء حيوانات مزرعية بهدف تربيتها وحصاد منتجاتها… وهكذا.

ما استوقفني كثيرًا أمام إعلانات هذه المؤسسات هو تلك المؤسسات التي تجمع تبرعات بهدف توزيع صناديق أو أكياس طعام على الفقراء – أو ما أطلقوا عليه هم بشياكة إفطار الصائمين في رمضان.

فنرى مؤسسة شهيرة جدًا تنتج إعلانًا، وتأتي بممثل له ثقله، ليعلن أنهم سيصلون في توزيع صناديق رمضان إلى خمسة ملايين صندوق هذا العام، في تحد كبير عن الأعوام السابقة، حيث إنهم أعلنوا أنهم قد بدأوا منذ سنين بمليون واحد فقط.

وفي هذا السياق استوقفني هذا الحديث كثيرًا، حيث إني قد رأيت بأم عيني آلية تجميع هذه الصناديق ومحتواها ورأيت بأم عيني الأشخاص المستهدفين، والذين تصل إليهم هذه الصناديق، وأعتقد أن هذه أشياء تخول لي أن أتحدث عن هذه العملية.

أولًا.. إلى السادة القائمين على هذه المنظومة: نعم أنتم تصنعون شيئًا قيمًا وعملًا خيِّرًا، ونحسبكم على خير بإذن الله وجزاكم الله خير الجزاء، وإني لأشهد الله أني أغبطكم، وأتمنى أن أحذو صنيعكم، ولكن يا سادتي الكرام! أنتم بما تفعلون، إنما ترسون في المجتمع قيمًا أخرى، ونمط في البشر أحب أن الفت نظركم إليه:

الفئات المستهدفة والتي تصل إليها هذه الصناديق فيها الكثير من الشباب والشابات والمراهقين الذين لديهم الصحة والقدرة على العمل، ومع ذلك فهم لم يكلفوا خاطرهم بالبحث عن عمل أو الاشتغال بما يعينهم في حياتهم، وإنما تعودوا وألفوا أن تأتيهم هذه الصناديق أو الشنط حتى باب منزلهم، لذا فلا حاجة بهم للعمل. وإنما هم في انتظار العون والمدد القادم والصناديق والشنط الآتية.

وفي هذا الإطار أُشهد الله أنني رأيت بأم عيني حالات كهذه، إحداها أم مطلقة، ولكنها في حالة صحية جيدة جدًا، ولها من الأبناء، منهم من تجاوز مرحلة الجامعة، وفي منتهى الشباب والصحة، ومنهم من تجاوز مرحلة المراهقة وأيضًا في منتهى الصحة، ومع ذلك فالأم تأخذ التبرعات بشكل منتظم، وتأخذ الشنط والصناديق من عدة جهات معروفة، لدرجة أنه من كثرة صناديق وشنط التبرعات أصبحت تتاجر بهم، وتبيعهم للناس! السؤال هنا.. هل هذه الأم وأولادها الذين يملكون الشباب والصحة في حاجة إلى الصناديق والتبرعات؟

مثال آخر: رأيت بأم عيني عاملات في أحد المصالح، يتحدثون لبعضهم؛ فتقول إحداهن للأخرى بصوت مسموع: و«أنا إيه اللي يجبرني أنزل وأشتغل في عز الحر؟! أنا هستنى فلان هيجبلنا الشنط – جمع شنطة – بتاعة كل شهر»!

العُمَّال في حالة بطر على العمل؛ لأنها – وبحسب قولها – «بيجيلها الشنط والصناديق وهى نايمة في البيت».. وهى في منتهى الصحة والشباب.

رأيت بأم عيني رجال في عنفوان الشباب وبصحة ممتازة ينتظرون دورهم في التبرعات؛ لأنهم على باب الله، وبعد أن يأخذوا الأموال، يذهبون لكي يجلسوا على المقهى، وينتظرون دورهم في التبرعات القادمة.

أيها السادة أنتم تخلقون في المجتمع نمط من البشر بجانب أنه يحمل صفة الفقر تصنعون منه أيضًا متواكلًا وكسولًا، ولا يفكر في العمل مطلقًا، طالما أن أكله وشربه وفلوسه تأتيه وهو نائم في البيت!

