فضاء الفيس البوك

هذا الفضاء الذي أصبح جزءً لا يتجزء من حياة الكثير، فأصبح وسيلة اتصال لمن تقطعت به السبل، وقذفه طلب الحياة مئات الأميال بعيداً عن أهله ومحبيه وأصدقائه.

يمثل هذا الفضاء وسيلة عمل، فللكثير من الناس صفحات يروجون فيها خدمات أو منتجات يوفرونها، ولا يخفى عنا مشاهير الفيس البوك، الذين رُفع بعضهم من حياة كانوا فيها حبيسي غرفٍ كئيبة إلى أضواء الشهرة.

منهم من قدم البرامج التلفزيونية الكبيرة، ومنهم من قام بحملات غيرت مجرى تاريخ بلدانهم، كالذي يسمى بالربيع العربي، ومنهم من بقى في حضيض هرم الفيس بوك، يقتات على العواطف الرقمية، أما قمة المستفيدين فنعرج عليهم في متن المقال.

المسألة تتوسع كثيراً، فكل مشهور أو مؤسسة أو محل تجاري صغير، أو حتى طفل لا يعرفه، إلا أبوه وأمه يمتلك صفحة فيس بوك، يسرح ويمرح ويبث منها أفكاره وآراءه (صفحة لا أقصد منها الحسابات الشخصية فهناك فرق).

عبر الفيس بوك يتلقى الكبير والصغير أفكاراً مِمَن هب ودب، ويخضع لسيطرة دماغية قد توصله في بعض الأحيان إلى ما لا يحمد عقباه. وأبسط مثال على ما أقول خرافة: (اعرف من زار بروفايلك) التافهة.

مئات من التطبيقات المتداولة في هذا الفضاء تحت اسم اعرف من زار بروفايلك، يتهافت على هذا التطبيق نسبة صادمة من مستخدمي الفيس بوك؛ بسبب الفضول البشري الذي يستخدمه تجار العقول في جذب السذج لمآربهم، فإما أن يكون هذا التطبيق عبارة عن فايروس؛ لسرقة الحساب، أو التجسس عليه، وإما أنه تطبيق إعلاني ينقل المستخدم إلى صفحات إعلانية، أو لأغراض أخرى، جميعها غير قانونية، وغير مفيدة للمستخدم، ولو قام المستخدم لمرة وحدة في حياته، فإنها لن تكلفه سوى 3 دقائق يستخدمها في قراءة مساعد الفيس بوك لما وقع في هذا الفخ التافه، والصورة التالية من صفحة المساعدة في الفيس بوك

بهذه البساطة تنتشر الايدولوجيا!
بهذه البساطة تنشر المؤسسات !

بهذه البساطة يُجر، ويُثقف ثقافة عكسية، من يعيقه كرشه الفكري عن التحرك للبحث عن الحقائق من مصادرها، وأقصد بالكرش الفكري هو (العجز والكسل) الذي يجعل الشخص يتهاون بفلترة المعلومات الداخلة إلى عقله، ليجعل من عقله مسرحاً لما يبث من أكاذيب، منها التافه ومنها الخطير.

يعيقه كرشه الفكري عندما يرى حديثاً للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيه فكرة معينة أن يبحث عن صحته وما أسهل الأمر !
يعيقه كرشه الفكري عن البحث في مصداقية مقولة نقلت عن سياسي أو رجل صاحب منصب، فهو يستطيع بسهولة أن ينتقل إلى صفحته الرسمية؛ ليرى إن كان قالها أم لا!
يعيقه كرشه الفكري أن يقرأ سطوراً منسوبة لعالم أو مفكر، أن يراجع مؤلفاته، أو أن يطلب من ناشرها أن يؤكد المصدر على الأقل!

يسمع أي هراءٍ فيصدق، يرى سماً مدسوساً بعاطفة، فتبرق عيناه، فكم من شخص أسقط الآية العظيمة ذات المعاني الرهيبة (إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها) على قصة حشرة فوق البعوضة ليس لها وجود علمي نهائياً! والآية تعني غير ذلك قطعاً!

والأفضل أن ينشر ما لعظمة الخالق من كمال جعل من هذه البعوضة مصنعاً متنقلا!


وكم من شخص مقتنع أن أكل التمر فرادى له فوائد للجسم، بينما لحديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مناسبة غير ما اسقط على الحديث، وكم من خبر ينقل عن إسلام ممثل مشهور، لترى المهللين والمكبرين، وكان جديرا بهم البحث عن الحقيقة بكبسة زر والذهاب إلى موقعه الرسمي؛ للتأكد. والأمثلة لا تعد ولا تحصى.

عجبا! العالم يزداد سهولة لمن يريد البحث عن الحقائق، بينما أصحاب الكروش الفكرية يختارون الطريق الأسهل، طق، طق، طق، Like، share، بدون علم ولا تركيز ولا بحث عن الحقيقة!
هل تعلم يا من تكبس زر الشير أنه إذا كان ما تشيره حديثا مكذوبا فإنك تشارك بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم!

هل تعلم يا من تنشر معلومة طبية أو تاريخية أو علمية، بدون أن تتأكد من صحتها كم من الجهل تنشر في مجتمعك! أين أنت من الصدقة الجارية، وممن سن سُنَّة سيئة؟

هل سألت نفسك يوماً من المستفيد من تجهيل المجتمعات، وسوقهم كالبقر، نحو اتجاه واحد! لا تستهن بالموضوع، واعلم أن كل ما يدور في هذا الفضاء له مقصد، وخلفه مستفيد فلا تجعل نفسك مما يساق، وكن خارج القطيع، حتى لو نجوت بنفسك فقط، وعارض كل شيء بدون مصدر، واجعل نفسك رشيقاً خاليا من كل معلومة مكذوبة، فهي كدهون الكرش: شكل كبير، عظيم الشكل، عديم الفائدة، معيق للحركة.

هرم الفيس بوك

قد يكون هذا المسمى غريباً، لا أعلم أن تطرق له قبلي أحد بهذا المسمى، فلكل نظام في هذه الدنيا (هرم)، لا تغرنك أفواه المساواة والشراكة والديمقراطية … إلى آخر هذه الترهات، فحتى العائلة الصغيرة، والأسرة الضعيفة ـ في هذا العالم ـ في داخلها هرم، فيه المسيطر والمستفيد، ولكن أسفل الهرم عند قاعدته ـ كما ذكرتهم أعلاه ـ هم من يقتات على العواطف الالكترونية: ( صداقات قديمة – علاقات اجتماعية – حب – تعارف – هروب من الواقع – بعض التجمعات الثقافية لا تمثل 5%). وهؤلاء هم الأغلب.

أعلاهم: (المسوقون والباعة) كأصحاب المحلات التجارية أو مسوقي الشركات، وغيرهم، وتجار الأمور المشروعة. وأعلاهم ضباط استخبارات الدول المتأخرة، والمتجسسون و(الهكرز)، وغيرهم من الذين ينشدون معلومات تفيد عملهم.

من هنا يبدأ العالم المُتحكم؛ فمسوقو الأفكار، وأصحاب الايدولوجيا، وصناع الأزمات، ومخابرات الدول المتقدمة، وأصحاب نظريات الديماغوجيا القابلة للتطبيق على قطعان بشرية بشكل سهل غير مكلف مادياً

هذه القمة يقتسمها شياطين الإنس، ولا أبالغُ أبداً إن قلت: وشياطين الجن أيضاً.

رفعت الأقلام وجفت الصحف

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد