بعد اقتراب موسم الامتحانات، واستعداد كل طالب بتجهيز أدوات الغش التي سيحتاجها أثناء الامتحانات، واستعداد كل المؤسسات التعليمية بالقوانين الصارمة التي تحد من الغش، وغضضنا الطرف عن كيفية معالجة أساس المشكلة وتغيير القناعات الخاطئة.

فمعالجة مشاكل لها علاقة وطيدة بالدين لا تحل بالقوانين، وخصوصًا فالمجتمعات الدينية، سواء كانت إسلامية، أو يهودية، أو مسيحية مع اختلاف العقائد في كل مجتمع على حدة، إلا أن تلك المجتمعات جميعها تؤمن بوجود إله، وتَأثُّر مثل تلك المجتمعات بالنصوص الدينية كبير. فمثلًا في المجتمعات الإسلامية، لو تحدثت عن سيرة الرسول الكريم، وعن مدى اهتمامه بمحاربة الغش في شتى مجالات الحياة، لوجدت تحذيره للتجار من تطفيف الكيل، وغش البضائع، لوجدت في القرآن الكريم: ويل للمطففين، لوجدت في الحديث الشريف: من غشنا فليس منّا. لو كنت استرسلت في ذكر مثل تلك المواقف في حياة الصحابة، واستأثرت بالمساجد والكنائس في حل مثل تلك القضايا.

أما عن التحدث بالعقل والمنطق، لوكنت ذكرتنا بمثل الذين ضاع مستقبلهم بسبب غشّ الآخرين الذين تفوقوا بالغش، وكيف أن الذين لم يتعبوا في حياتهم ووصلوا إلى ما وصلوا بسرقة مجهود الآخرين كيف يعيشون التعاسة في الدنيا، وكيف أصبحت دنياهم، وفقدوا شغف الطريق، ولم تُحَدِّثنَا يومًا عن شعورنا حينما نرى في الحياة العملية أصحاب الأموال، وهم يتقلّدُون المناصب، وكيف يكون الشعور بالحسرة والخذلان، ولم تتحدث معنا كيف تكون السعادة الحقيقية بحصد ثمرة المجهود ومرارة الوصول.

لم تستمع إلى الطلبة يومًا، ولم تعرف القناعات الخاطئة نحو الغش، وكيف تُغَيِّر مثل تلك القناعات، وكيف تؤثر عليهم، فبعضهم قد يقول لك: المنظومة التعليمية فاشلة، (لمّا يكون فيه تعليم نبقى نبطل نغش)، (أنا مش بغش.. أنا بتأكد من أصحابي)، وغيرها من تلك الشعارات؛ حتى أنك لم تخبرهم أن مثل تلك القناعات خاطئة؛ ولم تقل لهم يومًا أنّ السلبية لا تعالج بممارسة الأعمال السلبية، وإن كانت المنظومة التعليمية بها الكثير من الفشل فوجودك إن لم يكن تغييرًا للأفضل، فلا تكن سببًا في زيادة الفشل. لم تتحدث معه يومًا أنك إن أردت الإصلاح، فابدأ بنفسك، لم تقل له يومًا: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يُغَيِّرُوا ما بِأنفُسِهِم)، ولم تقترب يومًا بأحاديثك، ونقاشاتك للطلبة، من مثل تلك القضايا.

Image result for ‫عنف الاب مع الابن‬‎

حقيقة الموقف أننا مثل الأب الذي يصدر الأوامر الصارمة لطفله، دون النظر إلى سنّه وقدرته على استيعاب مراده من الأمر، وهذا الولد العنيد لم يفهم وجهة نظر الأب، وما هي دوافع الأب؛ فأبى أن يطيع.

المشكلة الكبرى أنك تركت كل وسائل التغيير من الحديث، والنقاش المنطقي، والعبارات، ودروس الدين المؤثرة، ومعالجة الأمر بالحكمة، وعَكَفتَ على إصدار القوانين مثل: غرامة 5 آلاف جنيه، وحبس لا يقل عن سنة ورسوب في المواد الدراسية كلها، بل العجب العجاب أنك تتعجب من عُكُوف الطلبة دائمًا على التمرد على تلك القوانين.

حتى المجتمعات التي تفشّى بها الإلحاد لا تُجبَر بالقوانين، وإن اختلفنا عن كيفية إدارة المجتمعات؛ فصوت الحكمة إن عَلا ما عَلا بَعدَه صوت. فإن كنت تريد التغيير الحقيقي في قناعات الطلاب، فاجعل القوانين هي إطار نلجأ له عند التطرف والتمرد. أما الصوت الحقيقي فهو صوت الدين، والعقل، والمنطق.

أما عن الطلاب فالوضع الذي نحن فيه الآن من فشل في التعليم فهو ابتلاء. وممارساتك لأفعال الغش جعلك منك ابتلاء أيضًا. ابتلاء على الوطن، وأهلِك فأصبحت أنت ميزان سيئات جار لهم بأفعالك، وهم قد يكونون بريئين منها، وقد يكون تطبيق القوانين عليك ابتلاء عليهم؛ لأنهم رأوا قرة أعينهم يفشل في حياته. لا تُغَيِّرُوا مُسَمَّيات الغش؛ فالخطأ خطأ حتى وإن اجتمعت الأمة على ممارسته. والغش لم يكن أيام الرسول معاونة الغير، ولم يكن تيسيرًا لأخي المسلم، وتلك الشعارات التي حمّلتم الدين فوق طاقَتِهِ بترديدكم لها. فلو كنتم على حق يومًا، لَكَانَ صحابة رسول الله سبقوكم بتلك المسمّيات؛ لَكِنَّكُم ترددونها، حتى تُسَكِّنُوا ما تبقى من ضمائركم التي تعفّنَت.

أخيرًا: كل ما هو من صنع البشر فهو قابل للتمرد والتعدي عليه؛ فتوقفوا عن ترديد نصوص القانون وتحدثوا بما أُنزل في الكتب السماوية وما يتقبله العقل والمنطق. لا تجعلوا ممارساتكم الفاشلة رد فعل على فشل الغير. فالغش فشل وخطأ، حتى وإن فعله كل البشر حتى، وإن غَيَّرتُم مظاهره ومسمّياته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد