فلنكن صرحاء.. إنه التعصب

بالرغم من أن نقاط الاتفاق بين أكبر طائفتين في الاسلام أكثر من نقاط الاختلاف إلا أن للصراع بين السنة والشيعة تاريخًا طويلًا أو على حد تعبير ابن الأثير (كان الشر بينهم طول الزمن)، امتد من منتصف القرن الرابع إلى منتصف القرن السابع زمن سقوط بغداد في أيدي التتار، وكم أزهقت نفوس وانتهكت حرمات وضاعت أموال وخربت مدن جراء هذا الصراع العنيف.

لنا أن نتساءل هل كان ثمة ما يبرر هذا الصراع وما ترتب عليه من عواقب كارثية تجسدت إرثًا مفعمًا حقدًا وكراهية؟ لقائل أن يقول: إن نقاط الاختلاف بين السنة والشيعة وإن كانت قليلة إلا أنها جوهرية؟ فلنفترض جدلًا منطقية هذا التبرير كما يحلو لإخوتنا من المتعصبين؟ لكن من يصدق أن هذا الصراع في أغلبه كانت تكمن وراءه أسباب أبعد ما تكون عن الجوهرية؟ بين يدي هذا السؤال فلنتأمل من هذا الصراع فتنتي سنة 422هـ وسنة 443هـ، حيث كان المؤرخون أكثر تحديدًا عند ذكر سبب الفتنة.

أورد ابن الأثير في حوادث سنة 422هـ (فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، تَجَدَّدَتِ الْفِتْنَةُ بِبَغْدَاذَ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُلَقَّبَ بِالْمَذْكُورِ أَظْهَرَ الْعَزْمَ عَلَى الْغَزَاةِ وَاسْتَأْذَنَ الْخَلِيفَةَ فِي ذَلِكَ، فَأَذِنَ لَهُ، وَكُتِبَ لَهُ مَنْشُورٌ مِنْ دَارِ الْخِلَافَةِ، وَأُعْطِيَ عَلَمًا، فَاجْتَمَعَ لَهُ لَفِيفٌ كَثِيرٌ، فَسَارَ وَاجْتَازَ بِبَابِ الشَّعِيرِ، وَطَاقِ الْحَرَّانِيِّ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ الرِّجَالُ بِالسِّلَاحِ فَصَاحُوا بِذِكْرِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – وَقَالُوا: هَذَا يَوْمُ مُعَاوِيَةَ، فَنَافَرَهُمْ أَهْلُ الْكَرْخِ وَرَمَوْهُمْ، وَثَارَتِ الْفِتْنَةُ وَنُهِبَتْ دُورُ الْيَهُودِ لِأَنَّهُمْ قِيلَ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ أَعَانُوا أَهْلَ الْكَرْخِ… وَقَصَدُوا الْكَرْخِ، فَأَحْرَقُوا وَهَدَمُوا الْأَسْوَاقَ).

كما أورد ابن كثير في حوادث سنة 443هـ (فِي صَفَرٍ مِنْهَا وَقَعَ الْحَرْبُ بَيْنَ الرَّوَافِضِ وَالسُّنَّةِ، فَقُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّوَافِضَ نَصَبُوا أَبْرَاجًا وَكَتَبُوا عَلَيْهَا بِالذَّهَبِ: مُحَمَّدٌ وَعَلِيٌّ خَيْرُ الْبَشَرِ، فَمَنْ رَضِيَ فَقَدْ شَكَرَ، وَمَنْ أَبَى فَقَدْ كَفَرَ. فَأَنْكَرَتِ السُّنَّةُ إقران عَلَيٍّ مَعَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا، فَنَشِبَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ، وَاسْتَمَرَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ إِلَى رَبِيعٍ الْأَوَّلِ).

لسنا بحاجة لحشد الحجج على تفاهة سبب الفتنة في كل من الحادثتين، مرة يرفع السنة عقيرتهم بقولهم (هذا يوم معاوية) من غير داع، وماذا عليهم لو قالوا هذا يوم آل البيت ومعاوية؟ ثم ماذا يضير الشيعة لو غضوا الطرف عن هذا الشعار وهم يعلمون جيدًا أن السنة يحبون آل البيت؟

ومرة يكتب الشيعة على الأبراج (محمد وعلي خير البشر) كأنما يعرضون بغير علي من الصحابة، فماذا عليهم لو استعملوا من الصيغ ما يجمع ولا يفرق؟ ثم ماذا على السنة لو تغافلوا عن هذه الكتابة؟ لا سيما أن الشيعة لم يصرحوا بذم غير علي من الصحابة بعد أن صرحوا بإنكار عبارة (من رضي فقد شكر ومن أبى فقد كفر).

إذا أردنا نقدًا ذاتيًا بناءً فلنكن من الصراحة بحيث نجيب على هذه الأسئلة بنزاهة قائلين: إنه التعصب، لو استشار السنة والشيعة عبر تاريخهم الطويل العقل واستلهموا روح الشرع لاستعملوا التسامح والحلم في علاقتهم وما كنا سمعنا بأمثال هذه الفتن التي تشيب لها النواصي.

أيخيل إليك ولو لحظة أن هذه الأسباب كافية لاحتدام هذا الصراع الدامي بين أبناء تلك الطائفتين؟ أي صدمة سوف تنتابك لو علمت أن هذه الأسباب لم تعد كافية في فلتة من فلتات الزمان؟ كتب ابن كثير في حوادث سنة 442 (وَفِيهَا اصْطَلَحَ الرَّوَافِضُ وَالسُّنَّةُ بِبَغْدَادَ، وَذَهَبُوا كُلُّهُمْ لِزِيَارَةِ مَشْهَدِ عَلَيٍّ وَمَشْهَدِ الْحُسَيْنِ، وَتَرَضَّوْا فِي الكرخ على الصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ، وَتَرَحَّمُوا عَلَيْهِمْ، وَهَذَا عَجِيبٌ جِدًّا).

منشأ التعصب

لا يخفى أن التعصب يولد نزعة ترفض الآخر المختلف وهي نزعة استئصالية في صميمها، لا غرو تجد سبيلها إلى العنف المسعور كلما تهيأت الظروف واضطرب حبل الأمور، ولكن التعصب يخالف القانون الطبيعي الذي يتلخص كما قال فولتير كالآتي؛ (لا تفعل ما لا ترغب أن يفعل بك)، فكما لا ترضى أن يرفضك الآخر عليك أن لا ترفضه كذلك.
وكذلك يخالف الوحي الذي يتسق مع القانون الطبيعي، وهذه نصوص الكتاب العزيز أوضح ما تكون في تقرير حتمية الاختلاف والتعددية، من ذلك قوله تعالى {ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدةً ولا يزالون مختلفين – إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} (هود: 118 – 119).

إذن فمال بال الناس يتعصبون؟ هي ثلاثة عوامل تدفع باتجاه التعصب فيما أرى:
1- غياب حاضنة اجتماعية ترسي أسس العدل في المجتمع فيلجأ الناس إلى الطوائف والعصبيات لتحصيل حقوقهم، هذا ما يكون عادة في عصور الانحلال والتدهور وكذلك كان حال الخلاقة الإسلامية منذ منتصف القرن الرابع إلى سقوط الخلافة على أيدي التتار.

2- سوء الفهم للنصوص الدينية من قبل العلماء أو القادة الأمر الذي يلجئهم إلى التحيز لطائفة دون أخرى مما يثير في النفوس الحزازات ويرسخ العصبيات، فرأينا مثلًا أن الصراع السياسي عاد يتأجج في ظل خلافة المتوكل الذي – حسب السيوطي في تاريخ الخلفاء – (أظهر الميل إلى السنة ونصر أهلها… وأمر بهدم قبر الحسين ومنع الناس من زيارته، فخرب وبقي صحراء).

3- وأخيرًا دور السياسة إذا افتقدت للحكمة في التوسل بالطائفة لبلوغ مآربها، فنرى مثلًا أنه منذ أن دخل أحمد بن بويه بغداد سنة 334هـ وانحاز إلى الطائفة الشيعية – بدأت ترى النور تلك الظاهرة التي أطلق عليها مؤرخو الحوليات الإسلامية اسم (الفتنة).

من الواضح أن هذه العوامل الثلاثة ترجع في الحقيقة إلى السياسة، وقد يقال إن الصراع الطائفي قد جاءت بة السياسة وهي التي ستذهب به، ولكني أستدرك: للأسف بعد أن خلفت وراءها إرثًا كامنًا من الحقد والكراهية قابلًا للاشتعال عند رجوع السياسة كرة أخرى، مما يحتم مبادرة إيجابية تسعى لرأب الصدع وتجاوز التاريخ وإلا ظللنا ندور في دائرة مغلقة من التعصب الأعمى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد