جمهورية الشيشان هي إحدى جمهوريات روسيا الاتحادية، وتقع في شمال شرق منطقة القوقاز التي انتشر بها الإسلام منذ ألف عام لتصبح الديانة الرسمية للبلاد، ويغلب على معظم السكان الطرق الصوفية السنية، أهمها القادرية والنقشبندية، والتي تحتوي عاصمتها غروزني على أكبر مساجد أوروبا.

كانت الشيشان على مدار التاريخ تابعة للسيطرة العثمانية، والتي كانت بمثابة مرجع ديني لكونها الخلافة الإسلامية، وقد قامت روسيا القيصرية بعدة غزوات ضد الشيشان ومحاولات باءت بالفشل لاحتلالها، حتى تمكنوا أخيرًا عام 1864 من أن تصبح شمال القوقاز تحت سيطرتهم، وتمكنوا من إخماد ثورة الشركس والقضاء على المقاومة الشيشانية. وبعد مضي أكثر من قرن، تفكك الاتحاد السوفيتي في عام 1991، وقد حاولت روسيا استعادة سيطرتها بغزوها بالحرب الشيشانية الأولى بين ديسمبر (كانون الأول) 1994، وأغسطس (آب) 1996، التي بلغت الخسائر العسكرية الروسية فيها 5500 قتيل، وقتل أكثر من 3000 انفصالي من الشيشان، كما تشير الأرقام إلى عدد الضحايا من المدنيين ما بين 50- 100 ألف وأكثر من 200 ألف مصاب، كما هاجر نصف مليون هربًا من جحيم الموت والصراعات؛ إذ تحولت المدن إلى ركام هائل بعد جرائم الحرب التي لا تتصورها البشرية، حصلت أخيرًا على استقلالها الفعلي، ولكن روسيا عاودت استرجاعها الحرب الشيشانية الثانية، وهي حرب شنتها روسيا الاتحادية على جمهورية الشيشان في 26 أغسطس 1999 ردًّا على غزو داغستان من قبل اللواء الإسلامي الدولي، الذي يتخذ من الشيشان مقرًّا له، أنهت الحرب استقلال الشيشان الذي أعقب الحرب الشيشانية الأولى.

كان والد رمضان قديروف الرئيس الحالي للشيشان مفتيًا للبلاد وقائدًا عسكريًّا أثناء فترة استقلال الشيشان الأولى من 1994- 1996، إلا أن فلاديمير بوتين بعد فترة قصيرة تولى حكم البلاد ليعتمد على سياسة ذكية بتأجيج الحرب الأهلية والصراعات الداخلية، التي تمكنت في النهاية في عام 2003 من انتصار الفصائل الموالية لروسيا، وعمل أحمد قديروف على تسليم الشيشان لروسيا في 2004 وجعلها تحت الحكم الفيدرالي الروسي، وبعد أقل من عام تمكن الانفصاليون من اغتياله ليتولى بعده رمضان قديروف بقرار من بوتين، ليتولى حكم البلاد في 2005، وليصبح جندي روسيا المطيع، وقد عمل على تصفية معارضي موسكو وتأييده المطلق لقصف روسيا الأراضي السورية، واستضافته مؤتمرًا إسلاميًّا في 2016 الذي أخرج العقيدة السلفية من دائرة أهل السنه والجماعة.

مع أن مساحتها 17,300 كم² بإجمالي سكان لا يتجاوز المليون نسمة، تحولت في سنوات قليلة من دولة تفوح منها رائحة الموت وبارود الحرب إلى جوهرة للقوقاز يجوبها سياح من جميع أرجاء العالم.

بفضل تعاون الرئيس الشيشاني رمضان قديروف والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، استطاعت الشيشان تعمير معجزة اقتصادية من تحويل البلاد الركام إلى معجزة اقتصادية، كما يدرك قديروف مدى حاجة بلاده لروسيا واعتمادها الاقتصادي على المساعدات الروسية التي تصل إلى مليارين ونصف يورو، ومساهمة الأموال في تعويض ما دمرته الحرب ولو جزئيًّا.

في الشيشان يتلقى من فقد مسكنه أثناء الحرب تعويضًا من الدولة الروسية، إلا أنه لا يتجاوز 9 آلاف يورو، والتي يذهب 50% منها إلى الوسيط بين المواطن الشيشاني والدولة الروسية، وغالبًا لا تدفع الحكومة الروسية التعويض كاملًا الذي بالكاد يكفي لشراء القليل من الطعام والشراب، وجلب ثياب تغطي أجسادهم المتخمة بالجراح، والمصبوغة بآثار بارود الحرب.

تحرص الحكومة الشيشانية على تلميع صورة قديروف حد الجنون، بنشر لافتات في جميع الطرقات والزوايا والأزقة في الشيشان، كما كان يفعل أسلافه القادة بالاتحاد السوفيتي ستالين ولينين، أثناء توليهما السلطة، مع اهتمام الإعلام بتخصيص ساعة كاملة لنشرة الأخبار التي تقسم نصفها لتغطية الأخبار العالمية والمحلية، ونصفها الآخر للتحدث عن رمضان قديروف.

يشعر كثير من مواطني الشيشان بالامتنان والحب لقديروف؛ لخدمته مصالحهم، واهتمامه بمنح مساكن لشريحة واسعة من الشعب التي دمرت بيوتهم أثناء سنوات الحرب، مع أن الاقتصاد الشيشاني يشهد تحسنًا مستمرًا مع تطوير هائل للبنية التحتية، فإن نسبة البطالة تصل إلى 70%، ومع وجود نسبة كبيرة من الشباب الذين يعملون في وظائف غير ثابتة، وكسب بضعة مئات من اليورو التي بالكاد تكفي لتسديد قوت الطعام والحاجيات الأساسية، وينزح سنويًّا الكثير من السكان إلى جنوب روسيا وأوروبا هربًا من الأوضاع الكارثية والمأساوية التي تشهدها البلاد من القمع الأمني الممنهج، والسلطوية في إدارة البلاد، مع غياب بوصلة واضحة لمستقبل البلاد.

Embed from Getty Images

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات