ربما صُدمت من العنوان. ربما تساءلت إذا كان تم اختطافي من قبل كائنات فضائية وأخذوني معهم إلى كوكب بعيد واستبدلوا بي رجلًا آليًا أو مخلوقًا غريبًا. ربما أعدت قراءة الاسم مجددًا حتى تتأكد.

ولكن فعلًا، أنا مبتهج. ما السبب؟ سأخبرك، لأني بكل بساطة أصبحت أراهم. أصبحت أتعرف عليهم بكل بساطة. أصبحوا هم كل أصدقائي ومعارفي.

أصبحت أحبهم بشدة رغم ما يُقال عنهم. أصبحت أعرفهم بمجرد النظر في عيونهم. نحن جميعًا كذلك لا نخفي على بعضنا البعض. جميعنا يعرف بعضهم بعضًا. بالطبع لا أيها المجنون. لا أقصد العالم السفلي والميتافيزيقيا. أنا أتكلم عنهم.

عن من؟ عندما تترك سؤالًا مفتوحًا فإن جميع الاحتمالات متاحة. كل الإجابات قد تصبح صحيحة. ربما أتحدث عن النازيين، أو عن مصاصي الدماء، وهناك دائمًا ذلك الاحتمال أني أتحدث عن الشخصيات الكرتونية.

ولكن هنا اليوم لأتحدث عن فئة كلنا نعرفها. بالتأكيد قد قابلت أحدًا منهم وتعاملت معهم. إني أتحدث عن أولئك الذين يرون العالم بواقعية. عن أولئك الذين لم يحالفهم الحظ حتى الآن. عن أولئك الذين يراهم المجتمع مدّعين أو أنهم يأخذون الأمور على محمل الجد أكثر من اللازم.

أتحدث عن هؤلاء الذين يطلق عليهم المجتمع «بائسين». نعم، أعرف أنكم مللتم. وأسمع صوت صيحاتكم بتغيير الموضوع. أرى ذاك الشخص الذي يهتف بأني لا أعرف أن أكتب إلا في هذا الموضوع وأن موهبتي لا تتعدى ذلك.

ربما هو صحيح؟! من يعلم؟ حسنًا. بالرجوع إلى حوارنا الأساسي والشيق لبعضكم وبعد أن ذهب أولئك السادة إلى حيث يستمتعون بحياتهم المزرية والتافهة، حيث يرون أنهم بلا مشاكل وأن غدًا سيصبح أفضل، حيث يرون كل شيء جيدًا.

أود أن أعرفكم متى بدأت تلك الظاهرة معي. وصراحة لقد كنت في يوم من الأيام مثل هؤلاء الناس؛ لا يعبأ بشيء، لا يخشى المستقبل، كل ما أفكر فيه هو يومي وفقط. وللأمانة كان مرحًا. حتى تعرفت عليهم. لقد انفتح قلبي لهم من أول مرة. أؤمن بأن القدر قد جمعنا لحكمة ما. بدأت أنجذب إليهم تلقائيًا. بدأت أرى الأمور من وجهة نظرهم الخاصة. بدأت أعي أني كنت أعيش في أوهام مطلقة وقد حان وقت الفواق.

حتى أصبحت منهم. حتى أصبحت غريبًا عن مجتمع يرى فيه المكتئب أنه يتكاسل أو يدعي. صراحة، شغل بالي سؤالان وسأحاول الإجابة عليهم هنا. الأول: ما الذي أوصل أولئك الناس لهذه الحال؟ الثاني: ما سبب نظرة المجتمع الغريبة لهم؟

لنذهب سريعًا للسؤال الأول لأني أعدكم أنه حوار شيق للغاية. ما الذي يدفع شخصًا مفعمًا بالحيوية والأمل والطاقة والحياة أن يصبح بائسًا؟ ولكن السؤال الصحيح ما الذي يدفعه حتى لا يكون كذلك! تختلف الأسباب من شخص لآخر
من حياة لأخرى، من مجتمع لآخر. وتختلف أيضًا نسبة الأهمية بالنسبة لك. فما تراه تافهًا وغير مؤثر، قد يدفع شخصًا آخر للجنون واليأس والكآبة.

كما قلت سابقًا؛ النسبية هي السبب. ولكن مهما اختلفت الأسباب ومهما اختلفت أهميتها ومهما اختلف الأشخاص، فإنها تتفق على شيء واحد؛ إنها تلمسنا. تلمس ذلك الجزء الطيب منا، تلمس ذلك الجزء الحسن من شخصيتنا. تدمره، تقهره، تهزمه، تحطمه. كل ما يتبقى لك هو رفات روحك في جسد هزيل.
والمطالب منك أن تتماسك وتجمع شتات نفسك وألا تخبر من حولك حتى لا يُقال عليك إنك تبالغ أو إنك لست رجلًا أو إنك مجرد مراهق مع بعض المشاعر اللعينة سببها انفجار الهرمونات في تلك المرحلة.

البائس أو اليائس أو المكتئب هو شخص يرى نفسه غير مهم. لمن؟ لنفسه، للمجتمع، لأي أحد. يرى نفسه وقد خانه القدر مجددًا ومجددًا. يرى العمر يتقدم سريعًا بينما هو لم يُحقق أي نجاح يذكر. يرى من حوله يحققون النجاحات تلو الأخرى بينما هو فاشل. يرى أنه لا يمثل قيمة لأحد على الإطلاق. وجوده من عدمه.

أتحدث عن ذاك الشخص في مدرستك أو عملك أو محيط سكنك. ذاك الشخص الذي لن تلاحظ إذا ظهر ولن تهتم إذا غاب. أستطيع أن أؤكد لك؛ ذاك الشخص هو من أتحدث عنه.

أما عن نظرة المجتمع فتلك إجابة سهلة. المجتمع يمقت كل ما هو غريب، كل ما هو ناشز وخارج عن القطيع. إنه يحتقر كل ما يخرج عن العادات والتقاليد. لا تحزن. في أغلب الأحيان يكون المجتمع خاطئًا، تكون العادات جهلًا، تكون التصرفات الطبيعية هي تصرفات موروثة. في المجتمع لا مجال للتجديد.
نهاية، لا تظن أن البؤساء يفتخرون بذلك أو يرون أنها طريقة للشهرة واكتساب سمعة. إنهم مجرد أشخاص قد حُكم عليهم بهذا. وها هم يعيشون على أمل أن يتغير كل ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد