تنفلت مفاهيم بعض المصطلحات في مجتمعاتنا العربية والإسلامية وتميل إلى معنى بعينه وتتأبى بذلك على استعمالها بالمعنى الذي أريد لها أن يكون أول مرة، ودرج تداولها عبر أجيال وأجيال في قبول تام للمعنى الذي تواضع عليه الناس استنادًا إلى ثقافة سائدة ومسيطرة تحكمت فيها أنساق مجتمعية مختلفة.

«وإن اغتيال المدلول الحقيقي للمفاهيم والمصطلحات، وتفريغها من مضمونها، والتعامل معها من خلال حالة التخلف والتخاذل والعقلية الذرائعية التي تسيطر على الأمة، في حالات الركود يؤدي إلى محاصرة هذه المصطلحات والمفاهيم ويخرجها من دائرة الفاعلية والانفعال بها وحسن توظيفها تربويًا، وبذلك تفتقد مدلولاتها الصحيحة، وتصبح عاجزة عن التغيير وإعادة البناء».

الدكتور عمر عبيد حسنة مقدمة كتاب التوحيد والوساطة للدكتور فريد الأنصاري ضمن سلسلة كتاب الأمة.

ومن المصطلحات التي تعاني هذا الوضع في واقعنا المعيش مصطلح العفة الذي ضخمت بعض معانيه مجتمعيا لتشمل النساء دون الرجال وكأن التأنيث ألزم بقصرها عليهن، وصدق المتنبي حين قال:

فما التأنيث لاسم الشمس عيب … ولا التذكير فخر للهلال.

وإذا عدنا إلى تعريف العفة في اللغة نجد أن معناها لا يخرج عن الكف والتنزه والامتناع، يقول ابن فارس في مادة عف «العين والفاء أصلان صحيحان أحدهما الكف عن القبيح، والآخر دالٌ على قلة شيء»، مقاييس اللغة مادة عف وقد عرفها محمد مهدي النراقي في كتابه جامع السعادات تعريفًا اصطلاحيًا بقوله: «العفة هي انقياد القوة الشهويًة للعاقلة فيما تأمرها به وتنهاها عنه حتى تكتسب الحرية وتتخلص من أسر عبودية الهوى» ج 1ص 70. وبهذا التعريف يتبين أن المخل بهذا المعنى عبد أسير لهواه يحتاج إلى تحرير.

إن خطاب القرآن للناس في موضوع العفة جاء بالمساواة المطلقة بين الرجال والنساء، بل وللرجال القدح المعلى فيها إذ خاطبهم الله تعالى بقوله: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ. سورة النور الآية 24.

فهذا أمر من أوامر الله فيه حمل النفس على العفة ومغالبة الهوى من أجل الحفاظ على مجتمع مترفع عن الرذائل، يطلب شبابه العفاف عن طريق الزواج والله يعدهم بالعون إن هم صدقوا في طلبهم، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء،والناكح الذي يريد العفاف. رواه أبو هريرة .

ليس هناك أشق على النفس من حملها على مدافعة ما هي عليه مجبولة، ومن أكثر الشهوات علوقًا بالنفس شهوة المال وسلطانه على النفوس بينٌ لا ينكره إلا مكابر وقد جاء كذلك الأمر فيه بالتعفف للرجال وللنساء وللرجال عليهن درجة لأنهم المقدمون في التكليف بالإنفاق قال تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ. سورة النساء الآية 6.

وقد وعد الله صاحب عفة المال بجنة الرضوان يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مُقْسِطٌ مُوَفَّقٌ، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف مُتَعَفِّفٌ ذو عيال. رواه مسلم، وبمزيد من التأمل لمصطلح العفة في مختلف استعمالاتها في القرآن الكريم والسنة النبوية نجد أن المرة الوحيدة التي استعملت فيها استعمالا خاصًا بالنساء جاءت في قوله تعالى: وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ۖ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم. سورة النور الآية 60.

ويبدو أن استعمال لفظ (يستعففن) في الآية الكريمة منصرف إلى المعنى اللغوي الدال على التنزه والترفع عن التبرج في سن خمدت فيه غلواء الشهوة وانقطعت دوافعها. لا إلى المعنى الاصطلاحي الدال على مغالبة هذه الشهوة أو مدافعتها. وإنه لحقيق بالمجتمعات الناشدة لمؤهلات النهوض أن تعيد لقيمها الحاكمة جذوة استعمالها ولا تجعلها عضين تنزل معانيها على جنس دون جنس آخر كما هو حال قيمة العفة التي إن خرقها الرجل وجد له ألف سبب وسبب لانحرافاته حتى وإن كانت هوجاء، أما إذا تجرأت المرأة على خرمها حملت أوزارها وأوزار أخيها في اختلال سافر لميزان العدل الذي يعامل الله به جميع خلقه دون تفاضل ولا تمييز:قال تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا. سورة الأحزاب الآية.

ولا يختلف اثنان على أن العفة تحتل مركزًا متقدمًا في سلم الفضائل والقيم لذلك وجب تنزيلها تنزيلًا صحيحًا وإلا أحجمت مرد وديتها وتراجع دورها، يقول الشافعي رحمه الله: «الفضائل أربع: إحداها الحكمة، وقوامها الفكرة. والثانية العفة وقوامها الشهوة والثالثة: القوة وقوامها الغضب. والرابعة: العدل، وقوامه اعتدال قوى النفس». وهكذا تستطيع قيمنا الخاصة أن تصمد في وجه العاصفة الهوجاء الزاحفة من الغرب والراغبة في عولمة القيم بمنظورها الخاص.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد