في الشيشان  يوجد تنوع فكري وأيديولوجي  كبير، فتجد الصوفي والقومي والليبرالي واليساري والسلفي والقاعدي والإخواني، وإن كان الخط الصوفي هو الغالب، خاصة «الطريقة النقشبندية» نسبة إلى «خواج أو الخوجة، بهاء الدين نقشبند البخاري الأوزباكي»،  التي تخرج منها الإمام منصور، والغازي محمد، والإمام حمزات، والإمام شامل، أصحاب  الجهاد الكبير ضد القياصرة الروس، والذي استمر منذ العام (1780م حتى العام 1859م )  بزعامة تلك الطريقة الذي يمكن أن نسميها بـ«الإستثناء الصوفي», قبل أن تأتي «الطريقة القادرية»، نسبة لـ«عبد القادر الجيلاني»، والتي أسسها في الشيشان «كُونْتْ- حجي كِيشي»، من بلدة «اليسْخان- يورت»، محافظة «غودِرْمِسْ»  أو الثورة القادرية، لتقاوم الروس، وهى التي رفض زعيمها المؤسس من قبل الجهاد، وأمر الشعب أو من يؤمنون بطريقته بترك جهاد الروس؛ لأن الله لا يريد الحرب، ويجب تسليم المؤمنين أمرهم لله!

وهى الطريقة التي انتشرت بسرعة، حتى شملت نصف بلاد الشيشان تقريبًا، وبشكل أوسع في بلاد «الإنجوش»، التي لم تشارك في الحرب «القوقازية المقدسة»، مع الإمام شامل، والتي كانت سببًا هامًا في إضعاف جهاد الإمام شامل ضد القياصرة، حتى استسلم مضطرًا عام 1859م؛ ليعود بعدها بعامين «كُونْتْ حجي كِيشي» مرة أخرى إلى الشيشان، بعد أن فر منها إلى الدولة العثمانية؛ هربًا من ملاحقات الإمام «شامل»، الذي كان على خلاف كبير مع الطريقة القادرية، التي كان يراها شوهت تعاليم الإسلام، وبعد استسلام «الإمام شامل» للقياصرة، لم يتحقق شيء من وعودهم التي وعدوا بها بعد انتهاء الحرب، بل على النقيض من ذلك؛ أخذ القياصرة بسن أحكامهم الاستعماريةالجائرة؛  لذا خابت آمال أتباع كونت حجي، (وغالبيتهم العظمى كانت من محاربي الإمام شامل)، وقاموا بثورة مسلحة ضد القياصرة من العام 1877 حتى العام 1917، بعد ثورات الفلاحين من العام 1862 إلى العام 1864على خلاف تعاليم المؤسس «كُونْتْ حجي كِيشي» وعلى غير رغبة منه.

و«الطريقة القادرية» التي رفضت ـ بالأمس ـ جهاد القياصرة الروس، هي نفسها التي ينتمي اليها «أحمد حجي قاديروف» وابنه «رمضان» الرئيس الحالي للشيشان، والموالي ـ كأبيه ـ لروسيا، وهي ذاتها الطريقة التي  كانت على خلاف كبير مع الرئيس الراحل «جوهر دوداييف» في جهاده ضد الروس، وفي العام 2014 احتفلت  والدة الرئيس الحالي للشيشان رمضان قاديروف بتخريج أول دفعة من جامعة إسلامية تحمل اسم «كونت»، وهو اسم مؤسس «الحركة القاديرية» في الشيشان، وشمال القوقاز عامة، بعد خمس سنوات من تأسيسها، وهو الحفل الذي حضره «الحبيب علي الجفري» و«الحبيب عمر بن حفيظ»  و«الحبيب محمد السقاف»، وغيرهم من أكابر الصوفية الحالية، وكرم فيه رمضان قاديروف بحصوله على الدكتوراة الفخرية.

وابتليت الشيشان ـ كغيرها من بلدان العالم الإسلامي ـ بأنه في ظل الأزمة الكبيرة التي تعيشها في ظل العائلة «القادوروفية» كان هم  كل فريق من فرق المعارضة أن يدعي لنفسه الحق المطلق، ويرمى غيره بالباطل، وبدلًا من الجلوس والحوار والنقاش فيما بينهم يتحين كل فريق الفرصة؛ ليقضي على الآخر؛ آملًا في السيادة، دينية كانت، أم سياسية.

وكان هذا سببًا في ارتماء بعض من مجاهدي الأمس  في أحضان الروس،  وبعضهم في أحضان الغرب، وبعضهم في أحضان القاعدة، والقليل هم من يسعون إلى توحيد الشعب والتفافه حول قضية الجامعة، وسماع ألام الناس وتوجعاتهم، ومواجهة الظلم، وضياع الهوية، والتغريب الديني الذي يبثه قاديروف، و«حضرته» الآثمة.

ونصرة القضية والحفاظ على الهوية وتلبية رغبات الناس لن تأتى بكثرة الأسلحة، ولا بكثرة القتلى، بل يكون بجهاد منضبط ضد العدو، ومعاونيه، وبحركة سياسية خارجية تتسم بالشجاعة في عرض القضية، والنشاط في تحريك الرأي العام العالمي، وليس النظام العالمي أو الأمم المتحدة، وألا تخشى، ولا تخجل من هويتها وتاريخها، وبمقاومة فكرية داخليه تتسم بالمرونة فيما يمكن التغاضي عنه، وقبول الخلاف حوله، والحسم في القضايا المركزية, والقدرة على حشد الناس ضد النظام الموجود، وتشجيعهم على الحراك، وأنه لن يكون ثمة تغيير بدون دفع ضريبة من الأموال والأنفس والتضييق على الأهل والولد، وأن الطليعة المقاومة دائمًا تكون قد باعت روحها لله، وألا ينتظر أحد منهم مغنمًا، إلا أن يكبر عليه أربع تكبيرات، لا ركوع فيها ولا سجود، وأن يعلموا، بل يحفظوا أنه:

قليلون هم من يحملون المبادئ. وقليل من هذا القليل الذين ينفرون من الدنيا من أجل تبليغ هذه المبادئ. وقليل من هذه الصفوة الذين يقدمون أرواحهم ودماءهم من أجل نصرة هذه المبادئ والقيم. فهم قليل من قليل من قليل, ولا يمكن أن يوصل إلى مجد، إلا عبر هذا القليل، ولا يمكن أن يقام لهذا الوطن بنيان، ولا أن ترفع له راية، ولا أن تشرع له سكينة، إلا عبر هذا الطريق، وهذا الطريق وحده طريق أصحاب المبادئ.

وبغير هذا، ستبقى الشيشان ضعيفة أمام التمزق الحاصل من كل طرف، وسيكون المكسب الدائم لمن هم في السلطة؛ لأن الناس ستنفر من كل المعارضين والمقاومين وقتها، ولن تنصر أيًا من هؤلاء، ولو ادعى كل فريق أن الناس معه، فنقول له ما قاله «الفرزدق» للحسين بن علي ـ رضي الله عنهما ـ حين خرج إلى الكوفة، بعد مبايعة أهلها له: «قلوبهم معك، وسيوفهم عليك»، أو ربما هذا ما توهم به نفسك، والحقائق على الأرض تكذبه، وربما يجب أن تعرف أن كل من يقاوم قاديروف ليس على طريقتك.

والسلطة الموجودة تستغل هذا أيما استغلال؛ فقد تحركت في اتجاه العلماء ومشاهير العالم الإسلامي؛ لتقدم لهم الشيشان على أنها البلد المستقر، وأن الرئيس الحالي سليل أسرة متدينة!

فأبوه المفتي السابق للشيشان، والحالي  يبكي عند إحضاره كوبًا يدعى أنه كوب لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبنى أكبر مساجد أوروبا برعاية روسية، تلك التي تدك مثيلاتها في سوريا، بتعاون مع نظام طائفي خائن، لا يختلف عن رمضان كثيرًا، وكذلك فتح أكبر مركز لتحفيظ القرآن، ويدعو العلماء وغيرهم من مشاهير العالم الإسلامي للحضور إلى الشيشان، فكان «الشيخ القرضاوي» من هؤلاء، وصرح عن طريق الفيديو في العام 2010:

أن جمهورية الشيشان لها في أنفسنا مكانة، أية مكانة؛ فهي جمهورية إسلامية نعتز بها، وبمواقفها، خاصة في عهد رئيسها الجديد «رمضان قديروف»، والذي عرفنا أنه من أسرة علمية ودينية تعتز بالإسلام، فهو إضافة إلى هذا الشعب والشيشان الحبيب!

وبالرغم من موقف الإمام الجديد، بخصوص مؤتمر الشيشان، لا أعرف هل ما يزال مؤيدًا لقاديروف، وداعمًا له، أم تغيرت فكرته عن ذلك السفاح الذي وصفه الشيخ حديثًا بالتابع لحكومة روسيا، بالرغم من أن الشيخ في ذات البيان أخطأ خطأ فادحًا حين قال: مؤتمر إسلامي، يعقد في جروزني عاصمة الشيشان، إحدى الولايات التابعة لروسيا الاتحادية!

بالرغم من أن الشيشان دولة محتلة من قبل «القياصرة» قديمًا، وحديثًا من قبل «السوفيت»، ثم وريثته «روسيا الاتحادية»، والشيشان أعلنت قيام الدولة والاستقلال، بعد ثورة 1917  ضد القيصر، عام 1918 بقيام دولة شمال القوقاز تحت رئاسة «تابه تشيرموييف»، اعترف بها البلاشفة والألمان والدولة العثمانية، وفي العام 1942 أعلن الشيشان إعادة تشكيل الدولة الشيشانية برئاسة المحامي «حسان إسرائيلوف»، ولكنها قوبلت بالتهجير القصري ضد الشعب الشيشاني عام 1945؛ بأمر من الديكتاتور الدموي «ستالين»، وأعلنت الشيشان دولة مستقلة  بعد توقيع اتفاقية «مسخادوف ـ يلتسن» عام 1997، والتي لا تنص على تبعية الشيشان لروسيا، قبل أن يعاود الروس احتلال الشيشان عام 1999، وحتى يومنا هذا.

وقد حاولت التواصل مع الشيخ قديمًا، بعد تصريحه القديم حول الشيشان، وقاديروف، خصوصًا بعد نجاح الثورة، ومجيء الشيخ إلى مصر عن طريق بعض تلاميذه؛ لأوضح له حقيقة الوضع في الشيشان؛ إذ إنني أيقنت وقتها أن الشيخ يقول كلامًا نقل له، ولا يدرك حقيقة الوضع في الشيشان، فقبل الشيخ ثناء ـ من ظنهم ـ ثقات، وكنت قد أعددت ملفًا خاصًا بهذا الشأن يحوي صورًا وفيديوهات وتوثيق حول جرائم قاديروف هناك، وكنت قد سبقته بمقال على موقع أعلم أن بعض تلامذة الشيخ يرتادونه، بعنوان «ما هذا يا شيخ يوسف يرحمك الله؟» وتبادلنا النقاش حوله، قبل أن يغلق الموقع بعدها بفترة؛ بسبب آخر غير المقال، لا أعرفه، وتواصلت مع بعض أفراد في الاتحاد العالمي بهذا الخصوص، ورحبوا، ولكن لم ينجز على الأرض شيء، وطرحته على «جروب» على «فيسبوك» يخص تلاميذ الشيخ المقربين، لكني لم أستطع الوصول للشيخ، ولم يكلل الأمر بالنجاح، وباءت المحاولات بالفشل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الشيشان
عرض التعليقات
تحميل المزيد