كنت أظن أن استمرارية كل القصص تعود إلى الوفاء و صفات المُحب ليس إلا.

حتى استهلت حديثها، و كأنها بمنتصف الكلام، كأنها تحدث نفسها لاتدري من تحدث و عما تتحدث، سألتني: هل الاعتقال أو المؤبد أو الخوف الأمني أو الاغتراب وما شابه من الهجرة الشبه إجبارية يمنع أن يكون هناك ميثاق زواج بين اثنين يعلمون أنه لا مفر منهم، إلا لهم!

تعجبت هذا السؤال من مثل تلك الفتاة الصغيرة، ويكأني مازلت في صدمة حضارية لم أفق منها بعد، وأن الصغار لم يعودوا صغارًا من هول ما رأوا!

ثم بدأنا نُفصّل الأسباب، وكيف النجاة من الظلم السياسي والاجتماعي السائد بهذا النظام الطاغي بمصر وغيرها من البلدان، بل بالأخص الظلم الواقع على الجماعات المسلمة في كل العصور، و اتفقنا أن القضية لم و لن تكون قضية سياسية فحسب، بل هي قضية هُوية تُطمس بطمس هؤلاء الشباب حاملي لوائها.

أخذني سؤالها لأسئلة عدة، قد نجد من نبض كل سؤال منهم إجابة على سؤال مستقبل الهُوية و الجيل القادم:

– هل تنتهي القضية عند إعلان تبنّي القضية، أم تبدء؟

-هل تفهمنا للآية الكريمة «لِيَمِيزَ اللهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَ يَجعَلَ الخَبِيثَ بَعضَهُ عَلَى بَعضٍ» هو أن نترك الطيبيين والطيبات للخبيثيين!

– بل هل دعاء النبي صلى الله عليه و سلم «لك العتبى حتى ترضى» كان إشارة للاستسلام أم للاستمرار؟

– لماذا توقفت أفكارنا، ومات خيالنا عند مشهد السجن والسجان، وجواز السفر أو الموت، لماذا لم يتطرأ إلى أذهاننا حق الأجيال القادمة فينا.

– هل هذا النفس القصير في الأمل هو الحق الذي ندعو الله ليلًا ونهارًا بأن يرينا إياه ويرزقنا اتباعه؟

لو لم يتزوج أصحاب القضايا الواحدة فمن إذن سيتزوج بمن؟ كيف بُنيت الأمم التي دمرها الاستبداد والاستعمار، إلا بوجود أصحاب القضية الواحدة، بل الهُوية الواحدة التي تجعل الجماعات الفكرية تتآلف أو تتنافر.

السؤال الآن ليس سؤال عن تلك الفتاة، وهذا البريء المطارد، السؤال الآن في: ماذا بعد؟ السؤال الآن لا يحتمل الشؤون العاطفية أو أي بُعد عاطفي، و إن كان ظاهره العاطفة.

السؤال الآن هل سنترك الجيل القادم للشتات من أمره كما كنا نحن؟ هل بعد أن أكرمنا الله بتمييز الخبيث من الطيب، نعود نحن لخلط هذا بذاك فتُطمس الحقائق بفقد أصحابها الأصليين.

قد يبدو كلامي ذو مثالية صماء، و أعلم أن القرار بمثل هذه الظروف شديد الصعوبة، بل مُهلِّك، لكن هل حقًا سنترك الاستبداد يسلبنا أعمارنا وأحلامنا، ثم يزحف دماره ليمتد ويدمر هُوية أحفادنا القادمين؟ نعم أحفادنا القادمون؛ لأنه إذا مات أصحاب الهُوية التي تبنى على أسسها الأمم، دون أجيال يحملون فكرهم، سيأتي من بعدهم، «فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ».

سيأتي من بعدهم جيل مشوّه مستنسخ من نسخ آخر، مضطرب المعالم، بل نسخ ليس لديه أصل اسُتنسخ منه، فهو بلا هوية ولا قضية ولا هدف ولا رغبة، إلا في حياة البقاء، يأكل ليعيش، ويعيش ليأكل، ويعمل ليأكل ليعيش، فيعمل فيأكل وهكذا.

أخي المطارد وأختي المطاردة أحلامها، لتعلمي أن الأمر ليس سهلًا، و لا هو مستحيلًا، لكنه يشمل الكثير و الكثير من الأفكار، بل والقضايا التي لم ولن نستجوب عليها الآن، بل سيستجوبنا عليها أبنائنا بالآخرة.

إن كنتِ تستطعين حمل لواء المثابرة لتكوني زوجة معتقل أو هارب أو أرملة شهيد أو غيره من المصائب، إن كنتِ على بينة من أمرك ومن جميع السيناريوهات المحتملة.

فاستعيني بالله لقضاء أمرك، وإن كانت المثابرة بالنسبة لكِ موضة للوفاء، و الحب الحديث، فرجاءًا لا تبادري بتضحيات شكلية ستستنكريها عند أول ألم فقد.

و إن كان هو أيضًا يعلم حقيقة الأمر، وامتداد أثره فلا تبتئسوا، ولتعلموا من الله ما لا يعلمه سجانوكم، كما علم يعقوب عليه السلام عن يوسف عليه السلام.

و إن لم تتغلغل قضيته إلى أعماقها فلا تثقلي عليه حمل قضية الهُوية إلى أجيال قادمة، وهو لم يخرج من مصيبة جيله بعد، فليس كل من اعتقل يحمل القضية بنفس الأبعاد، وليس كل من قُتل مات وهو ينظر لغدًا.

فلتنظرين إليه نظرة تحليلية مستقبلية، فإن كان صاحب قضية لكونها موضة الثقافة فاتركيه وشأنه، و إن كان صاحب قضية؛ لأنه يعّي مسئولية الهُوية، فالأجدر بكم أن لا تتركوا محاولة، إلا وأنتم على أتم استعداد للتضحية من أجلها.

فإن حفظه الله لكي فاعلمي أنكم لبعضكم كموسى عليه السلام الذي حفظه الله لأمه.

وإن تأخر وكنتم على العهد باقين، فاعلمي أنك مكرمة بابتلاء يعقوب عليه السلام في بنيه.

وإن لم يكن فاعلمي أن الله فرّق بينكم كما فرق بين نوح عليه السلام وابنه، «قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ».

و إياكم أن تتركوا الخبيث يختلط بالطيب، بعد أن أظهره الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الهوية
عرض التعليقات
تحميل المزيد