أيها السادة وحتى نكون عمليين ونتحدث بشكل بنَّاء .. لماذا لا تبنون بهذه النقود والتبرعات مصانع لأي منتجات ترونها مفيدة للناس وللمجتمع ولبلدنا الحبيب، وتجمعون فيها هؤلاء الفقراء والمحتاجين، ولكن بشرط أن يكون قادرًا على العمل، وتحت كلمة قادر ضع ألف خط. فيكون العمل للقادر فقط، فيتعلم أن العمل شرف، وهو وحده من سيخلصه من عوزه واحتياجه، وبهذا سوف يضيف إلى نفسه ومجتمعه وبلده، وبهذا فقط سوف نصنع أمة واعية قادرة على تخطي كبواتها، لا أن نصنع أمة من الإتكاليين الكسالى دائمي العوذ والسؤال. وهذا ما يسمى تنمية للفرد والأمة والمجتمع.

أيها السادة بهذه النقود والتبرعات! لماذا لا تستصلحون أراضٍ جديدة، ويعمل فيها هؤلاء الفقراء المحتاجون، وأذكركم: القادر منهم فقط، ويكون هذا في إطار التنمية للفرد والمجتمع وإرساء قيم العمل والقضاء على البطالة.

وفي هذا الخصوص أتذكر قصة معلمنا وسيدنا رحمة الله المهداة للعالمين محمد – صلوات الله وسلامه عليه – عندما أتاه رجل من الأنصار يسأله مالًا.. فقال له: ألك في بيتك شيء؟ قال بلى، حلس نلبس بعضه وقدح نشرب فيه الماء، قال الرسول: ائتني بهم. وعمل عليهم مزايدة بين المسلمين حتى حصل على سعر مناسب لهم، وأعطاهم لصاحب المسألة، وقال له: أطعم أهل بيتك بجزء من النقود، وبالباقي اشتر قدومًا، وهو آلة تستخدم لتكسير الخشب وتسويته، وعندما جاء إلى النبي أمسكه منه، وشد عليه عصى، وقال له: اذهب واحتطب، ولا أراك خمسة عشر يومًا. فجعل الرجل يحتطب ويبيع وجمع عشرة دراهم من جراء ذلك، وعليه فقد رجع إلى الرسول الكريم مرة أخرى، فقال له اشتر طعامًا لأهلك وببعضها ثوبًا وبالباقي تاجر بهم، ثم قال له: هذا خير لك من أن تجيء، والمسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح إلا لذي فقرٍ مدقع أو لذي غرم مفظع أو دم موجع.

خلاصة القصة: يعلمنا الرسول الكريم أنه عندما رأى الرجل يستطيع أن يعمل أمره بجلب ما يحتكم عليه وجعله يبيعه ويبدأ العمل بما حققه ثم يبدأ المتاجرة طالما يمتلك الصحة والقدرة وذلك خير له من المسألة. وأن المسألة لا تكون إلا للفقير المريض العاجز.

ختامًا..

أيها السادة إن الأموال التى تُعطى تنتهي، والشنط والصناديق تنتهي أيضًا، ويعود بعدها ذو المسألة ليطلب المال والصناديق. خير من ذلك علموهم الاعتماد على أنفسهم في جلب الرزق طالما يمتلك الصحة والمقدرة على ذلك.

بأموال التبرعات والصدقات والزكاة ابنوا مصانع، واستصلحوا أراض، وانشروا زراعات، ونمُّوا الفرد والمجتمع والوطن.

علموا القادر ذا المسألة أن العمل واجب عليه، وهو من سيخلصه من حاجته وعوذه، وبعمله هو، وغيره لن تكون هناك بطالة ولا حاجة ولا مسألة.

أيها السادة أنتم تصنعون معروف ونحسبكم على خير ولا نزكيكم على الله، ولكن.. ليست هكذا تورد الإبل، فباستمراركم في هذا الأمر سوف تخلقون لنا جموعًا هائلة من الفقراء الكُسالى كارهي العمل اتكاليين، لن ينفعوا أنفسهم ولا مجتمعهم، بل على العكس سينتشر مع ذلك حالات البطالة وزيادة العوذ والحاجة والاعتماد الكامل على الغير.

أيها السادة في المجمل نحن نشكركم ولكن.. أنتم أدركتم شيئًا وغابت عنكم أشياء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد