كيف تحولت الدولة إلى إله جديد يخضع الكل لسلطانه، تأمر تطاع، وتعربد كما شاءت، ويخضع الكل لسلطانها، ويصبح مجرد التساؤل عما تفعله تلك الدولة كفيلًا بطرد الناس من جنة الوطنية، واتهامهم بالعمالة والخيانة، وأنهم جزء من مخططات هدم الدولة، تلك المخططات التي نسمع عنها، ولم نرها، ويبدو أن الكل ضليع فيها، ولا أحد يعلمها في الوقت نفسه!

ومن أجل الحفاظ على تلك الدولة أصبحت الدماء تراق كالأنهار، ولا يستوقف ذلك أحدًا، بل تصبح كل تلك الدماء مبررة طالما ظلت الدولة!

بل أصبح لتلك الدولة هيبة يجب أن يتم الحفاظ عليها، تلك الهيبة التى تقتضي إجراءات الإقصاء والتنكيل والتعذيب من أجل إرساء الخوف في نفوس المواطنين الذين تحولوا إلى عبيد لدى تلك الدولة، واعتبر ذلك نوعًا من الوطنية!

لقد تحولت الدولة إلى إله العصر الحديث، وأصبح دستورها على ما يبدو هو كتابها المقدس ورئيسها هو النبي الرسول الذى أرسلته العناية الإلهية لإنقاذ البلاد والعباد! ولا مانع من أن يصبح طبيبًا للفلاسفة أيضًا كوظيفة بعد الظهر بجانب عمله الأساسي كرسول العناية الإلهية؛ وذلك لتحسين دخله المعنوى أمام عبيده!

وفي مجتمعاتنا المحافظة، والتي للدين فيها دور مهم، فإنه وبعد الزحف غير المقدس الذي مارسته الدول والأنظمة العربية المختلفة وسطت فيه على الدين واستخدمته لصالحها تصبح تلك الصورة شديدة التأثير.

إضافة طبعًا لطبيعة شعوب المنطقة التي تعاني من الجهل المعرفي، والذي أيضًا ساهمت فيه الأنظمة الأستبدادية الحاكمة، فتجد أن تلك الشعوب شديدة العاطفة، ويمكن بسهولة التحكم فيهم والسيطرة عليهم بأسلوبي الترهيب والترغيب، أو ما يسمي الحكم بالخوف، فهناك مؤامرة لهدم الدولة وهناك إرهاب… إلخ، وفي الوقت ذاته يقدم المُخلص نفسه بأنه المنقذ الذي سينشر الأمان، ولا يطلب سوى الإذعان فيقمع أي عصيان، وهو يعلم أن آفة شعبه النسيان!

أصبح مجرد الحفاظ على تلك الدولة إنجازًا غير مسبوق! حتى لو ظلت دولة متخلفة وأوضاعها المعيشية متردية وأنظمتها التعليمية بالية، والفساد ينهش فيها على كافة الأصعدة والمستويات!

والدولجية هم أناس يمتلكون عقلية الأتباع وهم يحبون النظام والحفاظ على الأوضاع كما هي ويعشقون المظاهر العسكرية والعروض والاستعراضات وغيرها من الأكاذيب التى تجعل الحياة أكثر قبولًا، كما يحبون أن يكون كل شيء منظم فيمجدون الإجراءات الروتينية، فهم مواطنون مسالمون يحبون الأمن والمؤسسات والنظام، وأن يكون فوقهم سُلطة ما ويتصارعون من أجل أن ينالوا منها الرضا والثناء فيقدمون لها الطاعة والولاء فهم تقليديون لأقصى درجة ممكنة ويكرهون التغيير، ولا يستسيغونه بسهولة ولديهم مقدرة مذهلة على التكيف.

وهم يعانون من أعراض الشوفينية وهى مصطلح سياسي يعني الوطنية المفرطة، الغيورة والعدائية، والإعجاب الحصري لدى الشخص بوطنه والحمية العمياء للمجد العسكري، والاعتقاد المتحمس بأن وطنه أفضل الأوطان، وأمته فوق كل الأمم!

وهم يعانون من ويلات الأنظمة المستبدة فمنهم من اضطر للسفر والاغتراب عن وطنه ليوفر لأسرته ما يحتاجونه، وبرغم ذلك تجدهم أول المدافعين عن السُلطة! وأول المحافظين على بقائها كما هي!

وكثير من الناس تعجب من مشاركة بعض المغتربين في الانتخابات المزعومة في مصر وبعيدًا عن العبارات الرنانة الوطنية التي يستخدمها أولئك الناس فواقع الأمر هم يشبهون إلى حد بعيد الأمريكيين اليهود الذين يرفضون الهجرة إلى الكيان الصهيوني برغم انهم يدعمون إسرائيل! ويدفعون الأموال الطائلة ليهاجر يهود غيرهم إلى إسرائيل، لكنهم يرفضون تمامًا ترك أمريكا! ويبدو أن ذلك نوع من التملص الذي يخبئ نفسه خلف نبرة الوطنية والدفاع المستميت، فهو ليس إلا إخمادًا لصوت ضمائرهم لا أكثر ولا أقل. وهو دفاع مستميت عن السُلطة خوفًا منها، وليس حبًا فيها لذلك فإن الوطنية في عقل هؤلاء دائمًا ما تترافق واحترام الأقوى؛ فالوطنية دائمًا مرتبطة بالجيش أو الشرطة، وهي المؤسسات التي تمتلك قوة السلاح، ولا تدخل مؤسسات الصحة أو التعليم أو غيرها ضمن دائرة الوطنية! بالرغم أنها مؤسسات تتساوي في الأهمية مع غيرها من مؤسسات الدولة، ولكنه احترام مبني على خوف، وكما قال ألبير كاموا: فإن أحقر أنواع الاحترام ذلك المبني على الخوف.

حتى أن بعض المغتربين كتب منشورًا على صفحته يبرر فيه إقدامه على التصويت في هذه الانتخابات الهزلية، وبرغم محاولته الألمعية في إخفاء الحقيقة وخداع نفسه إلا أن تحليل ما كتبه يفضحه فقد كتب ما نصه: أن حلم كل مغترب أن يموت ويدفن في مصر؛ مما يعني أن مصر تحولت في عرفه إلى مجرد مقبرة يدفن فيها، ولكنه لا يعيش فيها، بل يحيا في الخارج ليكدس الأموال، وفي الوقت نفسه يدعم أنظمة مستبدة تقمع من في الداخل من أجل أن تستقر الأوضاع الأمنية ومن أجل أن يتمكن هو وغيره من قضاء وقت ممتع في إجازتهم السنوية!

كانت تلك العبارة فاضحة بما يكفي بعيدًا عن النعرات الوطنية التي حاول جاهدًا إخفاء الحقيقة التي يعلمها جيدًا. تلك الحقيقة التي يهتف هو، ومن هم على شاكلته، بجزء منها جهرًا ويهتفون بجزء آخر سرًا، فيقولون بصوت صاخب تعلوه الحماسة: تحيا مصر، وبنفس الحماسة، ولكن سرًا: ولا نحيا فيها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات